موازين التحولات الديموغرافية في أزمنة الثورات العربية

الحكم لمصلحة الشعب

إذا كانت دراسة التفاعلات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية مدخلا ضروريا لفهم طبيعة العلاقات والارتباطات القائمة لهؤلاء الشريحة العمرية <<الشباب>> الذين انشقوا عن نظام القهر والهوان والإمعية، فإن الإحاطة بالعوامل الديموغرافية وتحولاتها الجارية في العالم العربي يساعد في تفسير جوانب مهمة في الثورات العربية، ويميط اللثام عن أسئلتها الكبرى وأسبابها، بخاصة تفسير تحول الشباب العربي إلى قوة هادرة تلعب دورا هاما في التحولات الجارية. فضلا عن كيفية حصول الثورة، قواها، شكلها وآلياتها، أسلوبها.

تاريخيا، شهد العالم العربي نفس التحولات الثقافية والديموغرافية والأنثربولوجية التي عرفتها أوروبا سابقا في القرن السابع عشر. لذا إن الحديث عن العامل الديموغرافي وأرقامه وانعكاساته الأنثربولوجية ليس مؤشرا عاديا حول الوضعية القائمة فحسب، لكنه يكشف عن ماهية الذهنية التي تدير العلاقات الحميمية وتوجد في صلب الأسرة العربية وبالتالي في قلب المجتمعات العربية ونظامها السلطوي: يتعلق الأمر بمؤسسة الزواج، الجنس، الخصوبة، الولادة، العلاقة بين الآباء والأبناء، اختلاف الأجيال، الطلاق والموت، فضلا عن العلاقة بين الماضي والحاضر والمستقبل. مما يطرح على المحك الصورة التي يحملها المجتمع عن نفسه.

إن انتشار التعليم وتراجع نسبة الأمية فرض معه انتشار أسرة نووية في الوسط الحضري، وهو ما ساعد على صيرورة تاريخية تطورت معها الرغبة في الاستقلالية والتخلص من الضغط الاجتماعي والعائلي الذي يعيق الحصول على هذه الاستقلالية. هذا في الوقت الذي كان يفرض على الشباب مواجهة السلطة الأبوية في حالة العيش معها تحت سقف واحد نظرا للظروف الاقتصادية المزرية أو الفرار منها تحاشيا للصدام معها في حالة توفر منفذ اقتصادي يتيح لها العيش بعيدا عنها.

ومن ثم إن أبرز تحول عرفته المجتمعات العربية في العقود الأربعة الماضية، يفيد على وجه الخصوص تراجعا قويا في نسبة الخصوبة إلى النصف لدى جيل واحد، حيث تراجعت نسب الولادة من نسبة 7،5 إلى 3،6 طفل بين 1975- 2005[1]. فضلا عن ذلك يلاحظ من أبرز التحولات في هذا الإطار، إن النساء العربيات الذين وصلن إلى مرحلة التعليم العالي، لا يتجاوز معدل الولادة لديهن سقف 2،1 طفل لكل امرأة وأحيانا أقل من ذلك. هذا في الوقت الذي كانت معدلات الخصوبة في العالم العربي في السبعينيات من بين أكبر نسب العالم بعد دول ساحل الصحراء.

وقبل أن نبرز أهمية التحول الديموغرافي في هذه الفترة الحاسمة من التاريخ العربي وفك العلاقة الموجودة بينه وبين التحول السياسي ( جل البلدان العربية استبدادية) والاقتصادي ( جل اقتصادياتها ريعية) والاجتماعي ( أعراف وتقاليد ضاغطة)، يمكن القول إن العامل الديموغرافي، هو بهذا المعنى علم نفس تحليلي عميق للمجتمعات وتركيبتها الأسرية والعائلية والحميمية، يبين مدى حضور التقاليد الاجتماعية والدين والآعراف في أذهان السكان وسلوكياتهم، فضلا عن نوازع التطور والتغيير المأمول لديهم.

إجمالا، يكفي القول تصل نسبة الخصوبة لدى المرأة ما بين 7- 8 أطفال في مجتمعات دول ساحل الصحراء ، بينما يصل معدل الخصوبة في أوروبا إلى 1،6 طفل ( فرنسا= 2،01 طفل)، حيث أكملت أوروبا تحولها الديموغرافي العقلاني في ظرف قرنين من الزمن، وهو من دون شك ثمرة ثورة ثقافية بدأت في القرن الثامن عشر مع عصر التنوير نتيجة لانتشار القراءة والكتابة بين الرجال والنساء، ثم بفضل تعميم وسائل منع الحمل و الإجهاض والسياسات الصحية.

لذا إن الذي يتأمل في وضع الدول العربية يجد تكرار هذه الثورة الثقافية ولو بشكل متأخر، لكن بشكل سريع لا يتجاوز أربعة عقود، والتي لا تعني شيئا في حياة الشعوب، حيث نشهد تحولا ديموغرافيا ( من نسبة ارتفاع عالية في الولادة والوفيات إلى انخفاض كبير في معدلات الخصوبة والوفيات).

والحقيقة لكي ندرك أبعاد هذا التحول الديموغرافي، كانت نسبة الخصوبة العربية في عام 1970، عالية جدا، وتدور حوالي 7- 8 طفل بالنسبة لكل امرأة، لكن العالم العربي تحول في أربعة عقود فقط ( انطلق العد العكسي ما بين 1985- 1990) بشكل مذهل، إذا تمت المقارنة مع بلدان آسيا وأمريكا اللاتينية، وبالتالي نشهد تطابقا في التحول الديموغرافي مع ما وقع أوروبا ( المفارقة أنه تحقق في ظرف وجيز)، لعل تونس تجسد أبرز صورة حية له، حيث انتقل معدل الولادة بالنسبة للمرأة التونسية من (7،2 طفل إلى 2،05 ثم إلى 2،02 في عام 2011) والمغرب من (7،4 إلى 2،2)، فيما هوت النسبة في لبنان ( من 5،7 إلى 1،6 طفل) والبحرين (من 6،2 إلى 2،3 طفل) ومصر من (7،1 طفل إلى 3،25 طفل)، سوريا (7،8 طفل إلى3،5 طفل) والجزائر من (8،4 طفل إلى 2،7) والأردن من (8 طفل إلى 3،6 طفل) واليمن من ( 8،7 طفل إلى 5 أطفال).

والواقع إن هذه التحولات الديموغرافية أصابت جميع الدول العربية بدون استثناء وبطرق متفاوتة، حيث حملت معها بشكل جنيني تحولات سياسية كبرى، لكن ذلك في نفس الوقت يقطع في نظري مع التفسيرات الخاطئة التي حاولت تفسير احتدام العنف السياسي في العالم العربي وإرجاع أسبابه إلى ارتفاع نسبة الشريحة العمرية بين فئات 15 سنة – 24 سنة كما فعل صمويل هنتغتون وأنصار نهاية التاريخ. إن هذا التحليل تكذبه وقائع الأرقام، خاصة إن جميع البلدان العربية عرفت انخفاضا في نسبة هذه الشريحة العمرية في المجتمعات العربية منذ عام 2000، إذا استثنينا اليمن وفلسطين اللذان لم يبدأ الانخفاض فيهما بشكل ملحوظ إلآ مع 2010. فضلا عن كون الثورات في مصر وتونس واليمن ظلت سلمية ورفضت العنف جملة وتفصيلا.

بيد إن العامل الديموغرافي لوحده لا يساعدنا لوحده في فهم أسباب اندلاع الثورة في تونس أول بلد عربي يحدث فيه عصيان مدني يؤدي إلى “ثورة”، لكن المتأمل تاريخيا لوقائع ما حدث في العالم من تحولات كبيرة وعميقة، سيجد أن الصيرورة الكونية التي تنجم عن اتساع وانتشار التعليم ينجم عنه ثورة ثقافية في العقليات والذهنيات تؤدي وتفرز مع الزمن تحولا ديموغرافيا عميقا، ثم في نهاية المطاف تفضي هذه التحولات الديموغرافية إلى تحولات سياسية في شكل ثورات عنيفة أو سلمية، لا يمكن أن يشكل العالم العربي حالة استثنائية عنها أو ينفلت منها.

و بالتالي يجب قراءة وتفكيك العامل الديموغرافي بهذا المعنى، فضلا عن عدم الوقوف عند إحصاءات وأرقام معدلات الخصوبة والوفيات ونسبة الإناث والذكور والشرائح العمرية فحسب، كما عدم السقوط في تسجيل إحصائي لمشاكل المجتمع سطحيا وفي حدود محصورة، فما نقصد هو دراسة آثار الثورة الديموغرافية من الناحية الأنثربولوجية التي وقعت في الأسرة العربية وانتقلت من الأسرة إلى المجتمع بأسره في ظل انتشار التعليم والوعي.

إن نظرة إلى أرقام البنك الدولي حول العالم العربي تشير إلى انخفاض معدلات الأمية في البحرين (%91) وليبيا (%89) وتونس والجزائر (حوالي %37) ومصر (%66) والمغرب (%56)[2]. لكنه في ظل انحسار سوق الشغل وارتفاع معدلات البطالة وعدم القدرة على استيعاب شريحة شابة وفعالة، يعتبر هؤلاء الشباب<< قنبلة موقوتة>> على المستوى السياسي[3].

إجمالا، إنها نفس الصيرورة الديموغرافية التي بدأت في أوروبا في أعقاب القرن السابع عشر وانتقلت بالتدريج إلى العالم برمته، حيث يشهد العالم العربي منذ أربعة عقود نفس التحولات الثقافية والديموغرافية والأنثربولوجية التي عرفتها أوروبا آنذاك. لذا لا يمكن أن نعتبر العالم العربي حالة استثنائية أو شاذة عن القاعدة أو السقوط في فخ اعتبار العقلية العربية بطبعها محافظة ومستعصية على التحول أو لا تستسيغ إحداث تغيير.

إن التعليم الأساسي والثانوي والجامعي الذي تعمم على الشباب العربي، فتيانه وفتياته، جعل العالم العربي يتشكل من شباب متعلم، يفوق مستواه مستوى التعليم الأساسي، وله القدرة والكفاءة العلمية لاستخدام تكنولوجيا المعلومات والتواصل الحديثة، بحيث ساهم التعليم في تنامي وبروز ظاهرة الاستقلالية في الشخصية العربية والعلمنة الذهنية،كما ساهم تطور الوعي في مراقبة الخصوبة والتمييز بين المعرفة العلمية والمعرفة الدينية في هذا المجال، فضلا عن ارتفاع معدل الحياة من 40 سنة إلى 75 سنة ما بين 1950 – 2011، نجم عنه من دون شك تحول في الذهنيات والسلوكيات بالتدريج، انعكس في عدم القبول بالوضع القائم وخلخلة في نظام الهياكل الموروثة: تراجع سلطة الأب في الهيمنة على أولاده وفي سلطة الزوج وهيمنته المطلقة على زوجته خاصة إذا كانت تعمل ولها استقلالية مادية.

وبالتالي إن التعايش الذي حصل تحت سقف واحد بين أب أمي لا يجيد القراءة والكتابة مع أطفال وشباب متعلمين، أفرز تناقضات وتوترات في الأسرة العربية، وهو ما نشهده من خلال عدم رغبة الفتاة المتعلمة في خضوعها للوصاية ـ مراقبة أخيها لها أو فرد آخر من العائلة ـ مما يرجع سببه إلى تنامي الشعور بالاستقلالية والفردية، كما إن التمرد على السلطة لم يقف عند حدود البيت ومناقشة سلطة الأب والأخ أو الزوج، حيث أصبح الفرد يتساءل بصفة عامة عن شرعية سلطة الأب أو الرئيس على نحو سيان، إذا كانت قراراتهم تمس هذه الاستقلالية وتكبل حرية الفرد بقيود شتى وتؤثر سلبا على حياته وخياراته.

فضلا عن ذلك، إن انتشار وسائل الوقاية من الحمل، جعل الزوجة تتحكم في جسدها بالتدريج دون علم زوجها ـ هذا دون الإتيان على ذكر ارتفاع نسبة استعمالها بين غير المتزوجات سرا ـ ، مما يعيد السؤال في عقليات سادت زمنا طويلا. لذا يمكن القول إن التحول الديموغرافي الذي يشهده العالم العربي ليس بحرا هادئا، بل حمل معه أمواج سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية لا مجال لإنكارها.

وبدون إسهاب إن التحكم في النسل يسمح للزوجة والزوج تقديم أحسن رعاية صحية للأبناء، ثم تغذيتهم بشكل جيد والسهر على تعليمهم إيمانا منهم إن التعليم مصعد اجتماعي بامتياز، كما إن الأسرة العربية الصغيرة ( أب، أم + ولد أو ولدان أو ثلاثة أولاد كحد أقصى)، أصبحت ذلك النموذج الذي تعمم نسبيا في الأسرة العربية الحديثة، حيث نجد العلاقة بين الزوج والزوجة وبين الآباء والأبناء أكثر انفتاحا وأكثر حرية عند الأجيال الحديثة، مما نجم عنه تداعيات على المجتمع بأسره.

بالمقابل، إن الأسرة العربية التقليدية التي يقف فيها الأب على هرم السلطة أفرزت نظاما شبيها له على مستوى السلطة السياسية في المجتمع: سلطة حاكم سياسي مطلقة على المجتمع، يوازيه ممارسة الزوج هيمنة مطلقة على زوجته ـ أو زوجاته وأبنائه ـ مفسحا المجال لكي يقلد أبناءه الذكور في الغالب سلطتهم المطلقة على البنات من الإخوة أو لكي يقلد ابنه البكر سلطته على إخوانه من الذكور والإناث، مما لا داعي للإطالة فيه. فالقصد هنا باقتضاب شديد يروم تفسير كيف يفرز المجتمع سلطة حاكم مطلقة على رعيته انطلاقا من قاع المجتمع.

لذا كان التحول إلى أنموذج الأسرة الصغيرة مع انتشار التعليم شرط أساسي نحو الخروج من الهيمنة والسلطة الأبوية المطلقة، لكن ذلك لا يكفي لوحده ويظل في حاجة لتضافر عوامل أخرى، غير أن ما يهم هو الانتباه إلى التحولات الديموغرافية وتداعياتها المحتملة، حيث أصبح حق اختيار الشريك لشريكة حياته والعكس صحيح هو الجاري به العمل، بمعنى أن هذا الخيار أصبح حرا ولا يخضع لترتيبات أو إملاء أسري مسبق خارج عن إرادتهما، كما إن التعليم لفترة أطول، يطيل فترة العزوبية ويجعل الكثير من الشباب ناضجا لأنه يفسح المجال أمامه لخوض تجارب عديدة.

والواقع إن الذي يتأمل حالة المرأة العربية التي غالبا ما تعتبر محافظة لدى الكثيرين، نجد أنها لعبت دورا خطيرا في الثورات العربية في تونس ومصر وسوريا وحتى اليمن، حيث خرجت من الفضاء الداخلي والأسري الذي حصرت فيه زمنا طويلا إلى الفضاء السياسي والعمومي الخارجي، وهو خروج لا يمكن فهمه إلا كنتيجة تحول ثقافي ( التعليم) وديموغرافي ( أفضى نضجها إلى حق اختيار شريك الحياة، تحكم في جسدها، بلوغ واستقلالية…).

علاوة على ذلك، إن ثلث النساء وحوالي %42 من الذكور ما يزالون عزبا في سن الثلاثين في العالم العربي بعامة والمغرب العربي بخاصة، كما نشهد تراجعا حادا في الزواج بين أولاد العمومة، حيث كان الزواج اللحمي يسد الأبواب أمام الغريب حفاظا على الأملاك داخل العائلة أو القبيلة، وهو اليوم في انحسار كبير بعد أن كان هو النمط الشائع، مما فتح مؤسسات المجتمع نحو الخارج أكثر فأكثر وتمثل واستيعاب أنماط عيش جديدة مستوردة من الخارج كليا.

وإذا كان من تأثير العامل الديموغرافي على السياسي، فإنه لا يتم بطريقة ميكانيكية، حيث إذا كانت تونس نموذجا للبلد الذي قطع أشواطا مهمة في التحديث والمساواة بين الجنسين وتعميم التعليم على شرائح واسعة، انتظر عام 2011 للقيام بثورة الياسمين، فما بالك بوضع اليمن الصعب الذي يسود فيه مؤشرات ثقافية وديموغرافية متخلفة عن باقي البلدان العربية الأخرى، فضلا عن كونه يعرف ارتفاعا في نسبة الزواج اللحمي داخل العشيرة أو القبيلة على العكس من البلدان العربية الأخرى، وجد نفسه هو الآخر في نهاية المطاف على أبواب تحولات كبرى.

إن مرد هذا التحول في بلدين عربيين مختلفين وعلى حد نقيض، هو سرعة التحول الديموغرافي الذي نشهده في جميع البلدان العربية قاطبة، إذ لم تسلم من ذلك حتى الدول الخليجية الغنية التي عادة ما يحضر فيها العامل العشائري والقبلي المنغلق على نفسه والمعروف بتشجيع الولادة والتكاثر نظرا للتفسيرات الدينية السائدة بقوة، حيث تشير كل المؤشرات مع ذلك إلى تحول ملحوظ في تركيبة الأسرة العربية الخليجية، ما يعني أن مجال الأسرة أصبح من اختيار الفرد وشريك حياته، بحيث لا يمكن إنكار هذا الحق بالرغم من التفاوت الحاصل في التحول الديموغرافي الذي يعرفه كل بلد على حدة. ومن ثم يستحيل أن يقبل السكان ترك مجال حياتهم وتركيبة أسرهم واختيار شريكهم وكم سينجبون من الأولاد للآخرين أو التحكم بمستقبلهم السياسي أو أن يقرر الآخرون مكانهم.

وللمفارقة، إن السلطة الاستبدادية العربية هي من شجعت أو سرَّعت وتيرة هذه التحولات الديموغرافية التي فرضها منطق العصر، فهي التي كانت وراء مبادرات تعميم التعليم بين الذكور والإناث، فضلا عن محاولة التحكم في نسبة الخصوبة والحد من النسل بطرق شتى. هذا بالرغم من محاولات حثيثة من البعض الآخر تأخير هذا التحول عبر الحد من انتشار التعليم وتهميش مناطق جغرافية بأكملها خوفا من تداعيات سياسية محتملة. لكن على اختلاف نماذج الاستبداد العربي في حالاته المتعددة، لم يستطع أي نموذج استبدادي كبح أو إيقاف عجلة هذه الرغبة التاريخية الملحة لدى الشعوب.

لذا إن الثورة المصرية في نظري تعبر عن ثورة الشباب ضد النظام الأبوي السائد الذي يدافع عن خضوع الأبناء للآباء وخضوع هؤلاء إلى الحاكم السياسي الذي يعتبر نفسه أب الجميع، حيث نجد مثلا عن هذا التصدع والثورة على حالة الخضوع والهيمنة عند جماعة الإخوان المسلمين لسلطة الأب الرمزية (المرشد) والتي يجسدها في المجتمع الحاكم المستبد في أذهان الناس، حيث لم تسلم هذه الجماعة هي الأخرى من ثورة شباب الإخوان المسلمين على قياداتهم، بل شاهدنا ميلاد حركة تجديدية يقودها شباب يسعون لنشر ثقافة ديموقراطية عبر حزب إسلامي جديد منفتح على أطياف المجتمع، يكون فيه لمجلس الشورى سلطات حقيقية تشمل مراقبة أداء مكتب الإرشاد، وهو ما أدى إلى تضارب المواقف بشأن موقفها مثلا من المشاركة في جمعة الغضب الثانية[4]. وهو نفس ما وقع في الكنيسة القبطية من شد وجذب بين شباب الكنيسة وقياداتهم الدينية[5]. فيما تجاوز الحراك الشبابي في هيئات المجتمع المدني ثنائية الأنظمة والمعارضة التقليدية، بعد أن أسقط الأولى وتجاوز الثانية بأدبياتها وزعاماتها وأساليب عملها,

هكذا أحدث الحراك الشبابي ثقوبا جديدة في أسمال الفكر السياسي العربي الحديث، لم يحدثه جهابذة الفكر القومي الذين لم يستطيعوا توحيد حي في مدينة أو منظرو الفكر الإسلامي الذين تعاملوا مع الدين على نحو لاهوتي، لكي يقوى التكفير والعصبيات المذهبية والتفرقة بين المسلمين أنفسهم، فضلا عن ذلك لم يجد أنصار الفكر الاشتراكي عندهم فضلا غير فضل اعتراف حمل القلوب على الانقسام والتشرذم وتشابك الأيدي في المقرات والطرقات وكثرة الحوانيت الاشتراكية!

إن النظام الأبوي العربي وقف مسنودا على ثقافة الخوف، الخوف من الأب وسلطته الرمزية والمادية ، ومن ثم من سلطة الزعيم الذي اقترن بسلطة الأب في أذهان الناس، أي أنه من دون الخضوع الحاكم، الذي يضع نفسه في مرتبة أب المجتمع، ليس هناك أسرة ولا مجتمع ولا دولة، وهو ما يظهر من خلال الابتزاز الذي خضع له المجتمع المصري قاطبة، حين تم سحب جميع وحدات الشرطة من الشارع العمومي، أي أن الأمن الذي يجب أن ينعموا به، يجب أن يدفعوا ثمنه عبوديتهم وولائهم التام للحاكم.

لكن هذه الحيلة التي التجأ إليها وزيرا الداخلية في مصر وتونس ارتدت إلى نحرهما، وعمد الشباب إلى تكوين لجان شعبية للدفاع عن أحيائهم وبيوتهم، من دون سابق إعداد أو هياكل موجودة سلفا. وهي تجربة عملية تعبر عن إمكانية الحياة والأمن والحماية في غياب مؤسسات الدولة، وهو نوع من ممارسة السيادة الشعبية وتفوقها على سيادة النظام الحاكم.

وبناء على ما تقدم، تذهب التقديرات الإحصائية في كون الشريحة العمرية ما بين 15-24 سنة تمثل %20،2 من مجموع السكان في مصر وأن نسبة الأطفال البالغة أعمارهم بين 0- 14 سنة تصل إلى %31،8 ، فضلا إن نسبة الشباب المسجلين في الجامعة تبلغ %28، حيث لم يكن في ذهن هؤلاء الشباب النية في تشكيل قيادة أو زعامة أيديولوجية لثورتهم، بالرغم من أن شعار إسقاط النظام كان واضحا منذ البداية لدى الكثيرين، حيث كانت تتشكل جماعات وقيادات بحسب الظرف والحاجة الثورية، هذا دون السماح لأي من الزعامات الميدانية الاستئثار بالرأي أو التوجيه والهيمنة أو ادعاء تمثيلية كل الشباب، حيث طلعت صحيفة الشروق المصرية ( 7 فبراير 2011) لتقدم مشهدا يضم تحالفا عريضا للقوى الحاضرة في ميدان التحرير والمكونة من أطياف كثيرة: << شباب من أجل العدالة والحرية>>، << شباب 6 أبريل>>، << حملة مساندة البرادعي>>، << حملة التغيير>>، << حملة بيت، بيت>>، <<شباب الجبهة الديموقراطية>>، << كفاية>>، ثم << شباب الإخوان المسلمين>>،… إلخ.

هذا في الوقت الذي لعبت القوى السياسية التقليدية دورا ثانويا ولم تكن مبادرة في الزمان أو المكان، حيث تجاوزتها الأحداث كليا. إذ أن الأحزاب التي دعت منذ أول وهلة للثورة معروفة، فهي تنتمي لشخصيات وجماعات مختلفة التوجه والانتماء، كانت تغرد خارج سرب أحزاب الوفد والتجمع التقدمي الوحدوي وجماعة الإخوان المسلمين، حيث لم تدخل هذه الجماعة رسميا في الثورة إلا بعد ثلاثة أيام من 25 يناير 2011 بالرغم من أن كل هذه الأحزاب عرفت راديكالية كبيرة في خطابها السياسي على إثر تزوير الانتخابات في مصر. أما الشخصيات والحركات التي كانت حاضرة منذ أول وهلة، يتعلق الأمر بحملة دعم محمد البرادعي، حركة كفاية، حزب الجبهة الديموقراطية، حزب الغد الليبرالي، حزب الكرامة الناصري ومسؤولين عن هيئات المجتمع المدني وجماعات مختلفة وهيئات نقابية مستقلة، من بينها نقابة موظفي الضرائب بقيادة كمال أبو عيطة وشخصيات فكرية وسياسية وصحفيين وفاعلين إعلاميين… إلخ.

والواقع إن ثقل الشباب في هذه الثورة، دفع النظام إلى تحول تدريجي في نظرته إليها، فأمام راديكالية الشعارات التي رفعت وعجز الحملة الأمنية القاسية أن تنال من عزيمتهم، تحول النظام إلى مغازلتها واستقطاب بعض الوجوه انطلاقا من الأسبوع الثاني من الثورة عبر تسخير النخبة السياسية والإعلامية المحسوبة على النظام. لكن أبرز إشارة جاءت من الجيش المصري تمثلت في زيارة وزير الدفاع ميدان التحرير يوم الجمعة 4 يناير، في الوقت الذي كانت هناك مظاهرة أخرى مساندة للرئيس مبارك تجري في أحد أحياء القاهرة، ثم تكلل هذا الاحترام والاعتراف في الختام عبر التحية العسكرية التي قدمها الجيش المصري ل<< شهداء الثورة>> في أولى البيانات الصادرة عن المجلس الوطني العسكري، بعد <<استقالة>> مبارك من الحكم.

ومن الواضح إن الشبيبة المصرية فاجأت براديكاليتها وعنفوانها طيلة 18 يوما، بالرغم من عدم الوضوح الأيديولوجي الذي طبعها منذ البداية، غير أن خطواتها أتت كأنها مرسومة في خارطة طريق منذ << جمعة الغضب>> في 18 يناير، ثم جمعة << ارحل>> في 4 فبراير، حيث أرسلت تحدياتها تباعا لرئيس معروف عنه تعنته وتمسكه برأيه المعهود، مما نجم عنه إطلاق أسبوع << التحدي>> الذي أصبح هدفه إجبار الرئيس على الاستقالة في 11 فبراير الذي أطلق عليه << جمعة التحدي>> بحق.

ومن دروس الثورة إن القمع عندما يشتد ويعجز عن تحقيق أهدافه، يقوم بنزع الخوف من المتظاهرين ويقوي عزيمتهم على الجلد والصبر والشكيمة القوية، ثم يعزز التلاحم في مواجهة الطرف الآخر كيفما كانت رؤاهم وأفكارهم، حيث يتبادر من راديكالية الشعارات أنها جاءت نتيجة مباشرة للقمع الرهيب الذي لحق المتظاهرين في ليلة 25 يناير وأسفرت في الأخير عن عجز قوات الأمن في مواجهة تعبئة جماهيرية غير مركزية، تستخدم الشبكات ومن دون << قيادات>> و<< هياكل>> معروفة، لكنها ملتفة حول شعارات << الخبز، الحرية والكرامة الإنسانية>> في غياب تام للشعارات التقليدية سواء كانت قومية أو إسلامية، تم الجمع فيها بين شعارات حول حقوق الإنسان والديموقراطية والعدالة الاجتماعية والثقة في مؤسسة وطنية كالجيش.

ومن ثم يطرح السؤال من أين أتت شجاعة وراديكالية شباب منحدر من البرجوازية الصغيرة غير معروف في أوساط الدوائر السياسية التقليدية، كان الجميع يظن أن هذه الشريحة العمرية متذبذبة وأنانية؟ هذا دون السؤال المحير: لماذا بادر الشباب إلى تبني منطق التنظيم الشبكي وتحلوا عن كثير من الأشكال التنظيمة التقليدية كشبكات المساجد وشبكات العمليات الخيرية وخلايا العمل الحزب وحلقاته. الأمر الذي يطرح تراجع أشكال المعارضة التقليدية وظهور أشكال جديدة في التعبئة وأساليب الاحتجاج.

وبالرجوع إلى عقارب ساعة الثورة في ميدان التحرير، ساعدت عوامل أخرى في انتشار الثورة وتقويتها، منها أخطاء النظام غير المحسوبة وتأخر الرئيس مبارك الرد على مطالب الشباب وغياب روح المبادرة السياسية لدى الحزب الحاكم في وقت معلوم، حيث التنازلات التي قدمها الرئيس في خطبه الثلاثة جاءت متأخرة في نظر المراقبين عن موعدها كثيرا، هذا في الوقت الذي ارتفعت فيه سقف المطالب وتم تأويلها كإشارات متتالية عن ضعف النظام. بالإضافة، أدت الأحداث المتلاحقة وصمود الشباب ومقاومتهم اللاعنفية (حضور آليات العصيان المدني وكراريس المنظر الأمريكي جين شارب بشكل واسع النطاق) إلى تصدع في صفوف النخبة الحاكمة، حيث ظهرت جلية في 28 يناير بعد انسحاب قوات الشرطة من الشارع كرد من وزير الداخلية المصري حبيب العادلي على قرار مبارك استدعاء الجيش وإعلان حالة الطوارئ، ثم داخل الحزب الحاكم نفسه، وبين الجيش وقوات الشرطة وبين الحزب والرئيس.

إن الحراك الشبابي الذي أسقط النظام في تونس ومصر نجح في دفع قطاعات شعبية واسعة للالتحام ضد الطبقة الحاكمة، بحيث جمع بين الغاضبين الذين عبروا عن سخطهم بأشكال احتجاجية عنيفة وهؤلاء الشباب الذين ينشدون الانخراط في دائرة الإنتاج وإيجاد عمل يضمن لهم حياة كريمة، علاوة على هؤلاء المتذمرين من رجال الأعمال من بورجوازية ناشئة ظلت تشتكي من تهميشها في عجلة الاقتصاد الوطني. هذا دون أن ننسى نقابات العمال الذين رفعوا شعارات مطلبية لرفع الحيف والحصول على حقوق اجتماعية منذ عام 2006، بخاصة في قطاع النسيج المصري وقطاع الفوسفاط في تونس في مناجم قفصة…[6] فضلا عن صحفيين ومحامين ومهندسين ومؤطرين نقابيين عانوا من تكميم الأفواه والتضييق في ظل الاستبداد السياسي.

ثمة خليط من العاطلين والبطاليين ورواد الشبكات الاجتماعية الجديدة والمدونين والمياومين من العمال بشكل غير قار شاركوا بقوة في التمرد والعصيان المدني في الساحات، مما يجعل من هذه الثورات ثورات شعبية موجهة ضد بورجوازية ريعية، لأنها كانت عفوية تنزع نحو التمرد والعصيان، غاب فيها الزعيم أو المنظمة السياسية الطليعية التي تقود << الثورة>>. لكن الفاعلين من البورجوازية الوطنية كانوا حاضرين بقوة من خلال انخراطهم في الإضراب العام الذي حدث مثلا في صفاقص (12 يناير 2011) التونسية أو العديد من رجال الأعمال المصريين الذين دعموا الثورة خفية وخلسة.

ومن لوحات الثورة ومشاهدها الدالة، تجمع شبابي يقرر التجمع في ميدان عام في حي شعبي وأحيانا أمام مقر نقابة، سرعان ما يلتحق بهم حشد من رجال ونساء وأطفال يتابعون الموقف عن كثب. ثم تتقاطر سيارات الأمن لقطع الطريق عليهم في نفق الشارع ومنع تقدمهم، لكن هؤلاء يقررون الانطلاق في مظاهرتهم في الوقت الذي يتفرق عنهم النساء والكهول والأطفال المحيطين بهم. ثم يعمدون للدفاع عن أنفسهم بالحجارة أمام إطلاق رجال الأمن الغاز المسيل للدموع لتفريقهم.

وبالرغم من ذلك، ثمة تصميم واضح على محيا هؤلاء الشباب في التقدم بفضل مجموعات سريعة ومرنة تناوش قوات الأمن بين الفينة والأخرى بدون كلل ومن جميع الاتجاهات، مما يفرض في النهاية وفي غالب الأحيان على قوات الأمن التراجع إلى الخلف، فيما يحاول شباب إقامة متاريس يحتمون ورائها مع استعمال زجاجات حارقة في وجه سيارات الأمن لإعاقتها عن التقدم. هذا في الوقت الذي يعمد الأطفال إلى جمع الحجارة والكهول والنساء إلى تحضير << وصفات منزلية تقليدية>> تخفف من آثار الغاز المسيل للدموع على عيون المتظاهرين.

وحين يسدل ستار الليل حجابه الكثيف يعمد رجال الأمن لإطلاق الرصاص الحي، فيما تتساقط جثث هنا وهناك، يندفع هؤلاء الشباب للرد العنيف وسط صيحات النساء، لكي ينتهي المشهد بمغادرة قوات الأمن المكان.

نظريا، يمكن تفسير هذه اللغة المتمردة التي عمد الشباب إلى استعمالها في محاولة << تدمير من يريد تدميرهم عن طريق تدميرهم ذاتيا>> كتعبير عن حالة نفسية قصوى لم تعد تحتمل مزيدا من الضرر والإقصاء والعزلة والتهميش المسلط عليهم في واقع الحياة اليومية. مما يجعل من انتحار البوعزيزي واندفاع أمثاله أمام الموت رغبة في الولادة من جديد.

والواقع أنه في البداية لم يعمد هؤلاء الشباب إلى الصدام مع النظام باستعمال القوة كما يقتضيه الخيال الثوري، أو من خلال اللجوء إلى حرق المنشآت والمباني العمومية، بل نقلوا معركتهم إلى المجال الرمزي والشبكات الاجتماعية الجديدة، حيث تحدوا النظام بتقديم حياتهم كهبة أو <<قربانا>> للتغيير المنشود، مما اهتزت معه شرعية النظام إلى أبلغ حد. إذ رفض الشباب محاكاة أسلوب جلاديهم ورفضوا استعمال نفس سلاح النظام الموجه إلى صدورهم، حيث لا غرابة أن تجد في اليمن شيوخ بعض القبائل يتجردون من خناجرهم قبل التوجه للمشاركة في المظاهرات!

إن هذه الطريقة السلمية في الاحتجاج الثوري يكشف عن وعي الناس وحاجتهم إلى ديموقراطية اجتماعية بالرغم من غياب آفاق أيديولوجية راديكالية في خطابهم وسلوكهم، لأن الإسلام السياسي الراديكالي الوجه الآخر العنيف الرافض للأنظمة كان قد بدأ في الانحسار والضمور ووصل إلى باب مسدود، فضلا عن اختيار كثير من الأحزاب الإسلامية التقليدية العمل في الشرعية والمشاركة في اللعبة البرلمانية والسياسية. وهو ما حدَّ عمليا من اللجوء إلى أشكال احتجاجية أكثر عنفا واختيار شعارات تطالب بالحرية والديموقراطية أولا ثم مطالبة النظام بالرحيل عندما يرفض أن يلبي ذلك ثانيا.

2-يوميات حاسمة في ثورة الياسمين في تونس

إن العودة إلى أريج ثورة الياسمين الفواح في تونس، يفصح أنها انطلقت من مناطق مهمشة وحمل لواءها شباب مهمش ويعاني من بؤس اقتصادي واجتماعي لا مثيل له، ثم انتقلت إلى المدن في غياب قيادات أو زعامات وطنية، وحمل لوائها مع ازدياد زخمها تنظيمات فرعية للنقابة العامة للشغيلة التونسية وتبناها الجيش (35000جندي) الذي تم تهميشه في عهد الرئيس بورقيبة وبن علي لحساب قوات الشرطة التي فاقت (120000 رجل) [7].

إن المتأمل في هذا الحراك الاجتماعي يلاحظ أن محكا حقيقا تعرض له نظام بن علي عندما لم يستطع إخماد حركة عمال مناجم قفصة[8] إلا بعد ستة شهور وبصعوبة بالغة، كان لها أثر كبير في انفراط عقد السلم الاجتماعي الذي جمع بين النظام والشعب التونسي، مما أعطى الانطباع قويا إن المناطق المهمشة يمكن أن تلعب دورا هاما في بعثرة أوراق النظام الأمنية والمطالبة هي الأخرى ب<<الكرامة>> والتنديد بالممارسات الزبونية والقبلية للنخب المحلية الحاكمة.

هكذا لم تشذ منطقة سيدي أبو زيد (40000 نسمة)عن القاعدة، وهي من المناطق الأكثر فقرا وتهميشا، حيث كانت عوامل الشعور بالمهانة والسخط على أشدها لدى سكان المنطقة من جراء التهميش وضيق العيش والأفق، انتهت بعزم الشباب وبعض التجار تنظيم وقفات سلمية احتجاجية أمام المحافظة للتنديد بما جرى لمحمد البوعزيزي، لكن شراسة القمع الذي تعرضوا له، أجج الشعور لديهم بالمهانة طيلة نهاية الأسبوع من شهر ديسمبر ( 17-18 )، قابله الشباب بالإصرار على الاحتجاج وآلة القمع على التنكيل بهم.

ثم كان لإقدام شاب معطل آخر على الانتحار في 22 ديسمبر، اليد الطولى في اندلاع ثورة اجتماعية في عموم المدن المجاورة ( منزل بوزيان، مكناسي)، حيث أحرق المتظاهرون مبنى المحافظة الفرعية وقاموا بمحاصرة الدرك الوطني. ومع اتساع لهيب المظاهرات، سقط محمد لعماري برصاص قوات الأمن في 24 ديسمبر مما زاد في وتيرة الاحتجاج وانضمام قطاعات واسعة من الرأي العام المحلي للمظاهرات. ثم كان لحملة الاعتقالات وشدة القمع تأثير بالغ في اندلاع مظاهرات واحتجاجات أخرى، ميزها التنديد بالحزب الحاكم ومافيا اللصوص التي نهبت المال العام، كما رفع شعار <<العمل والحرية والكرامة>>.

والأهم من ذلك كان قمع النظام الشديد لمظاهرات محافظة قسرين شرق منطقة سيدي بوزيد في 07-08-09 يناير التي أسفرت عن قتل 14 متظاهرا اعترف بها النظام ( حوالي 50 في الحقيقة) أثر كبير في تحرك فروع الاتحاد العام للشغيلة التونسية ودخول نقابات التأمين الاجتماعي والصحة والبريد والتعليم الثانوي حلبة الاحتجاج الاجتماعي،مما أثمر عن تصاعد حركة الاحتجاج في جميع المناطق بما فيها في مدينة صفاقس ثاني مدينة تونسية، قبل أن تنتقل العدوى إلى العاصمة وتتحرك الأحياء الهامشية ( التضامن ومنيهلة)، لكي يتكلل الإضراب العام في 12 يناير بنجاح منقطع النظير.

والواقع إذا كانت قواعد الاتحاد العام للشغيلة التونسية الفرعية في المحافظات، انخرطت في عمليات الاحتجاج بشكل فردي منذ اندلاع الاحتجاجات في منطقة سيدي بوزيد، فإن دور النقابة في الحقيقة كان مكملا وليس أساسيا في الإطاحة بنظام الرئيس بن علي. فمن المعروف إن القيادات النقابية الوطنية كانت متواطئة أو خائفة من ردود النظام، مما يفسر انتشار حركة الاحتجاج التونسية بطريقة قاعدية أول الأمر ومباشرة عبر أفراد وجماعات تجمعهم علاقات قائمة قبل التحرك في الاحتجاج والتظاهر. إذ حدث هذا في غياب زعامات وقيادات ساعد على الحد من تداعيات غيابها اعتماد وسائل تكنولوجيا الاتصال[9] التي لعبت في إيصال أصداء حركة الاحتجاجات إلى مناطق وشرائح أخرى.

وبالنظر إلى الشريحة العمرية التي انخرطت في الثورة التونسية مبكرا، فإن الإحصاء الوطني للسكان يحصر فئات 15-24 سنة في نسبة %19،3، أما نسبة المسجلين من الشباب في الجامعة، فتصل إلى %34. مما يعني أن هناك حوالي مليون ونصف شاب تونسي كانوا مثالا للتضامن والنجدة والدفاع عن أمن السكان من مليشيات النظام وحماية الأمن العام.

ديموغرافيا، إذا أخذنا في الحسبان الشريحة العمرية ما بين 18- 25 سنة على وجه الحصر، يقدر عدد الشباب التونسي الذي وصل إلى المرحلة الجامعية حوالي 500.000 ألف طالب في نهاية 2010، كما يتبين أن عدد الطلاب الحاصلين على شهادات التعليم العالي (2008- 2010) الذين يفدون على سوق الشغل فاق أكثر من 75000 ألف سنويا الشغل، فيما لم يكن هذا العدد يتجاوز 8000 في عام 1980.

والمتأمل في التعليم الجامعي التونسي يجد أن أعداد الطلبة انتقلت من 13000 ألف طالب سنة 1957-1976 إلى 137000 ألف طالب سنة 1997-1998، ثم قفز هذا الرقم إلى 340,392 طالب في 2008، قبل أن يصل 500.000 ألف في نهاية 2010. ناهيك إن نسبة تغطية التمدرس وصلت إلى 1%76 في الشق الثاني من التعليم الثانوي عام 2007، ويمكن أن نحددها كالتالي: وصلت نسبة التمدرس في فئة الشريحة العمرية 6-11 سنة إلى %95،6 عام 2001 وانتقلت إلى %97،4 عام 2006، كما إن نسبة المسجلين في التعليم العالي ارتفعت من %23،2 إلى %34،4 خلال هذه الفترة.

إذا أخذنا هذه الإحصاءات المتعلقة بالشباب التونسي[10] المتعلم الحاصل، يمكن أن نفهم جيدا حجم الخيبة التي يمكن أن تطال نفوس هؤلاء الشباب من جراء البطالة والتهميش والإقصاء بكافة تلاوينه ويجعل منها قنبلة << سياسية>> موقوتة في وجه النظام، لاسيما إن التربية والتعليم كان في نظرهم وفي نظر عائلاتهم الى أمد قريب من يخول الصعود والتسلق في السلاليم الاجتماعية ويحسن من أوضاعهم، حيث تقلصت خلق فرص الشغل أمام حاملي الشهادات واستيعاب الوافدين الجدد على سوق العمل بشكل كبير.

فضلا عن ذلك، إن الرجوع إلى إحصاءات تقرير البنك الدولي[11] يوضح أن التقدم الواضح في ميدان التعليم وانتشاره في تونس، لم ينعكس بصورة عامة على زيادة في النمو والإنتاجية، وبالتالي ضعف الصلة بين التعليم والنمو الاقتصادي إلى أبعد حد. هذا دون أن ننسى قلة عدد القطاعات الديناميكية القادرة على امتصاص ارتفاع الطلب على العمل بين هؤلاء الشباب.

وبالرغم من أن جميع << التقارير>> الاقتصادية والسياسية الصادرة في نهاية 2010، كانت تشيد بما يُحققه الاقتصاد التونسي ( يساهم قطاع السياحة بنسبة %7 في الناتج المحلي الخام، %10 بالنسبة للفلاحة و%50 بالنسبة لقطاع الخدمات و%33 لقطاع الصناعة ) من نمو وتطور (إذا استثنينا مرحلة الأزمة ما بين 2008-2009)، كما يتبادر من وكالة التصنيف الدولية[12] التي وضعت تونس في مراتب متقدمة وكما يشهد على ذلك تصنيف (Doing Business) التي وضعها في المرتبة 55 بالمقارنة مع المغرب الذي يحتل مرتبة 114[13]، فإن إخضاع هذا التصنيف للتحليل الدقيق، سيكشف أنه يخفي اختلالات وتباينات شديدة بين المناطق وفي توزيع الثروة الوطنية.

والمتفحص في دراسة لمعهد كارنجي الأمريكي يجد أن البطالة وصلت %31 عند الشريحة العمرية 15- 29 سنة في سنة 2008 ( %72 بالمئة منهم دون سن 30 سنة)، فيما بلغت نسبة البطالة لدى الشباب الحامل لشهادات جامعية نسبة %22 في بعض المناطق ( المعدل العام الوطني يفوق %14)، ناهيك إذا احتكمنا لمؤشر الاقتصادي الإيطالي (Corrado Gini) سنجد أن تونس شهدت اختلالا كبيرا في التنمية وتوزيع الثروة بين المناطق، حيث يمكن تصنيف الاختلال في تونس وفق هذا المعامل في %40 ( صفر = %0 بالنسبة للمساواة الكاملة!)، مما يبين حجم الاختلال العميق والخطير في توزيع الثروة في تونس وتباين النمو الاقتصادي بين المناطق، مما يفرض على الاقتصاد التونسي تحقيق نسبة %8 لتوظيف المتخرجين الوافدين على سوق الشغل.

إجمالا، انتقل معدل البطالة[14] لدى الشباب الحاصلين على شهادات جامعية من نسبة %0،16 في عام 1975 إلى %3،8 في عام 1994، ثم إلى % 9،5 سنة 2004، قبل أن يصل في عام 2011 إلى %24 كمعدل وطني، في حين وصل هذه النسبة إلى رقم كارثي في بعض المناطق ( وصلت في منطقة محمد البوعزيزي، سيدي بوزيد إلى % 45!).

ومن الإشارات البالغة الدلالة عن التذمر والقلق وحجم الضرر النفسي الذي لحق الشباب المتعلم وغير المتعلم كنتيجة منطقية لتفشي البطالة والإقصاء والحرمان من العمل، ارتفاع نسبة الانتحار والهجرة السرية لدى هذه الشريحة العمرية، مع ما يكتنف ذلك من مخاطرة بالغة، حيث يشير أن عدد الشباب الذي حاول الانتحار ـ حرق نفسه ـ من خلال الدراسة الطبية التي قام بها قسم الحروق والجراحة التجميلية في مستشفى تونس العاصمة أن حالة محمد البوعزيزي لم تكن حالة نادرة، إذ ارتفعت نسبة الانتحار بالنار لدى الشباب بنسبة %15،1 من المحالين على هذا القسم، مما اعتبره الباحثون حالة استثنائية في العنف ضد النفس[15]، تضاف إلى ضحايا قوارب الموت نحو إيطاليا الذي يطلق عليه “الحريق” وهو كناية عن احتراق وعنف نفسي وارتماء في أحضان المجهول. وهو ما يجعل من حالة محمد البوعزيزي حالة من حالات كثيرة اختارت الانتحار بسبب الدمار النفسي الذي لحقها.

أما إذا أضفنا المؤشرات الاقتصادية الخاصة بتوزيع الثروة إلى العوامل الديموغرافية، فإن الذي يتأمل وضع البورجوازية التونسية ( أساتذة، محامون، تجار، أطباء… ألخ) التي ندرجها في الطبقة المتوسطة والمتمركزة في الساحل التونسي وشمال تونس ( صفاقس، سوس، موناستير ، قفصة، غابس، حمامات، تونس العاصمة، بيزرت) والقاطنة في المدن الكبرى، سنفهم كيف امتنعت عن عدم دعم النظام وإن انخرطت متأخرة في الثورة:

- إن نقطة الضعف التي ضربت تطلعات الطبقة التونسية المتوسطة في مقتل، يكمن في حجم الديون التي أثقلت كاهلها في عهد نظام الرئيس السابق بن علي، حيث لم تستفد هذه الطبقة من امتيازات ارتفاع نسبة النمو في الاقتصاد التونسي منذ عام 2000 إلا عن طريق القرض والاستدانة، مما جعل مستواها المعيشي بالغ الهشاشة وينوء تحت ثقل الديون المستحقة عليها للأبناك ووكالات القروض، إذ يكفي أن يحال شخص على البطالة ويفقد عمله أو مورد رزقه، حتى يسقط كل ما بناه في سنين.

ويقدم في هذا الباب المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة %18،6 من السكان النشطين ( 3،5 ملايين) كانت عليها ديون مستحقة في نهاية 2007، حيث تضاعف حجم الدين لصالح البنوك التجارية مرتين. بالإضافة، يشير تقرير أحد البنوك التونسية[16] كيف تحول 800000 ألفشخص من الطبقة المتوسطة بفعل موضة الاستهلاك وشراء البيوت ووسائل الترفيه إلى مدينين دائمين، حيث انتقل الرقم من 50000 ألف شخص في عام 2003 إلى 800000 ألف شخص في عام 2008، وهو رقم قياسي بكافة المقاييس إذا نظرنا إلى أرقام البنك المركزي التونسي (2009-2011)، حيث بلغت ديون الأفراد المستحقة في عام 2008، رقم 8،2 مليار دينار تونسي (4،4 مليار يورو) مقابل 5،9 مليار دينار (4،14 مليار يورو) في عام 2007. ويتضح أن نسبة %65،2 من الحجم الإجمالي للديون تم استغلالها في اقتناء بيوت جديدة أو إصلاح دور قديمة، فيما بلغت قروض الاستهلاك (2،9 مليار دينار) نسبة % 31،10 من المبلغ الإجمالي للقروض.

وهو ما يعني إن سلاليم المصعد الاجتماعي والارتقاء الطبقي لدى هذه الشريحة الاجتماعية تم تعطيله بالكامل، فضلا عن تدهور قدرتها الشرائية بفضل الديون المسلطة على رقابها وبسبب محاولاتها المضنية في تعليم أبنائها في الجامعات والمعاهد وخيبتها من سوق العمل المحلية، فيما ظلت السلاليم الاجتماعية العالية محصورة على النخبة الحاكمة المقربة من أصحاب القرار أو الحزب الحاكم القادرة على إرسال أبناءها إلى الخارج مستفيدة من نظام المنح والاتفاقيات الثنائية وتسهيلات كثيرة. أما البورجوازية التجارية والمالية ذات التوجه الليبرالي، فقد وجدت نفسها على الهامش وخارج علاقات شبكات المافيا والزبونية التي تدور حول العائلة الحاكمة التي استفادت من برامج الخصخصة التي مست العديد من القطاعات على إثر التقويم الهيكلي الذي أملاه البنك الدولي في سنوات الثمانينات. إذ استفادت الدوائر المقربة من النظام لوحدها من عمليات بيع مؤسسات القطاع العمومي المربحة واحتكرت لصالحها قطاعات اقتصادية مهمة ( الأبناك، الاتصالات، النقل الجوي، السياحة، التعليم الخاص…).

سياسيا، مؤدى هذا الأمر أن الجيل الجديد كان خارج <<الحوانيت>> السياسية التقليدية ولم ينتظم داخلها كونه كان يدرك أنها واقعة تحت تأثير قبضة الأنظمة السياسية الحاكمة وتتحرك ضمن الحدود العامة والمرسومة سلفا من النظام. لذا بلغت نسبة العزوف عن المشاركة في اللعبة السياسية أرقاما قياسية. يبقى أن هذا الجيل السياسي الجديد لا تجمعه وحدة فكرية ولا مرجعية أيديولوجية واحدة، لكن ما يميز مرجعيته الفكرية والسياسية إيمانه بالحرية والتعددية السياسية نظرا لثقافته التكوينية العالية، مما استطاع معه أن يبلور العديد من الشعارات ذوات مبادئ جامعة، يوحدها توافق تلقائي وصريح حول مبادئ الحرية والكرامة والاشمئزاز مما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية والسياسية، فضلا عن الرغبة العارمة في تحسين أوضاعهم والكفاح في سبيل عدالة اجتماعية.

وهو الأمر الذي سهّل التقاءهم مع حركات إسلامية ( حزب النهضة) يسارية راديكالية ( حزب العمال الشيوعي) وجمعيات مدنية معارضة لرموز السلطة والفساد، مفاده أن الوضع لن يتم إصلاحه أو تغييره قبل إسقاط النظام… ولكن بدون أن تكون توجهات هؤلاء الشباب دينية سياسية أو اشتراكية ومعادية لاقتصاد السوق…

وبالتالي إن اختيار قراءة الثورة كساحة للتفاعلات وكمشاهد متحركة، يفرض معرفة سيناريو الثورة المعقد، أبرز الفاعلين فيها والممثلين داخله، تفاصيل السيناريو والإخراج… وبين هذا وذاك، ندرك تماما أنه مهما كانت شروط التفكير والتقصي والتحليل قاسية ومستعصية، يبقى إن الواقع العملي أغنى بكثير من المفاهيم النظرية ومتقدم عليها، فمن سماته التنوع والتعدد والتمايز والاختلاف.

خلاصة

إن التأكيد على كون الثورات العربية ثورة تحولات ديموغرافية وثقافية يجد تعبيره السياسي في المطالبة بحياة كريمة والحق في العمل واحترام القانون لدى هؤلاء الشباب، كما تجلى ذلك في عفوية المظاهرات وفي غياب قيادات سياسية تؤطرها. إنها ثورة أجيال جديدة تبحث عن نفسها في وسيط ثقافي خارج سوق الأفكار التقليدية، عبرت عبر الوسائط الاجتماعية الجديدة عن طموحات مئات الآلاف منها. فهي ثورة بدون << أيديولوجية>> معينة، إذا لم تكن << أيديولوجياتها>> تقنياتها المستعملة، لكنها حفرت في ذاكرتها اعتزازا تاريخيا بما قامت به وحققت، فيما فشلت الأجيال السابقة في تحقيقه تحت دعاوي قومية واشتراكية وإسلامية. لكن مهما كانت نتائج هذه الثورات واتجاهاتها نحو هذا الطريق أو ذاك في فترة يسيطر عليها الكثير من الشكوك ويلفها الغموض، فإن إيمانها بالحرية سيظل أفقها المنشود ولن تتنازل عنها.

إنها ثورة <<حداثية>> حاول الشباب من خلالها التخلص من قيود كبلته وأعاقت مجهوداته نحو التقدم أسوة بسائر الشعوب التي رفعت أغلال القهر والعبودية، فهذه الثورة تحاول أن تضع قاطرة جديدة في سكة جديدة لكي تلتحق بالركب الحضاري في طريق محفوف بالأشواك والمفاجآت غير السارة. يبقى أننا نتسرع كثيرا في وصفها بال<< الثورات الديموقراطية>>، فهؤلاء الشباب يحذوهم الأمل في حياة كريمة والحق في العمل في ظروف فرضت عليهم إزاحة الأجيال القديمة التي سيطرت على السلطة والمال لكي تفسح المجال لها عنوة.

لذلك إن إدراج التحولات الديموغرافية في صلب التحليل السياسي والاقتصادي والاجتماعي كعامل إضافي لا يلغي قيمة الشروح الاقتصادية والاجتماعية التي قدمها آخرون لهذه الثورات والتي أشرنا إليها، لكن يخفف لحد ما من حتميتها وميكانيكيتها. فضلا عن ذلك، إن انتشار الوعي والتعليم كأسباب ونتائج للتحولات الديموغرافية الجارية لا يمكن إلغاؤه وحضوره طاغي في << ربيع>> الثورات العربية.

باحث وكاتب مغربي

[1] – Courbage, Y & Todd, E. (2007). Le rendez-vous de la civilisation. Paris. Seuil. P :65.

[2] – Banque mondiale, 2011, htpp://donnees.banquemondiale.org/indicateur/SE/ADT.LITR.ZS. (consulté septembre 2011).

[3] – Michelle Dunne. (2011). « Le changement politique dans le monde arabe : ce que l’expérience tunisienne a confirmé – et infirmé » In Arab Reform Bulletin, 18 janvier 2011. Voir aussi: Bichara Khader. (2011). « La jeunesse, moteur des soulèvements démocratique arabes » MEDEA. Htpp://www.medea.be/2011/05/ la-jeunesse-moteur-des-soulèvements-démocratiques-arabes. (septembre 2011)/

- وحيد عبد المجيد (2011)، << التجديد ما بين حزب الإخوان وشبابهم>> الأهرام 17 مايو 2011.

[5] – Tammam, H & haenni, P. (2011). « Les religieux face à l’insurrection », Religioscope, 10 février.

[6] – Françoise Clément & Marie Duboc, Omar el Shafi. ( 2011). « Le rôle des mobilisations des travailleurs et du mouvement syndical dans la chutte du Moubarak » In Revue Mouvements, N°=66. Paris. La découverte, p :69-78/

[7] – Pierre Robert-Baduel (2011). « Tunisie : le rôle complexe et déterminant de l’armée » In Le Monde, 10février 2011.

[8] – Chouikha, L & Geisser, V. (2010). « Retour sur la révolte du bassin minier. Les cinq leçons politiques d’un conflits social inédit » In L’Année du Maghreb, VI, Paris , CNRS éditions, pp : 415-426.

[9] – Chouikha, L. (2009). « Un cyberespace autonome dans un espace autoritaire : l’expérience de Tunisnews » In Mohsen-Finan K. (dir)., Les médias en Méditerranné. Nouveaux médias, monde arabe et relations internationales. Arles/Aix en provences. Actes Sud/MMSH, pp : 217-235.

- انظر حسن المصدق (2008)<< نظام التعليم العالي والبحث العلمي في تونس>> تونس كما يراها الآخرون، لندن، دار العرب العالمية[10] للصحافة والنشر، صفحة.19-29.

[11] – The Road Not Traveled-Education in the Middle East and North Africa. 2008.

[12] – Moody’s & Standard and Poor’s = Tunisie (BAA2) et en fin janvier 2011 en “BAA3”.

[13] – Bilan du Monde 2011, Hors-Série Le Monde, section « Afrique », chapitre Tunisie, p :94.

[14] – Romdhane, M. (2011). Etat, économie et société. Ressources politiques, légitimation et régulations sociales. Edition Publisud,

[15] – Voir : www.tunisivisions.net. Etude réalisée par l’unité des grands brulés au service de chirurgie plastique à l’Hopital Aziza-Othmana à Tunis (1998).

[16] – « Endettement des ménages en Tunisie : la côte alerte » http://bqtn.blogspot.com

Share Button

الكاتب: