أسئلة حول فرضية الانتقال الديمقراطي بالمغرب

transition

يقدم لنا النظام العالمي مجموعة من “براديغمات” وتجارب للانتقال الديمقراطي الذي عرفته العديد من دول العالم، ففي التجربة الإسبانية مثلا كان الانتقال عبر توافق تعاقدي بين الجناح العسكري المتمثل في الجنرال “فرانكو” والملك العائد، إلى جانب النخب اليسارية واليمينية التي أدركت أهمية التغيير السياسي. وفي البرتغال كان الانتقال الديمقراطي عبر انقلاب عسكري أبيض أو ما سمي بثورة القرنفل، حيث حاصر الجيش مقر الرئيس المخلوع الذي تنازل عن الحكم بشكل سلمي، ثم جابت القوات العسكرية الشوارع حاملة وريقات القرنفل على فوهات بنادقها. أما بأمريكا اللاتينية فكان الانتقال إلى الديمقراطية من خلال عودة الجيش إلى ثكناته العسكرية وترك مؤسسات الحكم للأحزاب السياسية. في جنوب إفريقيا تم الانتقال عبر المدخل الحقوقي بترك نظام التمييز العنصري للبيض على السود أو ما سمي بنظام “الأبرتايد”، وإقرار المصالحة الوطنية وتصفية ملفات الانتهاكات الحقوقية، بإنشاء نظام سياسي يضمن المساواة في الحقوق والتداول السلمي على السلطة.

هذه الموجة من الانتقالات الديمقراطية التي بدأت مع منتصف السبعينات من القرن الماضي، جعلت المطلب الديمقراطي مسألة ضرورية في المجتمعات المتخلفة. باعتباره نظاما يقطع مع دابر الفردانية في الحكم، ويخرج المجتمعات من جمودها السياسي الذي يؤدي بها في نهاية المطاف إلى التخلف الاجتماعي والاقتصادي.

فما هي مداخل الانتقال الديمقراطي؟ وما هي الآليات التي تساعد على إحلال هذا الانتقال وإنجاحه؟ ثم ما هي المراحل التي يمر منها هذا الانتقال؟

سيكون من العبث الجزم بأن هذه الورقة كافية في تقديم توصيف شافي وعافي لمسألة الانتقال الديمقراطي، كإطار نظري و”كبراديغم” وكآلية للانتقال إلى الحكم الديمقراطي، فالمسألة أعقد وأكبر من أن تختصر في بعض الأفكار الموجزة. لكنها تبقى محاولة لتقديم بعض الإشارات حول إشكالية الانتقال الديمقراطي بالمغرب، الذي بدأ يلاحظ أن الكلام حوله سواء على مستوى النقاش الفكري أو السياسي في تراجع منظور.

1ـ تحديدات أولية:

إن أول خطوة في تبيان منظومة الانتقال الديمقراطي كحقل معرفي أضحى يأخذ استقلاليته ويصطلح عليه بعلم الانتقال أو Transitologie، تبدأ بتعريف الانتقال الديمقراطي، والذي يطرح بدوره إشكالية منهجية حيث يحيلنا على تعريفين تعريف معياري وتعريف إجرائي:

التعريف المعياري: ويركز على الجانب الشكلي في فعل الانتقال، حيث يعرف بالانتقال من حالة اللا ديمقراطية إلى حالة الديمقراطية. بمعنى الانتقال من نظام سياسي مغلق إلى نظام سياسي مفتوح يتيح فرص للتداول على السلطة. لكن رغم ذلك يبقى هذا التعريف عاجز على تبيان صيرورة الانتقال وتدبير لحظة الانتقال، مما اقتضى تبني معيار آخر أكثر توضيحا وتفسيرا.

التعريف الإجرائي: ويمكن أن نستقيه من تعريف “شومبيتر” مبتكر النظرية الجديدة للديمقراطية، والتي في منظوره هي “اتخاذ التدابير المؤسساتية من أجل التوصل إلى القرارات السياسية التي يكتسب من خلالها الأفراد سلطة اتخاذ القرار عن طريق التنافس على الأصوات”، مما يفسر أن الانتقال الديمقراطي هو انتقال من نظام سياسي يسود فيه الحكم الفردي/الاستبدادي إلى نظام سياسي يتم فيه اختيار صناع القرار بشكل جماعي عن طريق انتخابات حرة تنافسية وعادلة، بحيث تكون النخب التي تفرزها الانتخابات قادرة على الحكم عن طريق مؤسسات دستورية فاعلة.

هذا التعريف يحيل على أن فعل الانتقال هو عملية تفاعلية وتنازعية تقوم في فترة معينة بين بنيات غير ديمقراطية موروثة عن نظام سياسي قديم وبنيات جديدة ديمقراطية، بحيث عندما عندما تتغلب الثانية على الأولى تتحقق الديمقراطية وينجح فعل الانتقال.

وهو ما يحيل على ملاحظة أساسية تقسم فعل الانتقال الديمقراطي إلى ثلاث مراحل، انطلاقا من الإجابة على ثلاث تساؤلات: ننتقل من أين؟ وإلى أين؟ ثم كيف يتم هذا الانتقال؟

إذا كان التعريف الإجرائي يقدم لنا إجابة مبدئية على السؤال الأول والثاني: من أين؟ وإلى أين؟ فإن سؤال كيف؟ أي كيف يتم هذا الانتقال يجعلنا نستعين بأطروحة “صامويل هنتغتون” حول التحول الديمقراطي، الذي يقدم لنا إجابة توصيفيه لمداخل الانتقال من خلال تجارب الانتقال الديمقراطي التي عرفتها مجموعة من بلدان العالم، فهناك مدخل “التحول”، ومدخل “الإحلال” ومدخل “الإحلال التحولي”:

ـ فالتحول: هو أن تبادر النخب المسيطرة على السلطة بتبني الديمقراطية، وتحويل البنية الشمولية للنظام السياسي إلى بنية مؤسساتية يتم التداول عليها بشكل حر ونزيه.

ـ والإحلال: هو أن تتكلف المعارضة بالانقلاب على النخب المسيطرة على الحكم، وتقوم بإحلال النظام الديمقراطي بدل النظام الشمولي القديم.

ـ ثم الإحلال التحولي: و هو اشتراك الحكومة المسيطرة والمعارضة بشكل تعاقدي، في عملية التحول الديمقراطي.

لكن هل تعتبر فترة الانتقال الديمقراطي فترة ديمقراطية؟ لا يمكن بالضرورة أن تكون فترة الانتقال الديمقراطي فترة ديمقراطية، بل يمكن اعتبارها جسر يربط بين ضفتين، ضفة غير ديمقراطية وضفة ديمقراطية، وحينما تنجح عملية المرور بين الضفتين عبر هذا الجسر يتم تفكيكه وتدميره، بشكل يقطع أي اتصال ما بين الضفتين.

وعليه يعتبر فعل الانتقال الديمقراطي مسلسل يروم توفر مجموعة من الشروط الذاتية والموضوعية، وذلك بأن تتوفر إرادة الانتقال الديمقراطي لدى الفاعلين السياسيين سواء الحاكمين أو المعارضين، ثم التشبع بثقافة الديمقراطية وقيمها كعناصر جوهرية لإنجاح فعل الانتقال. أما الشروط الموضوعية فهي تحمل تكلفة الانتقال، وهي تكلفة موضوعية من خلال توفر المشروع الديمقراطي المجتمعي/الاجتماعي، ثم تكلفة زمنية: بحيث أن فعل الانتقال هو فعل محصور في زمنية معينة تربط “ما بين من أين؟ إلى أين؟” وهي زمنية تخضع لمدى الجهد القائم في التخلص من البنى القديمة غير الديمقراطية، والتي يجب أن لا تطول كثيرا حتى يمكن إنجاح عملية الانتقال الديمقراطي.

ويقوم مسلسل الانتقال الديمقراطي على ثلاث ركائز أساسية ليست بالضرورة متوفرة في جميع التجارب العالمية للإنتقال:

ـ اللبرلة: ويتحقق من خلالها الانفتاح الاقتصادي والسياسي للمجتمع، والتي تؤدي إلى قيام ما يسمى ب”مجتمع الخيرات”، حيث يتم تحسين مؤشرات النمو وتبني نظام قيم السوق التي تضمن التنافسية الحرة للرأسمال.

ـ الهندسة المؤسسية: وتقضي بإقامة ما أضحى يصطلح عليه في أدبيات العلوم السياسية ب”التكنولوجية الدستورية”، وذلك بتبني دستور ديمقراطي يضمن الفصل الأفقي للسلط “التشريعية/التنفيذية/القضائية”، ثم الفصل العمودي للسلط بين سلطات الدولة وسلطات المجتمع المدني والسلطة الدينية والسلطة الزمنية. إلى جانب صك الحقوق والواجبات بشكل تفصيلي يضمن الحقوق المدنية والسياسية الجماعية والفردية للمواطنين.

ـ التثبيت: وتهدف إلى توطيد المشروع الديمقراطي ومأسسته، فمن خلال التثبيت يتم اختبار مدى نجاعة فعل الانتقال، حيث تعتبر مخارج الانتقال الديمقراطي ومكتسباته، بقياس مظاهر السياسات العمومية التي أشرفت على تبنيها مؤسسات الانتقال.

تحيلنا العناصر السابقة على إبداء ثلاث ملاحظات حول مميزات مسلسل الانتقال الديمقراطي:

الملاحظة الأولى: أن فعل الانتقال الديمقراطي لا يمكن أن يثبت نجاحه إلا من خلال الإحساس بحتمية الانتقال إلى الديمقراطية، كحل ضروري مبدئي للنمو وإحلال المؤسسات الفاعلة من أجل ضمان الرقي للمجتمعات، رغم وجود بنيات مقاومة لهذا الانتقال ورافضة لنهجه.

الملاحظة الثانية: أن فترة الانتقال الديمقراطي ليست بالضرورة أن تكون حالة للعيش الديمقراطي، بيد أنه يجب أن يحافظ فيها على ما يسميه “صامويل هنتغتون” بالشرعية العكسية، أي التسريع بالتغييرات في البنيات القائمة في النظام غير الديمقراطي و”طمأنة الجماعات المتشددة عن طريق تقديم بعض التنازلات الرمزية بإتباع سياسة خطوتين إلى الأمام وخطوة إلى الوراء”.

الملاحظة الثالثة: أن التجربة العالمية في الانتقال الديمقراطي أثبتت نجاعة الانتقال الديمقراطي القائم على التوافق التعاقدي بين قوى المجتمع، بالانتقال من حالة اللاديمقراطية إلى حالة الديمقراطية، عبر دستور يضمن حقوق الأفراد، وإقامة مؤسسات قوية يتم التداول في حكمها عبر انتخابات حرة ونزيهة، تؤدي في صيرورتها إلى السيطرة على عملية التحول الديمقراطي.

من خلال هذه التوصيفات الموجزة لفعل الانتقال الديمقراطي: هل يمكن اعتبار ما يقع في المغرب انتقالا ديمقراطيا؟ إلى أي حد ذهبت التجربة المغربة في فعل الانتقال؟ هل هناك وعي بالانتقال الديمقراطي بالمغرب؟ هل نحن نتجه نحو الديمقراطية فعلا أم نحو شيء آخر؟

2ـ المغرب وإشكالية الانتقال

قياس مؤشرات الانتقال الديمقراطي على الحالة المغربية يحيل بداية على مجموعة من الإشكاليات المنهجية، تتعلق بمدى حضور الإرادة لدى مكونات المجتمع المغربي في إقامة الانتقال الديمقراطي، ثم بمدى جاهزية النخب والمؤسسات القائمة في استقبال العملية الديمقراطية، وهل هناك اتفاق عن كيفية وزمنية تدبير فترة الانتقال؟.

ظهرت بعض بوادر الانفتاح السياسي في المغرب مع بداية التسعينات بتأسيس المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، ثم المحكمة الإدارية، بالإضافة إلى مراجعتين دستوريتين. بيد أن المؤشرات الحقيقية في الانفتاح السياسي لم تتجلى ظاهريا إلا من خلال تدشين مسلسل التوافق بين المؤسسة الملكية كمؤسسة حاكمة وفصائل المعارضة المتمثلة بالأساس في الحركة الوطنية، وذلك بتنصيب حكومة “التناوب التوافقي” برئاسة أحد أبرز المعارضين”عبد الرحمان اليوسفي” ثم السماح بعناصر المعارضة الخارجية بالرجوع إلى الوطن. هذا إلى جانب تنصيب هيأة الإنصاف والمصالحة مع ماضي الانتهاكات الجسيمة، بالإضافة إلى الدخول في مسلسل من الإصلاحات القانونية وتدبير السياسات العمومية…

كل هذه الإصلاحات أضحت تضفي على المشهد السياسي المغربي نوع من الحركية، ونوع من الفعل على مستوى التدبير بحيث أضحى الجميع ينتظر الخطابات الملكية التي تحمل معها في كل مرة مشاريع مؤسسة في مجالات متعددة.

ما يلاحظ هو أن الدولة في المغرب أرادت أن تجعل تدبير السياسات العامة كمدخل لفعل الانفتاح السياسي، وتطوير الحقل الاجتماعي، وبالتالي تكثيف شرعية الإنجاز كمصدر من مصادر الشرعية التي لا يمكن الاستغناء عنها مهما كانت المصادر الأخرى التي يعتمد عليها أي نظام سياسي.

هذا المدخل لم يفرز لنا لحد الآن قناعة حقيقية على أن هناك انتقالا ديمقراطيا يمارس على الواقع، فحكومة التناوب التوافقي كانت من الممكن أن تقدم لنا هذا الانطباع لو كانت قائمة فعلا على آلية تعاقدية بين القوى التي شاركت فيها، بتقديم أجندة الانتقال ثم زمنيته من أين يبدأ؟ وإلى أين ينتهي؟، هذا إلى جانب المشروع المجتمعي الذي تقوم عليه. لكن على ما يبدو أنها كانت مرحلة فقط لتدبير لحظة معينة، وبإدخال المعارضة إلى اللعبة السياسية.

في الجانب الدستوري يلاحظ أن العملية التوافقية في المغرب لم تدبر بدستور للانتقال الديمقراطي، وتم الاشتغال بدستور ما قبل التوافق أي دستور السلطة، وهو ما يعني أن عملية ـ افتراضا وجزماـ الانتقال بالمغرب لم يتحمل فيها أحد تكلفة الانتقال الديمقراطي، بأن تتوافق الأطراف على إقامة سلطات متوازنة ومستقلة وقواعد تضمن التنافس الحر على السلطة في اللعبة السياسية.

كان من الممكن أن تستثمر هيأة الإنصاف والمصالحة كلحظة للانتقال الديمقراطي، بأن تعاد صياغة الوثيقة الدستورية بشكل يختلف عن طريقة الإعداد السابقة، أي بإقامة جمعية تأسيسية تقوم بتفصيل وتدقيق الحقوق العامة والخاصة للجماعات والأفراد، والعلاقة فيما بين السلطة. لكن ضل وجود الهيأة وأهدافها في حد ذاته يشكل تعارضا فيما بين المكونات الحقوقية بالبلاد، إلى جانب البطء في تفعيل توصيات الهيأة ومأسستها.

تعتبر الآلية الانتخابية عصب الديمقراطية وأبرز آليات مسلسل الانتقال الديمقراطي، حيث لا يمكن التفريق بين نظام ديمقراطي وآخر غير ديمقراطي إلا بمؤشر العملية الانتخابية ومدى نزاهتها وشفافيتها ومستوى المشاركة فيها، إلى جانب مخرجات الفعل الانتخابي الذي يتمثل في التداول الفعلي على الحكم بمؤسسات قوية وفاعلة.

يمكن الإشادة بالتجربة الانتخابية في المغرب على أنها بدأت تحافظ على مواعيدها، وأنها بدأت تدار ببنية قانونية حديثة، لكن ما يعاب على هذه التجربة هو ضعف المشاركة الانتخابية، إلى جانب الخروقات التي تشوب هذه العلمية. فالنسب المتدنية للمشاركة الانتخابية يضعف مردودية هذه الأخيرة ويضعف شرعية النخب التي تفرزها، هذا إلى جانب الحضور الوازن للمال الذي يضرب شفافية العملية الانتخابية ونزاهتها. العملية الانتخابية بهذا الشكل تضعف فرص الانتقال بل تطرح إشكالية جدوى الانتقال الديمقراطي، في ضل وضعية مواطن يقدم صوته الانتخابي مقابل قدر مالي. الشيء الذي يحيل على عنصر آخر من أبرز عناصر العملية الانتقالية وهو الثقافة السياسية الديمقراطية للمواطن؟

فالديمقراطية ليست مؤسسات وآليات مجردة فقط، بل هي ترتكز أيضا على مدى إدراك المواطن بأهمية الفعل الديمقراطي في حياته اليومية والمجتمعية، الشيء الذي يعطيه القدرة على تحمل المسؤولية والتشبع بقيم الحداثة والتطور. لذا فالانتقال الديمقراطي لا يتم فقط على مستوى البنيات المؤسسية والقانونية بل يوازيه انتقال على المستوى القيمي والذهني للمجتمعات، بالقطع مع دابر البنيات الأبوية التقليدية في إدارة الحياة المعيشية.

ضعف مؤسسات التنشئة والوعي القيمي والذهنيات التقليدية السائدة في المجتمع المغربي، تجعله يعاني من صعوبات في استيعاب قيم الديمقراطية والحداثة وبالتالي التسريع من وتيرة فعل الانتقال إلى الديمقراطية.

هذا الضعف على مستوى قيم الديمقراطية والحداثة ينعكس أيضا على مستوى المؤسسات المدنية في المغرب، أو ما يصطلح عليه بالهيئات الوسيطة مابين الدولة والمجتمع، ففي الوقت الذي يلاحظ فيه أن الدولة في المجتمعات الديمقراطية تشتغل بأجندة الفاعل المدني، يلاحظ في المغرب أن هيئات المجتمع المدني تشتغل بأجندة الدولة، مما يفقدها الفاعلية ويفقدها القدرة على المبادرة، على اعتبار أنها هيئات تابعة، وبالتالي أي حديث عن دور المجتمع المدني في إحلال عملية الانتقال يبقى في الوقت الراهن مسألة مؤجلة. ففي ضل الهيئات القليلة التي تمارس عمليات التعبئة والتأطير فأي تحول من هذا النوع لا يمكن إلا أن يستثنيها من أجندته.

4- ملاحظات على سبيل الختم

ملاحظ أن النظام السياسي المغربي يمضي في أسلوب إصلاحي ينطلق من مقاربتين، أولاها تمس البنية المؤسسية والقانونية من خلال إطلاق مجموعة من المبادرات في هذا الباب من قبيل المصالحة مع ماضي الانتهاكات الحقوقية وتسريع دينامكية مؤسسة صندوق الإيداع والتدبير الذي أضحى مشارك رئيسي في المبادرات التنموية، ثم تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، تأسيس الهيأة العليا للسمي البصري، ثم ديوان المظالم، وهيكلة الحقل الديني، إلى جانب إصلاح مدونة الأسرة، ثم تتويجا بدستور 2011 الذي جاء بعد الحراك الشعبي الذي عرفه المحيط الاقليمي والوطني..أما المقاربة الثانية فتتجلى بالأساس في الاهتمام بالجانب الاجتماعي بإقامة مبادرات تهم محاربة الفقر والهشاشة، من قبيل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ومؤسسة محمد الخامس للتضامن…

هذا فيما يتعلق بجانب مخرجات النظام السياسي، أما فيما يخص العلاقة بين الفاعلين فيلاحظ، أن أسلوب إدارة السلطة في المغرب اتجه نحو إعادة ترتيب التوازنات السياسية بالقطع النهائي مع مرحلة الصراع الذي دار طويلا ما بين مكونات الحركة الوطنية والمؤسسة الملكية، حول طبيعة السلطة وصناعة القرار السياسي. والانتهاء بتحويل النقاش على طبيعة النظام إلى النقاش على فاعلية المؤسسة السياسية. وقد توج إعادة ترتيب التوازن السياسي بخروج المؤسسة الملكية كطرف في موضوع الصراع، وإدخال اللعبة السياسية في نزاع مابين ثلاث توجهات، توجه الإسلاميين وتوجه أحزاب الحركة الوطنية وتوجه الحزب الجديد المتمثل في الأصالة والمعاصرة الذي فرض نفسه بقوة داخل اللعبة السياسية، فيما يبقى باقي الفاعلين تابعين لهذه التوجهات.

هذه الملاحظات التقديمية حول المسار الإصلاحي الذي سلكه المغرب خلال العشرية الأخيرة، تحيل على مستويين من التحليل لقياس مدى التقدم الذي طرأ على البنية السياسية في المغرب:

أولا: مستوى الميكروـ سياسي: اتجه المغرب إلى وضع منظومة إصلاحية ذات مرجعية سوسيو سياسية، همت بالأساس تحسين صورة حقوق الإنسان أمام المنتظم الدولي، وتحديث البنية القانونية، ثم التخفيف من حدة الفقر والبطالة لدى الفئات الاجتماعية المهمشة. وعلى المستوى السياسي إعطاء العمل الانتخابي نوع من المصداقية والقبول الشعبي. مما يحيل أن هذه المداخل أحدثت تغييرات مهمة على المستوى الميكروـ سياسي، حيث تم تسويق الصورة الحقوقية خارجيا، وإقامة برامج تنموية شملت مناطق عديدة في التراب الوطني. هذا إلى جانب فتح الأسواق المحلية أمام أسواق اقتصادية كبرى، بعقد اتفاقيات التبادل الحر، مما أعطى صورة عن مدى الانفتاح الذي يعرفه المغرب. أيضا دشنت العملية الانتخابية ابتداء من انتهابات 7 شتنبر 2007 نوع من المصداقية والشفافية التي فقدت في باقي الاستحقاقات الماضية، وكانت بهذه المناسبة أول حكومة في المغرب يتم انتخابها طبقا للمنهجية الديمقراطية. وبالتالي لا يمكن الجزم بأن المغرب لم يعرف إصلاحات مهمة في العشرية الأخيرة خصوصا على المستوى الميكروـ سياسي بالأساس.

ثانيا: مستوى الماكروـ سياسي: لم تتجاوز الإصلاحات التي دشنها المغرب طيلة العشر سنوات الأخيرة، حدودها الاجتماعية والاقتصادية إلى عمق البنية المؤسسية والسياسية. فالإصلاح لم يشمل قواعد النظام السياسي وطبيعة توزيع السلط، فلازال العمل الحكومي لا يمتلك القدرة على المبادرة والاختيار وفق البرنامج الذي يعتمده. ولا زالت اللعبة السياسية في المغرب تخضع لمنطق دستوري قديم حيث رغم الدستور الجديد بمعنى أننا لا زلنا لم نتخلص من منطق التحكم في المجال السياسي، ولا زال الفاعلون السياسيون في الحكومة لم يحدثوا قطيعة مع موقع الفاعل الثانوي في الهندسة السياسية. ثم أن السياسة الاقتصادي في المغرب لم تعرف إصلاحا شموليا يجدد الاختيارات الوطنية في عالم يعرف طفرات صناعية وتكنولوجية..إذن فالإصلاح الماكروـ سياسي الذي يقضي إعادة النظر في البنية المؤسسية وفي القوانين الحاكمة لمؤسسات الدولة وتسييرها على القواعد المتعارف عليها في الحكم الرشيد، يظل مؤجلا في أجندة الإصلاح بالمغرب، وأن أي مبادرة في هذا الاتجاه تبقى لحد الساعة في قاعة الانتظار.

وعليه فالاتجاه الإصلاحي الذي سلكه المغرب هو اتجاه نحو التحديث أكثر مما هو شيء آخر، فرغم التطور الذي مس وضعية حقوق الإنسان والاهتمام بالقطاع الاجتماعي إلا أنها تبقى متغيرات تابعة وعير ثابتة، بحيث لا يمكن تحقيق تطورات كبيرة في القضاء على الفقر والتخفيف من حدة البطالة ما دامت البنيات والسياسات الاقتصادية كمتغيرات مستقلة لم تشهد أي إصلاح. ثم على مستوى المؤسسات السياسية وقواعد اللعب السياسي، لا يمكن أن تشهد تطورا على مستوى الفاعلية مادام التركيز يتم فقط على إصلاح الإطار الانتخابي كمتغير تابع، والاهتمام بالجانب الحقوقي للتسويق الخارجي، وخلق هامش من حرية التعبير، التي تبقى متغيرات تابعة وغير ثابتة، الشيء الذي يفسر التراجعات التي تحدث في كثير من الأحيان في هذا الباب، ما دامت المتغيرات المستقلة التي تضبط قواعد اللعبة والتوازنات المؤسسية والتي تفصل في الحقوق والواجبات، غائبة من أي إصلاح جذري.

تحيلنا هذه الملاحظات إلى الخروج بثلاث نتائج:

النتيجة الأولى: أن عملية الانتقال الديمقراطي لا تتم إلا بنخب واعية متجددة ومتشبعة بقيم الديمقراطية والحداثة، فمن غيرها لا يمكن أن يتحقق الانتقال وحتى إن تحقق فسيفرز بنى مقاومة لفعل الانتقال مما يؤدي إلا ما يسمى في أدبيات العلوم السياسية بالردة الديمقراطية.

النتيجة الثانية: إن فترات الانتقال تشهد دائما تفكيكا للبنيات المؤسسية القديمة ليست ما يهم السلطة فقط، بل حتى البنيات الحزبية القديمة، وذلك بتجديد نخبها وتجديد أفكارها، والمساهمة في بناء المشروع المجتمعي الذي يستجيب للمعايير الديمقراطية.

النتيجة الثالثة: لا سبيل لتوجيه التطور المجتمعي والسياسي المغربي، إلا بانتقال يعيد ترتيب العلاقة ما بين الدولة والمجتمع، بجعل المجتمع كموجه للدولة والدولة كحامية لهذا المجتمع.

Share Button