صفحات من التنوير

lumiere

كيف ابتدأت الخطوات الأولى للحداثة؟ كيف خرجت أوروبا رويدا رويدا من غياهب العصور الوسطى المسيحية؟ يمكن أن نكتب مجلدات حول الموضوع.وقد كتبت، في اللغات الاوروبية على الأقل. صحيح أن الحركة الانتقادية للعقائد المسيحية كانت قد ابتدأت منذ القرن السابع عشر، ولكنها لم تبلغ ذروتها إلا في القرن الثامن عشر: عصر التنوير.فالمفكر الفرنسي ريشار سيمون(1638- 1712) طبق النقد التاريخي على التوراة والإنجيل وعقائد المسيحيين الشرقيين منذ عام 1680، أي في أواخر القرن السابع عشر. ودشن بذلك حقبة جديدة في مجال التنوير الديني العقلاني. فقد كشف عن العلاقات الكائنة بين هذه النصوص المقدسة من جهة، و بين التاريخ الأرضي بكل ملابساته اللغوية والاجتماعية والثقافية من جهة أخرى. فالنصوص الدينية لها علاقة بالتاريخ أيضا وليست فوق التاريخ كما يتوهم المؤمنون التقليديون.انها ليست فوق التاريخ إلا بمقاصدها الروحية والأخلاقية السامية.وهذا معاكس للتصور التبجيلي المثالي اللاتاريخي الذي يهيمن على عقول المتدينين من كل الأديان والمذاهب. والمدهش في الأمر أن ريشار سيمون هذا فعل كل ذلك وهو رجل دين! صحيح أن الفيلسوف الشهير سبينوزا(1632-1677) سبقه الى هذا التجديد الخارق ولكنه على الأقل كان ملحدا خارجا على كل الأديان بما فيها دينه الخاص بالذات:أي اليهودية.ومعلوم أنهم كفروه ونبذوه بل وأباحوا دمه.وقد حاولوا اغتياله ولكن العملية فشلت لحسن الحظ، والا لكنا خسرنا أحد كبار الفلاسفة في التاريخ.

ولكن على الرغم من أنه رجل دين الا أن ريشار سيمون أثار عليه حقد التيار الأصولي في المسيحية وعلى رأسه بوسّويه. فحاربوه وحاصروه إلى درجة أنه اضطر في آواخر حياته (بعد أن تجاوز السبعين) إلى الخروج من بيته بمنطقة النورماندي في منتصف الليل لكي يحرق مخطوطاته في البرية خوفا من أن يداهموه فجأة ويجدوها عنده. على الرغم من ذلك فان ريشار سيمون هذا يظل رجل دين ولا يتحدث عن المسيحية من الخارج كما فعل سبينوزا وكما سيفعل فلاسفة التنوير لاحقا وإنما من الداخل. ومع ذلك فقد لاحقته الكنيسة ومحاكم التفتيش ونغّصت عيشه..

والواقع أن الأصوليين راحوا يلاحقون كل أتباع الأفكار الجديدة الناتجة عن الفلسفة الديكارتية. وراحوا يتهمونهم في إيمانهم ومعتقدهم وينعتونهم بالكفر والإلحاد على الرغم من أن معظمهم لم يكن ملحدا أبدا وإنما فقط مؤمنا عقلانيا: أي مستنيرا. ولكن الأصولي المتعصب لم يكن يفرق آنذاك بين الإلحاد والإيمان المستنير.فأي تحكيم للعقل في مجال الدين كان يعتبر كفرا.ما معنى العقل البشري بالقياس الى الوحي الالهي؟ تواضع أيها الانسان واحترم نفسك والزم حدودك!

وبالتالي فالأصولي المسيحي كان يضعك بين خيارين لا ثالث لهما: إما أن تؤمن مثله، أي بدون أي تفكير تقريبا وبطريقة عمياء متعصبة، وإما أن يتهمك بالكفر والزندقة والخروج على الدين! ولهذا السبب اضطر الكثيرون من الفلاسفة إلى الهروب من فرنسا في ذلك الزمان خوفا على حياتهم.ويرى الفيلسوف الفرنسي المعاصر ميشيل سيرّ أنه لم يعش مفكر واحد مرتاحا طيلة تلك العصور.كلهم كانوا ملاحقين ومهددين في حياتهم الشخصية من قبل السلطات الكنسية.ولكن معاناتهم وتضحياتهم لم تذهب سدى.فقد انتصرت الحداثة العلمية – الفلسفية في نهاية المطاف على اللاهوت المسيحي التكفيري.ولم يعد أي مثقف في أوروبا يخشى على نفسه أو على وظيفته اذا ما انتقد رجال الدين أو درس النصوص المقدسة دراسة تاريخية- نقدية.

في أواخر عصر التنوير، أي عام 1793 بالضبط، ظهر كتاب هام للفيلسوف كوندورسيه تحت العنوان التالي:”رسم ملامح المخطط التاريخي للروح البشرية”. وفيه يقول المؤلف بأن أساتذة الفكر الجديد في أوروبا هم الإنجليزي فرانسيس بيكون، والإيطالي غاليليو، والفرنسي رينيه ديكارت. فهم الذين قدموا المنهج الفكري الجديد لأوروبا.انهم بدايات الاستيقاظ على الحداثة وبراعمها الأولى. وقد قالوا ما معناه: منذ اليوم فصاعدا لا ينبغي علينا أن نقبل كل ما وصلنا عن تراث الأقدمين وكأنه حقائق مطلقة.منذ الآن فصاعدا لا ينبغي أن نلغي عقولنا. وبالتالي فلا ينبغي على الإنسان الأوروبي بعد اليوم أن يصدق كل ما جاء في كتب التراث المسيحي وكأنها حقائق مطلقة، معصومة.وإنما ينبغي عليه أن يضعها على محك النقد العقلاني لكي يكشف عن صحتها أو خطئها. فالله زود الإنسان بالعقل لكي يستخدمه لا لكي يلغيه كما يجبرنا على ذلك المتزمتون الأصوليون في المسيحية. فهم يحشون عقول الشعب حشوا بأفكار التواكل، والتسليم، والغيبيات، والخرافات، والمعجزات التي تنتهك قوانين الطبيعةل. وهكذا يساهمون في إلغاء عقولهم: أي أفضل ما أعطاه الله لهم.

يمكن اعتبار كتاب كوندورسيه بمثابة محصلة اجمالية لفكر عصر التنوير المتفائل بمستقبل البشرية والقائل بأن مسارها سائر باستمرار الى الأمام بغية تحقيق التقدم والسعادة على هذه الأرض.وكان كوندورسيه يعتقد أن هذا التقدم الحضاري سوف يشمل يوما ما جميع شعوب الأرض ولن يقتصر على الشعوب المستنيرة من فرنسية أو أوروبية وأنغلوساكسونية.لكن لنعد الى أستاذه ديكارت.

في الواقع أن رينيه ديكارت كان أول من أقام التمييز بين الاعتقاد الديني من جهة، والمعرفة العلمية العقلانية من جهة أخرى. وقد جاء ذلك في كتابه الشهير: “التأملات الميتافيزيقية”.وهو كتاب صدر لأول مرة عام 1641: أي في النصف الأول من القرن السابع عشر. وبالتالي فديكارت هو أستاذ كل فلاسفة التنوير في فرنسا من فولتير، إلى ديدرو، إلى جان جاك روسو، إلى كوندورسيه إلى عشرات الآخرين. كلهم خرجوا من معطفه. فهو الذي دشّن الثورة الراديكالية في تاريخ الفكر الفرنسي والأوروبي كله.وكان ذلك عندما نصّ على المبدأ الأساسي التالي: ينبغي علينا أن نفكك كل التصورات والأفكار الموروثة عن الأقدمين إذا ما أردنا أن نؤسس معرفة علمية دقيقة موثوقة فيما يخص الظواهر والقضايا أيا تكن.

وبالتالي فالمعرفة بالنسبة لديكارت كانت تتألف من حركتين: الأولى سلبية والثانية إيجابية. في الأولى نتخلص من كل الأفكار القديمة الخاطئة التي تربينا عليها منذ نعومة أظفارنا أو تشرّبناها مع حليب الطفولة في البيت والعائلة والكنيسة وحتى المدرسة. وبعد أن ننجح في هذه العملية الصعبة والخطرة يمكننا أن ننتقل إلى المرحلة الإيجابية ونشكل المعرفة الجديدة الصحيحة على أنقاضها. وسوف يكون علم الرياضيات هو نموذجنا الذي نحتذي به لأن حقائقه يقينية موثوقة. وبالتالي فينبغي أن تهدم قبل أن تبني، ينبغي أن تدمر قبل أن تعمّر. وهنا تكمن خطورة الفكر.ولهذا السبب يُحارب المفكرون ويُهددون ويُلاحقون.وقد أثبتت آخر التحريات أن ديكارت نفسه مات مقتولا أو مسموما من قبل المرشد الديني(فرانسوا فوغييه) الذي كان يعمل في السفارة الفرنسية باستكهولم.لاحظ الأمر: رجل دين تافه يقتل أكبر فيلسوف في العصور الحديثة غيلة عن طريق دس السم له في القربان المقدس! لقد قتله وهو في الرابعة والخمسين: أي في أوج عبقريته وعطائه الفكري..للمزيد من التفاصيل انظر “الكتاب – القنبلة” للباحث الألماني تيودور ايبيرت الصادر عام 2009 بعنوان: “الموت السري الغامض لرينيه ديكارت”،والمترجم الى الفرنسية تحت عنوان مختلف قليلا:

Theodor Ebert : L’enigme de la mort de Descartes.Paris.Editions Hermann.2011

هذا التوجه الفكري الجديد الذي بلوره ديكارت اعتبرته الكنيسة المسيحية بمثابة تهديد لها. ولذلك حاربت الفلسفة الديكارتية بل ووضعت مؤلفات الفيلسوف على قائمة الكتب المحرمة من قبل الفاتيكان. وهذا يعني أنه لا يحق لأي مؤمن مسيحي أن يقرأها أو يقتنيها في بيته لأنها ضد الإيمان والعقيدة. إنها رجس من عمل الشيطان وسيعاقب الله كل من يدرسها أو يهتم بها مجرد اهتمام. وبما أن الكثيرين كانوا يطيعون وصايا البابا في ذلك الزمان فإنهم امتنعوا عن قراءة الفلسفة الديكارتية وراحوا يشتبهون بها لأنها تبعد عن صحيح الدين والطريق المستقيم.

ولكن لحسن الحظ فان الكثيرين لم يلتزموا بنصائح البابا وانما راحوا يقرأونها وبخاصة في أوساط النخبة المثقفة. والواقع أنهم وحدهم كانوا قادرين على قراءتها والإستفادة منها لأن أغلبية الشعب الفرنسي آنذاك كانت أمية لا تحسن القراءة أو الكتابة.وكانت تتبع مواعظ الكهنة ورجال الدين بشكل كلي، تماما كجماهيرنا الشعبية اليوم.

وربما زادت محاربة الكنيسة للكتب الفلسفية من إقبال المثقفين عليها طبقا للمثل القائل: كل ممنوع مرغوب. فهم يريدون أن يعرفوا ماذا فيها ولماذا منعت يا ترى.في الواقع أن التصديق الأعمى أو التسليم بكل ما قاله القدماء لم يعد واردا بالنسبة للمثقفين المستنيرين في ذلك الزمان. فهم يريدون أن يتفحّصوا كل شيء على ضوء العقل لمعرفة فيما إذا كان صحيحا أم لا، ويريدون أن يغربلوا كل الأفكار والعقائد القديمة بعد وضعها على محك العقل والتجربة العملية.ومعلوم أن ديكارت قدم لهم منهجية الشك الضرورية لتحقيق ذلك.ولكنه الشك الايجابي المثمر لا السلبي العقيم المدمر.وتقول المنهجية الحديثة ما يلي:

كل ما أثبتت التجربة العملية صحته آمنّا به، وكل ما لم تثبته طرحناه وتركناه حتى ولو كان صاحبه البابا ذاته أو واحدا من أعظم القديسين في العصور الخوالي.فلا يكفي أن يكون صاحب المقولة شخصا كبيرا شهيرا في تاريخ الكنيسة لكي نصدق مقولته ونأخذها على حرفيتها كما تفعل عامة الشعب مع أقوال الباباوات ورجال الدين الكبار، وإنما ينبغي أن نغربل كل ذلك لفرز الصحيح عن الخاطئ. وهذا ما قاله البارون دولباك(أو هولباك) أحد فلاسفة التنوير الراديكاليين في كتابه الشهير:”نظام الطبيعة أو قوانين العالم الفيزيائي والعالم الأخلاقي”. وهو كتاب مضاد كليا للعقائد المسيحية ولا يعترف إلا بالعلم والتجربة العملية المحسوسة لفهم قوانين الطبيعة وظواهرها.ولكنه بالغ في اتجاه الالحاد المادي.ولذلك يعتبر مؤلفه من أتباع التنوير الراديكالي المضاد للتنوير المعتدل المؤمن على طريقة فولتير وروسو وكانط.ومعلوم أن فولتير هاجم الكتاب.

وبالطبع فقد وضع كتاب البارون دولباك على لائحة الكتب المحرمة من قبل الفاتيكان والكنيسة الكاثوليكية، وحاربوه محاربة شديدة بعد أن أصدروا الفتاوى اللاهوتية بتكفيره وتكفير صاحبه.

على هذا النحو اندلعت الحرب بين الفلسفة والتصورات الدينية التقليدية في الثقافة الفرنسية إبان عصر التنوير. وعلى هذا النحو أيضا راح الفلاسفة يحاربون أفكار التعصب الطائفي أو المذهبي التي كانت منتشرة آنذاك في صفوف الشعب كثيرا. ومعلوم أن معظم الدول الأوروبية كانت منقسمة طائفيا إلى قسمين كبيرين: قسم كاثوليكي تابع لبابا روما والفاتيكان، وقسم بروتستانتي يكره البابا كرها شديدا ويتبع مارتن لوثر وكالفان. وعلى الرغم من أن كلا المذهبين كانا مسيحيين ويؤمنان بيسوع المسيح والإنجيل إلا أن بعض التفاصيل العقائدية أو اللاهوتية كانت تفرق بينهما. ولذلك كان الكره شديدا بين أتباع المذهب الكاثوليكي وأتباع المذهب البروتستانتي. وقد جرت مجازر عديدة بين الطرفين.كان من أشهرها مجزرة سانت بارتيليمي في فرنسا. وضد هذا التعصب الأعمى نهض فلاسفة التنوير لكي يجتثوا الأفكار المتعصبة والطائفية من جذورها.وقد نجحوا في العملية ولكن بعد صراع طويل ومرير… والحداثة الأوروبية كلها ليست إلا ثمرة لهذا الصراع التاريخي الكبير.

اللوحة: “صالون السيدة غوفران” للرسام شارل غابرييل ليمونيي (1812).
حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
أية اعادة نشر من دون ذكر المصدر تسبب ملاحقة قانونية.

Share Button

الكاتب: