الأحزاب من خلال الاستعارات التي تحيا بها

les partis politiques Maroc

أستعير من الباحث اللسني جورج لايكوف عنوان أحد كتبه لأتطرق عبره إلى الحديث عن الأحزاب كقوى اجتماعية حديثة تحل مبدئيا محل الأشكال التنظيمية التقليدية القائمة على الرابطة الدموية أو العرقية أو الجهوية والإثنية أو الدينية أو القبلية أو تحل محلها علاقات جديدة قائمة على المواطنة بعيدا عن أي انتماء عرقي أو ديني أو لغوي…

المحددات الأساسية للحزب العصري أو للحزب الحديث هي أولا الانتماء الوطني وداخل هذا الانتماء يندرج الانتساب للحزب ضمن معيار اجتماعي أو طبقي أو إيديولوجي.

إلا أن الانتقال من النموذج التقليدي إلى النموذج الحداثي في الانتماء السياسي ليس مسألة أوتوماتيكية وتلقائية، بل إن الحزب -وذلك على الأقل في البلدان المتخلفة التي يقال عنها أنها نامية أو في طور النمو بما فيها الدول العربية والإسلامية- يظل محط تجاذب قوى بين آليات الانتماء العتيقة وآليات الانتماء الحديثة حيث يتلبس أحدها بالآخر في استغماية ليس من السهل تفكيك دلالاتها بسرعة.

ومن أجل ملامسة بعض مظاهر هذا المزيج سأتخلى عن اللغة الوظيفية والوصفية، ولو بشكل مؤقت، مائلا نحو التعبير عنها بشكل غير مباشر عبر رصد وتدوين المقولات التمثيلية والتشبيهية والبلاغية التي تزخر بها الأدبيات السياسية المتداولة حول الأحزاب.

كثيرة هي التشبيهات والاستعارات المتداولة في الخطاب السياسي عن الأحزاب لكني سألتقط أكثرها تداولا إما بصيغة صريحة واضحة أو بصيغة مضمرة أو ضمنية. وسأبدأ بذكر التمثيلات الإيجابية في هذا الباب.

يتحدث عن الأحزاب كمدارس فكرية وسياسية بمعنيين أي كفضاءات لتعلم الممارسة السياسية أو محاربة الأمية السياسية وتعلم أبجديات السياسة والمعنى الثاني يختلف قليلا عن المعنى التقني الأول لأنه يعنى بالمدرسة لا الفضاء والإطار بل التوجه والدلالة. الحزب مدرسة بمعنى أنه يحمل رسالة نبيلة وطنية أو قومية أو طبقية أو دينية.

والحق أن الكثير من الأحزاب تقدم نفسها بهذه الصورة التي تكون براقة في اللحظات التاريخية الحادة إما ضد الاستعمار أو ضد الاستبداد. وغالبا ما ترتبط هذه الصورة بأشخاص لدنيين لديهم مستوى فكري وثقافي يختلف قليلا عن مستوى الجمهور ولديهم إشعاع توجيهن إيديولوجي يجعلهم يبدون وكأنهم حملة رسالة تاريخية كبيرة. لدينا هنا في المغرب أمثلة بارزة من أهمها علال الفاسي – المختار السوسي – عبد الله إبراهيم – بلحسن الوزاني علي يعته…

في هذه الحالة تلتحق باستعارة المدرسة استعارة المنارة حيث يتحدث عن الحزب كمنارة إيديولوجية أو فكرية مشعة ومعبئة طافحة بالضوابط الأخلاقية ومشحونة بمشاريع مجتمعية نهضوية وتاريخية كبرى. وهي استعارات سالكة في اللحظات الكبرى للتحول التاريخي (النضال الوطني ضد الاستعمار أو النضال السياسي ضد الاستعمار).

لكن سرعان ما تبرز صور وتشبيهات أخرى سلبية في اللحظات العادية أو في اللحظات التي تطفح فيها عوامل بنيوية قوية كتغلغل الرأسمالية كعلاقات اجتماعية وكقيم، أو تغلغل الصناعة والتقنية بكل إسقاطاتها الأداتية، حيث تظهر الأحزاب إما كمقاولات أو شركات استثمارية صريحة أو خفية يتحول فيها مفهوم النضال إلى معناه اللغوي الأصلي أي كصراع من أجل المكاسب والمغانم، أو تتحول الأحزاب إلى دكاكين سياسية يقوم عليها ويتقوم بها بعض الأشخاص سلطة وثروة، أو إلى مجرد كراكيز على المسرح السياسي تحركها خيوط رفيعة لا مرئية تمسك بها إما قوى سياسية أو قوى اقتصادية أو غيرها مما يجعل الساحة السياسية أقرب ما تكون إلى مسرح كراكيز، وقد تتحول الأحزاب السياسية إلى مجرد سلالم للصعود إلى السلطة أو إلى حافلات للنقل السريع إلى السلطة يتحول فيها النضال إلى مجرد نصب تاريخي يتأرجح بين اللاوعي والقصدية.

ولعل أردأ صورة للأحزاب هو تحولها إلى عصابات ومافيات سياسية هدفها الأول والأخير هو حيازة المال أو السلطة بكل الأساليب والطرق المتاحة.

لكن هناك صورة أخرى لا تقل سلبية وإن كانت أقل شراسة وهي صورة الأحزاب كأضرحة أو مزارات أو مواسم أو مستودع أموات تغلب فيها نماذج الماضي على عطاءات الحاضر، أو كمتاحف شمع تخفى نضارتها المصطنعة قوة الموت وإشعاع التاناتوس.

غير أن الأدبيات السياسية طافحة بصور أخرى لا تقل سلبية: الأحزاب الورقية – الأحزاب الكرطونية – الأحزاب الإليكترونية – الأحزاب القطيعية – الأحزاب الدونكيشوتية… القائمة في الغالب على بطولات فردية وطلقات فارغة في الهواء ولا تعكس أي صدى اجتماعي ولا تستجيب لها أية قاعدة اجتماعية.

ومن خلال الاستعراض غير الوافي للاستعارات الحزبية الضمنية يبدو أن هناك تصورين كبيرين للحزب: تصور مثالي أو ملائكي يقوم على تصديق مزاعم الفاعل الحزبي وتنميقاته الإيديولوجية حيث يقدم الحزب نفسه في صورة ملائكية قوامها الغيرية والتفاني من أجل الصالح العام، ويقدم نفسه وكأنه الضمير الأخلاقي للشعب أو ضمير التاريخ…إلخ إما باسم مبادئ وطنية أو قومية أو عرقية أو ثقافية أو باسم نزعة كونية أو باسم مقولات فكرية كبرى: الحرية-العدالة-حماية بيضة الدين-التوزيع العادل للثروة…، وهو التصور السائد غالبا وخاصة لدى المستقبل ذي الحاجة وذي القابلية الطوعية للتصديق، أما التصور الثاني فهو التصور الارتيابي الذي يميز بين الشعار والممارسة ويعرف أو يستشم مكر الخطاب السياسي، ويستشف بعض آلياته الاستقطابية والاستثمارية أو على الأقل يفترض وجودها أو يتوجسها. وهذا التصور الثاني يجد أساسا فكريا له في النزعة الارتيابية التي طورتها بعض العلوم الإنسانية الحديثة كالتحليل النفسي وسوسيولوجيا النخب وفلسفات نقد الفاعل وكل الاتجاهات الكاشفة عن الإرادات الكامنة خلف المعتقدات والمصالح الظاهرة والخفية الثاوية خلف الخطابات والشعارات والمثل البراقة.

يمكن اعتبار هذين التصورين بمثابة حدين متقابلين تمور وتموج بينهما مساحات واسعة ومزائج وخلائط طيفية.

بالإضافة إلى ذلك يبدو وكأن كلا من التصورين يضمر لا فقط تصورا معينا للسياسة وللعمل السياسي بل يضمر أيضا تصورا معينا للإنسان إما ككائن عاقل وعقلاني وأخلاقي أو ككائن مرن تحكمه الرغبات والأهواء والمطامع في العمق لكنه يفرز على السطح صورة أنشوطية أخرى براقة وجذابة ومغرية.

لذلك يتعين، عند تقييم أي حزب، أن نراعي أن في كل حزب تتفاعل وتصطرع جملة مثل واستعارات ونماذج إيجابية وسلبية في بنيته وتصوراته وممارساته وخردته الإيديولوجية. إن التقييم الموضوعي لأي حزب يتطلب قياس نسبة أو قسك تواجد أو هيمنة هذه الاستعارات والنماذج كلها.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر عند النشر.

Share Button

الكاتب: