في نقد الحاجة إلى برنار هنري ليفي

bhl arabspringgg

لم يعد اسم برنار هنري كيفي يقترن، فحسب، بأحد أهم الفاعلين الثقافيين في فرنسا اليوم. بل تعدى ذلك، ليغدو بمثابة إيقونة ثقافية، أو أشبه بالظاهرة الإعلامية التي أصبحت تسم بحضورها الطاغي المشهد الثقافي والسياسي الفرنسي برمته. فليفي لا يمثل صورة الكاتب المطلق، فقط، بل يجسد، فوق ذلك، نموذج المثقف الداعية الذي له في كل قضية موقف، وفي كل حادث حديث، وفي كل نازلة من النوازل نظرات وخطرات وشوامل وهوامل. إنه يقدم نفسه كمثقف عضوي ذي خلفية فلسفية، إنسية وكونية، وكسليل شرعي لجنيالوجيا المثقف الدريفوسي. لذلك، يؤكد برنار هنري ليفي في غير ما مقام أن ”اليسار هو عالمه المؤسس”1 الذي تصله به واشجة دقيقة وحبل سري يمتد على مدى ”ثلاثين سنة (ونيف) من الحروب المتواصلة، زد عليها وفاء لا تفته النوائب”2 . غير أن اليسار الذي ينتسب إليه ليفي أو ينافح عنه ويدعو إليه هو ”يسار كبير إلي، مناهض للكليانية”3 ومعاد للغة الخشب والرصاص. ولا يخفي ليفى في هذا المقام. رفضه الشديد ”لهذا اليسار الذي ينظر اليوم، على حد قوله، إلى اسرائيل كجسم سرطاني وإلى أمريكا بوصفها بيت الشيطان.. وهذا اليسار الذي يستضيف طارق رمضان ويغازل الإسلاميين”4 والذي يأوي ضمن هياكله وأجهزته مجموعة ”من المناضلين الموراسيين المقنعين في صورة مناضلي اليسار”. وقد أعرب برنار هنري ليفي منذ سنة 1977 في كتابه التدشيني ”البربرية بوجه إنساني”5 عن تبرمه الصريح من كل أطياف اليسار الجديد والتقليدي سواء بسواء ومن تعاطيهما مع السلط القائمة : ”فحيثما كان اليسار الكلاسيكي يتصورها عبر مصطلحات من قبيل الأجهزة والبنيات والهيئات، كانوا من جهتهم (اليساريون الجدد) يرون فيها ضربا من الميكروفيزياء النافذة والفاسدة التي تتشكل من جملة من الاندفاعات والرغبات والمتع”6. وهذا ما جعل ليفي في تواجه مباشر من جهة مع آلان باديو وكاستور ياديس وبيير بورديو ومن جهة ثانية مع جيل دولوز وفيلكس غاتاري وجان فرانسوا ليوطار. كما دفعه إلى التخلي عن التصور الألتوسيري للثورة بما هي انعطافة ”لا تجري بحد البنادق بل بقوة المفاهيم”. يعتبر برنار هنري ليفي أن الفلسفة ليست محض ممارسة نظرية أو فعالية مفاهيمية مجردة. بل هي حسب تعبير ميشال فوكو ”أنطولوجيا الحاضر”، وإصغاء لنبض المجتمع، وتدخل فاعل في صيرورات الواقع وانعطافاته التاريخية الكبرى. وانطلاقا من هذا التصور يرمي برنار هنري ليفي إلى تدشين ممارسة فلسفية مغايرة للدرس الفلسفي الأكاديمي، ممارسة ميدانية لحمتها الواقع وسداها نوازله وفواعله الراهنة. وفي ضوء هذه الممارسة الفلسفية المغايرة أعلن صاحبنا القطيعة مع الهيجلية، وإيديولوجيا مكر التاريخ ومع النيو أفلاطونية و”مطلقاتها الشيطانية” ومع فلسفة برجسون وامتداداتها الدولوزية. يقول برنار هنري ليفي : ”لا أعرف ولن أعرف فلسفة، فيما يبدو لي، إلا ملتزمة، ومشدودة إلى العصر، وإلى الزمن العابر ومتجذرة في الهنا والآن… ولا وجود لفعل التفلسف بدون تقديم إجابات وبدون العمل على التحريض وعلى ربح ما هو ساكن”7. لهذا كان كتابه ”البربرية بوجه إنساني” عبارة عن ”أركيولوجيا للزمن الحاضر” وأراد له أن يكون كما جاء في توطئته، عملا حفريا ”حريصا على وضع اليد، داخل ضبابية الخطابات والممارسات المعاصرة، على أمارات وبصمات بربرية بلبوس إنساني”8. يعي ليفي الشرط التاريخي التراجيدي الذي درج فيه والذي شد مجايليه بين فكي ملزمة قاهرة : الفاشية من جهة والستالينية من جهة أخرى يقول :”لو كنت شاعرا لشدوت ويلات الواقع وفظاعات الأرخبيلات الجديدة التي يحضرها لنا المستقبل … ولو كنت رساما على غرار كوربي وليس على شاكلة دافيد، لرسمت شكل السماء بالألوان الرمادية التي تخيم على سانتياغو، لواندا أو كوليما. غير أنني فيلسوف لهذا سأكتفي بتفسير النظام الكلياني الجديد”9 الذي يجسد البربرية الإنسانية والذي غدت فيه السلطة بمثابة ”الصورة القبلية للواقع” وصار فيه التاريخ معادلا موضوعيا لزمن السلطة ولرساميلها وبنياتها ولشروط إعادة إنتاجها، كما تحول فيه الفرد ”إلى محض نسيخة مزدوجة للدولة” والمجتمع إلى صورة بعدية للسلطة. وبالرغم من أن برنار هنري ليفي يشدد في كتابه المذكور على أن المثقف القادر على مناهضة هذه البربرية الإنسية والقمين بمطاولة سلطها الكليانية هو مثقف ميتافيزيقي يكتفي بتشخيص ”الإمكانات الأنطولوجية للحدث الثوري”10 لفضح أباطيله وكشف أوهامه، وبالرغم من أنه يؤكد من جهة أخرى أن هذا المثفق الميتافيزيقي لم يعد بمكنته في ظل هذه البربرية المتنفذة أن يكون مرآة للسلطان أو مستشارا له أو أن يكون ”في خدمة الثوار” يستحثهم وينير لهم درب التحرر والانعتاق، رغم ذلك فإنه ظل مشدودا إلى نموذج المثقف الفيزيقي الذي يتموضع في زمنه التاريخي ويضطلع بأسئلته على غرار أندري مالرو وجان بول سارتر. ولئن كان برنارليفي قد عبر عن إعجابه بسارتر من خلال كتابة بيوغرافيا ذهنية عنه واعتباره علامة على قرن بأكمله، فإنه ظل في المقابل متعلقا أكثر بنموذج أندري مالرو، ”مقاتل الحرية” وبصنيعه كمثقف عضوي في الحرب الأهلية الإسبانية وبقيادته في ثلاثينات القرن الماضي لما عرف ب”الفيلق الإسباني” Escadrille Espana ضد القوميين الفرانكيين. وبوحي من مالرو ذاته سيجد ليفي نفسه متورطا في الربيع البنغالي سنة 1971، ”وسيصطف” كما يزعم إلى جانب مناضلي الحركة الناكسالية الماوية لمجابهة عساكر الجنرال الباكستاني تيكاخان وللمطالبة باستقلال البنغلادش عن نظام ”دو الفقار”. كما سيجد نفسه سنة 1974 جنبا إلى جنب مع مناضلي حركة القوى المسلحة التي أطاحت بأوليفيرا سالازار الحاكم المطلق للبرتغال. وبنفس الروح المارلووية المتجذرة في شرطها التاريخي الكوني سينخرط ليفي في معمعان مناهضة أرخبيلات التوتاليتارية، وسيدافع عن معذبيها ويسند منشقيها والمنتفضين عليها، بدءا بسولجنشتاين وأندري ساخاروف ومروا بليش فاليسا ووصولا إلى شاه مسعود. وهكذا وقف ليفي ”في صف” المجاهدين الأفغان ضد السوفيات ”وآزر” مسلمي البوسنة ضد حملة التطهير الإثني الكلياني. ولم يكن دعمه ”لمعذبي الحرب” دعما ”ميتافيزيقيا” أو إثيقيا، بل ترجمه فيزيقيا عبر حضوره الميداني إلى جانبهم في كابول وسارييفو وأنغولا وسريلانكا وبوروندي وكولومبيا والسودان. وكان ليفي في سائر هذه المحطات مسرفا في الاستعراضية، يوثر الظهور والأضواء، ويرسم حول نفسه هالة كارزمية، كان يستعين على تضخيمها ”بنسيج من الصداقات والتواطؤات والشراكات الوسائطية والإعلامية التي تجنبه كل بحث مزعج وتقيه تبعاته”11 . فضلا عن ذلك كان هذا النسيج الوسائطي الأخطبوطي هو الشريك اللا مرئي في صنع برنار هنري ليفي المثقف الظاهرة الذي بلغ ذروة حضوره الكارزمي في “الربيع الليبي”، أي بعد أربعين سنة من “الربيع البنغالي”. فقد ملأت صوره بمعية الثوار الليبيين، صفحات الجرائد والمجلات العربية والدولية، ونجح في تقمص شخصية مالرو الحرب الليبية، بل استطاع أن يجعل من هذه ”الحرب غير المرغوب فيها” 12 التي وضعت فرنسا في نفس الخندق مع الثوار الليبيين الأوديسا الكبرى التي حملت ”الحرية والكرامة والانعتاق إلى شعب ليبيا”. شكل ليفي طوال مائتي يوم من المواجهات العسكرية حلقة وصل بين ساركوزي والثوار، وكان يضع نفسه في منزلة المستشار والداعية، والمبشر بالصباحات القريبة. وبوعي منه أو من غير وعي كان ينظر إلى حرب ليبيا نظرة مالرو إلى الحرب الاسبانية، وشأنه شأن صاحب ”الشرط الإنساني” إلى نفسه ”كناسخ لأحداث العالم، على حد تعبير مبتهج لمالرو بل كند ونظير له”. ولم يكن يصور نفسه ”ككاتب متورط في قلب الربيع الليبي”13 بل كصانع لألقة وآلائه. وبذلك توهم بأنه استطاع أن يجمع في مقام واحد بين إثيقا الاعتقاد وإثيقا المسؤولية وأن يصالح بين طرفي المعادلة الهيجليه الممتنعة : العقل والتاريخ، وأنه نجح في حث ساركوزي على الاضطلاع بصنيع تاريخي عجز ميتران عن الاضطلاع بنظيره في ساراييفو. لقد اعتبر نيكولا ساركوزي القائد الفعلي لحرب التحرير الليبية وصانع ربيع الليبيين المنتظر، فيما اعتبر برنار هنري ليفي حكيم الأوديسا الليبية وكاتب فصولها الملحمية. ”إن الفرنسيين كما يقول ساركوزي على لسان ليفي لم يكونوا بحاجة إلى أحد للقيام بثورثهم سنة 1789” 14 أما الليبيون فكانوا محتاجين في المقابل للإطاحة بطاغيتهم، إلى تغطية جوية فعالة ومحدودة في المكان والزمان، تغطية ضاربة، لا يمكن أن يضطلع بها على نحو ناجع غير ”هذا الرئيس السماوي” الذي شاء مكر التاريخ أن يكون أحد ”الأصدقاء” القدامى للنظام البائد. ومن يقرأ مذكرات برنار هنري ليفى عن هذه ”الحرب غير المرغوب فيها” يجد أن بطلها الحقيقي لم يكن في النهاية غير ”هذا الرئيس السماوي”. على هذا النحو ينمحي الشعب الليبي المنتفض على أوتوقراطية القذافي وعلى طغمته الغاشمة، لتحل محله في صنع صباحات ربيعه الاستثنائي هاتيك الأنا المتعالية المتورمة الميتاتاريخية التي تتجسد ميدانيا في الزوج السعيد : ليفي / ساركوزي. ومرة أخرى، فوق المرة الألف، يبدو الشعب العربي في نظر الغرب كتلة سديمية من الأهالي الذين لا يعون موعدهم مع التاريخ إلا استنادا إلى أجندة تسطرها المراكز الغربية أو اعتمادا على تغطية عسكرية توفرها هذه المراكز. على أن تورم الذات وتضخمها ليس أمرا غريبا على برنار هنري ليفي، بل هو خصيصته وديدنه ومعطبه المزمن. فقد كتب المؤرخ الفرنسي المقتدر بيير نورا منذ سنة 1981 مشددا بقوة على هذا المعطب النرجسي في شخصية برنار هنري ليفي. حيث أكد أن الأنا عند ليفي وإن كانت تنتسب إلى جنيالوجيا رفيعة تمتد إلى ”الطليعة الأدبية والفنية وتمر عبر بروتون ودريوه لا روشيل وتتفتق مع سارتر”15 إلا أن ما يميزها هو أورامها الفائضة وتناقضاتها الصارخة، فضلا عن توسلها بآليات الإنكار والاستنكار والترهيب وجمعها بين لعبة القبضة والذقن. فالأنا عند ليفى هي في تورمها أشبه كما يقول بييرنورا ”بالأنا الدوغولية التي تقترن بالعظمة أو بالأنا الفارغة لنجم استعراضي لم يصنع إلا للاستهلاك الجماهيري”16 وليس بخاف أن هذا الملمح يكاد يشكل السمة الفارقة لجميع أفراد حلقة ”الفلاسفة الجدد” التي كان برنار هنري ليفي لسان حالها وعرابها في المنتصف الثاني من السبعينات. وقد استطاع جيل دولوز بحصافته الفلسفية المشهودة أن يتنبه بشكل باكر إلى خواء ”الفلسفة الجديدة” وإلى طابعها الاستعراضي الفج والمسطح. إذ أكد أن فكر الفلاسفة الجدد ”هو فكر باطل” ومرد بطلانه وعجزه هو ”أنهم يصدرون أولا كما يقول دولوز عن مفاهيم ضخمة، ضخامة أسنان منخورة، وذلك من قبيل مفهوم الناموس والسلطة والسيد، والعالم والثورة والإيمان إلخ وبمقدورهم أن يصنعوا منها مزيجا مثيرا للسخرية أو أزواجا ثنائية مختصرة كالزوج الناموس/ المتمرد، السلطة / الملاك. وفي ذات الآن، بقدرما يبدو المحتوى الفكري ضامرا وهزيلا بقدر ما يأخذ شخص المفكر أهمية أو بقدر ما تعير الذات المتلفظة لذاتها أهمية بالنظر إلى الملفوظات الفارغة”17.

1.« oui, je suis de», Entretien ave Bernard Henri levy, le nouvel Observateur, Du 15 au 21 Fev, N°2206, 2007- p12
2.I bid
3.I bid
4.I bid
5.Bernard – Henri lévy, la Barbarie a visage humain, Grasset ,1977.
6.Opcit p.20
7.« Quelle? » B.H. levy, magazine littéraire, N°225, Decembre 1985, p61.
8.BHL, la Barbarie, opcit, avant – propos.
9.Ibid
10. Opcit, p224
11. « le cas» par jean Francçais Kahn, Mariane /15-21 Janv, 2005,p18
12. B.H. lévy, la Guerre sans l’aimer, Journal d’un écrivain un cœur du printemps libyen, Grasset, 2011.
13. Opcit
14. Jeudi 10 Mars (quand la France reconnaît la libye libre), opcit,
15. Pierre Nora, Historien public, Gallimard, 2011,p181.
16. Ibid.
17. Gilles Deleuze, Deux régimes de fous, Textes et Entretiens, 1975-1995, Ed de Minuit, 2003,p127.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر لدى إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: