التحكم في المعلومات ورهانات السياسة في عصر التقنية في الدعاية والدعاية المضادة

People use computers at an internet cafe in Changzhi

لم يعدم الإنسان جهدا عبر التاريخ لخوض غمار التحكم في المعلومات والسيطرة عليها، بحيث كانت دائما محط اهتمام وانشغال طبيعي للعسكريين والحاكمين منذ زمن طويل. إذ تكفي الإشارة إلى كتابات المؤرخ الكبير هيرودوت لكي تتضح لنا الصورة جيدا عما عرفه فجر التاريخ من محاولات اليونان والفرس في القرن الخامس قبل الميلاد اتخاذها وسيلة من الوسائل الهامة في الصراع بينهما. ثم نجد نفس الاهتمام أو يزيد عند كبار مؤسسي فنون الحرب وعلم الاستراتيجيات والتخطيط الميداني كالصيني سان تزو في كتابه الشهير: <<فن الحرب>> وكبار الاستراتيجيين الذين جاءوا من بعده كنيكولا ماكيافيل والبارون كارل فون كلاوستوفيز، وما تلاه من بعدهم جوزيف غوبلز أحد كبار منظري النازية أو زعيم ثورة أكتوبر لينين الذي حاز شهرة كبيرة في ابتكار تقنيات الرد والرد المضاد الإعلامية.

controleinfo

وبإيجاز شديد إن هذا الاهتمام ليس جديدا، لكن الجديد بالفعل، هو وجود هذا الكم الهائل من المعلومات المتاحة عبر تقنيات عالم الاتصال والتواصل الجديدة بثمن زهيد، زادتها أهمية الوضع الجيوسياسي العالمي الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفياتي منذ خمسة عشر سنة خلت وانفراد الولايات المتحدة الأمريكية بالقرار العالمي. لذلك إن الربط بين هذين العنصرين بالذات ليس من قبيل الإشارة التاريخية، بل لأنه يحوي أهمية كبيرة يجب الوقوف عليها والأخذ بعلاتها وأسبابها، كما توضيح مقاصدها والرهانات المرتبطة بها حاليا.
غني عن التعريف أن الإعلام إذا كان يقوم بدور نقل المعرفة وتيسير التبادل الثقافي والتجاري كما نعلم، فإنه في ذات الوقت سلاح ذو أهمية كبرى في مجالات

الدعاية والدعاية المضادة و خوض غمار التنافس الاقتصادي و الصراع العسكري. وغير خاف إن رهانات التحكم بالإعلام هو أحد رهانات السلطة السياسية التي تهم رجالاتها في كل من المجالات الاقتصادية والسياسية والعسكرية على حد سواء. وذلك بغرض خدمة سياسة دون أخرى.
وبإيجاز شديد، إن الرجوع إلى آخر ما كتبه ألفين وهيدي توفلر في<< الحرب والحرب المضادة>> سيتضح فهم سر هذا التغيير في اهتمامات السياسي في عصر التقنية وتركيزه على الإعلام ووسائله المتعددة من الوسائط الجديدة. إذ من المعلوم أنه إذا << كانت الأرض والعمل والمواد الأولية والرأسمال بمثابة “عوامل أساسية للإنتاج” في اقتصاد الموجة الثانية الماضية، فالمعرفة بالمعنى العام الذي يدمج بين المعطيات والأخبار والصور والرموز والثقافة والأيديولوجيا والقيم، بمثابة العامل المركزي في اقتصاد الموجة الثالثة… فما جعل اقتصاد الموجة الثانية ثوري بحق، هو أن الأرض والعمل والمواد الأولية وحتى الرأسمال موارد منتهية ومعرضة للنضوب، في حين إن المعرفة لا تنضب افتراضيا>>. ومن ثم إن استخدام تقنيات التواصل الجديدة في الميدان العسكري وفي جميع المجالات قاطبة، يعد لا محالة << مقدم شكل جديد لحرب ستعكس بأمانة شكلا جديدا ل” خلق الثروات”>> كذلك.

هذا في الوقت الذي أجمع فيه المحللون على أهمية الإعلام والأسلحة الذكية في الألفية الثالثة، نجد أن ما وقع ويقع بعد العديد من التدخلات العسكرية الحالية، يمكن اعتباره أبلغ تجسيد لما ذهب إليه ألفين وتوفلر لما يمكن أن يلعبه الإعلام ووسائل التدمير المعاصرة من دور كبير في تسويغ التدخل العسكري,
والحال إن أهمية الإعلام اليوم تكمن في ارتباطه برهانات تقنية وسياسية، لم يعدم خطاب الرئيس الأمريكي بيل كلينتون في ماي ـ إيار ـ 1998 الإشارة إليها عبر رصده لثلاثة أخطار كبيرة يراها تهدد الولايات المتحدة الأمريكية في الصميم: الأول منها يمس البنية التحتية الإعلامية (national information infrastructure)، بحيث إن هذه البنية التحتية تضم مجموع شبكات التواصل المرتبطة وظيفيا بمجمل الأنشطة الحية للاقتصاد والمؤسسات الوطنية.
والواقع أن الأمر يتعلق بداية بأنظمة الإعلام المستعملة لتدبير كبار قطاعات الخدمات العمومية ذوات الأهمية الكبرى والحساسة ( قطاع الأمن الوطني، أمن الفضاء الجوي، وتوزيع الطاقة والموارد الطبيعية كالماء، ثم قطاع النقل، والتجارة التي تعد عصب القطاع الاقتصادي). غير أن هذه الأخطار لا تتوقف عند القطاع العمومي على سبيل الحصر، بل تتعداه إلى القطاع الخاص الذي ينهض بتدبير آداءات البطاقات البنكية الممغنطة والعديد من حلقات الإنتاج الصناعية. الأمر الذي يعرض الحياة اليومية للمواطنين إلى الخطر والعصف بها جملة وتفصيلا بسبب اللجوء المستمر والمتزايد إلى استعمال تقنيات الإعلام والربط الحاصل بين العديد من الشبكات المعلوماتية.
وهو ما يعتبره المراقبون كناية عن مفارقة هامة، ففي القوت الذي تزداد فيه استعمال الأنظمة المعلوماتية في جميع المجالات، ثمة تزايد في هشاشة البنية التحتية للتكنولوجيا المعلوماتية الوطنية وارتفاع معدل خطر الاعتداء عليها من قبل معتدين محتملين في المستقبل، لأن تكاليف عمليات حرب معلوماتية أرخص بكثير ولا تتطلب أكثر من الحصول على حواسيب وربطها بالشبكة فقط. مما يخلق بالتأكيد الحاجة إلى سوق أمنية مختصة حددت تكاليفها في مليار دولار، يقع على عاتقها مطاردة العابثين ومجرمي الشبكة الإلكترونية. بيد أن هذا القطاع ما زال فتيا وقد يتساوى فيه المجرمون وشرطة الشبكة في الكفاءة على نحو سواء.
ماذا يعني رهان التحكم في المعلومات؟
إجمالا، يشمل ذلك عدة عناصر أساسية: الحصول على المعلومة ومعالجتها والتحقق من صلاحيتها بالنسبة لهذا السياق أو ذاك. ثم مقارنتها بأخرى ومن زوايا مختلفة وهكذا دواليك. ثم على غرار ذلك، ينبغي القيام بتحليل يتوجه إلى برمجة فعل بعينه وتنفيذه على الوجه الأكمل، كما في الأخير الاهتمام بكل ما يمكن أن يغني المعرفة النظرية أو التطبيقية، بخاصة التعرف على الوضع عن كثب ونية ووسائل الفاعلين الآخرين في مجال فعله ودائرة اهتمامهم سواء كانوا أعداء أو خصوما.
والواقع، يعد وضع موضع التنفيذ لهذه العناصر الأساسية بمثابة الأبجدية الأولى الموضوعة في أقسام المعاهد والمراكز الاستراتيجية المهتمة بالدعاية الإعلامية داخل فضاء معين لتغيير وتكييف وجهة نظر الرأي العام أو لتأليب الوضع على قيادات سياسية بعينها أو إحلال الفوضى والإخلال بالأمن. ناهيك عن استعمالات أخرى، ليس هنا المجال لذكرها.
وبالتالي يمكن أن نضيف إلى هذه العناصر ما يمكن أن يدخل أيضا في باب رهان التحكم في المعلومات، أي ما يتعلق باتخاذ الحيطة والحفاظ على أمن المعلومات التي لا يراد لها أن تشاع ولا أن يحصل عليها الآخر، بما فيها تلك التي تتعلق بحماية معلومات الأخبار الحساسة التي يراد لها أن لا تتسرب أو التي يراد لها أحيانا أن تتسرب في وقت معلوم.
مؤدى ذلك البحث عن تأثير ما داخل أوساط معينة، سواء عبر نشر ملفات، منشورات، تقارير أو إشاعات…، بخاصة عندما يكون الهدف إعداد استراتيجية تأثير بإغراء فاعلين، على نحو ما يقع تماما في وصلات العرض الإشهاري بغرض الدعاية أو اللجوء إلى الضغط ولوي الأيدي. ثم لما لا التدخل المقصود بالتحريف والتضليل والتوجيه الذي يطال المعلومات عن بعد أحيانا أخرى.
ومن ثم إن التحكم في المعلومات يجب أن يستبق ويصاحب كل الظروف والملابسات ويطال جميع مستويات المسؤولية وعمليات اتخاذ القرار التي يمكن حصرها في الكلمات التالية المشهورة: المعرفة، الإرادة والسلطة. أما إذا أردنا أن نستفيض فيما يعنيه التحكم في المعلومات يجب ذكر العناصر التالية:
- يعني ذلك حيازة وتدبير المعلومات في فضاءات حية ووسط مجموعات بشرية وبنيوية للحصول على المعلومة الأكثر دقة حول الوضعية المرصودة.
- فهم حسن للوضعية والمحيط واستشراف آفاق التطورات الممكنة داخل هذا الفضاء.
- القدرة على إيقاف استراتيجية ما أو مناورة ما بسرعة قياسية.
- الأخذ بعين الاعتبار خطر المجازفة الإعلامية واتخاذ تدابير الحماية أو دفع الأخطار الناجمة عن ذلكن بخاصة منها تلك التي لا نريد لها أن تقع.
- القيام بأفعال في فضاء فيزيائي ـ حي ـ توحي وتوهم بوقوع حدث بعينه، كما القيام بالتعليق عليه من قبل متخصصين يتقمصون أدوارا مقصودة وحركات بعينها سواء بالكتابة أو الصورة للتأثير في لا وعي المواطن ـ القارئ أو المشاهد أو السامع ـ.
- تقديم معنى باستعمال ما يسمى بالتواصل العملي والتواصل الإعلامي عن طريق الاستيحاءات النفسية إذا ما دعت الضرورة لذلك.
ولكي يتم تحقيق هذا التحكم يجب تطوير القدرات التالية:
- جمع المعلومات التي تتيح فهم الوضعية.
- قيادة تحلل هذه المعلومات وتفرز المعطيات على ضوء استعمال أنظمة الإعلام والتواصل الحديثة.
- تحديد مجال الفعل في فضاءات فيزيائية معينة.
- تحديد مجال الفعل في الحقول النفسية وغير المادية، بما فيه الرمزية والثقافية.
- وفي جميع هذه المجالات، يجب التوفر على كادر يستوعب بسرعة جميع التطورات التقنية الحاصلة في مجال الإلكتروني والمعلوماتي على أعلى المستويات.
ويمكن القول إن التحكم في المعلومات يجب أن يميز في أهدافه بحسب المستوى الاستراتيجي أو العملي. فالمستوى الاستراتيجي يعني:
- ضمان البحث عن المعلومة ذات المنفعة الكبرى لإعداد الاستراتيجية المطلوبة والقرار المناسب.
- وضع استراتيجية تأثير تتوفر على وسائل تسمح بكسب سبق المبادرة، كما القدرة على اصطناع حالة وأحداث أو وقائع أو حتى القيام بأدوار وبطريقة معينة، ما يعني القدرة على المناورة.
- تنظيم سليم لشبكات المعلومات والتوفر على وسائل مستقلة ذاتية في الميدان السمعي البصري.
- حماية المعلومات عبر التمكن من آليات التشفير وفك نظمها.
- والأهم من ذلك كله القدرة على معالجة وتسخير المعلومات في وقت قياسي.
أما المستوى العملي يخص الأمر القيام بأعمال وأفعال من أجل تسويغ وتنميط أو تكييف وتصريف أخبار بعينها، سواء كان الهدف من أجل دعم حلفاء وأصدقاء، أو اتقاء لمعلومات الخصوم والأعداء. وذلك بإعداد آليات إعلامية مضادة على الدوام وباستمرار. فما يهم في الجانب العملي في الحرب الإعلامية هي العناصر التالية:
- المعلومات والاستعلامات
- الحرب الإلكترونية التي يمكن أن تدمر أو تشوش أو تعطل أو تغير إشارات الأوامر المحمولة سواء عبر وسائل الاتصال والتواصل من جهة أو وسائل الالتقاط ( رادار، نظم التوجيه) من جهة أخرى.
- قرصنة الوسائل المعلوماتية عبر التسرب إلى الحواسيب وتغيير آليات اشتغالها أو تعطيلها وتدمير ما بها أو تحييدها كليا.
- التدمير المباشر لمراكز القيادة ووسائل الربط الميداني على مسرح العمليات بين القيادة والقاعدة.
- القيام بعمليات نفسية عبر وسائل الإعلام للتأثير على السكان، سواء بغرض تحطيم معنوياتهم أو إثارة القلق بينهم أو تأليبهم على بعضهم البعض.
عموما يتطلب العنصر الأول المتعلق بالمعلومات، مجال اتخاذ القرار المناسب من قبل قيادة تبحث عن ضمان التفوق في ضبط التصور والسلوك المصاحب للمناورة. لذلك يجب تنظيم وظيفة تصريف أوامر وقرارات القيادة عبر وسائل الإعلام والتواصل المتنوعة والمؤثرة، كما التحكم في استعمالها بواسطة كفاءات مدربة يجب حمايتها وحماية معداتها ووسائل عملها.
بالمقابل يجب أن تصاب قيادة الخصم في الصميم وتعطيل آليات التنسيق بينها وبين مرافقها عبر التشويش عليها إلكترونيا وشل أجهزتها. ثم تحطيم معنوياتها بالحرب النفسية والإعلامية المضادة لشلها قدرتها على التفكير والتخطيط وتصحيح ردها، كما وقع مع النظام العراقي تماما.
ومن ثم إن ما يدخل في باب المعلومات والتجسس عليها ( الجمع، الإحصاء، التبويب…) يمكن إدراجه في حلقة دائرية قوامها:
- يتعلق الأمر بتحديد وتبويب ووضع هيكلة تراتبية للمعلومات الضرورية.
- بحث تجميع المعلومات الموجودة إلى جانب القيام بجلب معلومات إضافية تعززها أو تفندها.
- عدم الاستهانة بأية معلومة والعمل على حسن استغلالها.
- نشر المعلومات بين الأجهزة المختصة بالوضوح الكافي الذي يمنع حصول تأويلات متناقضة بينها.
وهو ما يقربنا مما يجري عمليا في الاستعلام العسكري:
- جمع المعلومات الميدانية وتوثيقها وتوليفها وتبويبها وقت زمن السلم بغرض تأمين بنك للمعلومات والمعارف التي يمكن أن يكون لها تأثير ما في أية عمليات محتملة مستقبلا.
- الحصول على المعلومات من عين المكان، ما يلقي الضوء على حدث أو وقائع عبر رؤية تلقائية وذو مصداقية للوضع كما هو.
- تواتر الاستعلامات في الزمن والمكان، بما يكفل للمعلومات التحيين الفوري، ما يضمن التوازن المطلوب في تكاليف العمليات والموازنة بشكل دقيق بين الوسائل الضرورية لتجنب الدفع بوسائل أكبر من الهدف نفسه ضمانا للنجاعة وسرعة التحرك المطلوبة.
الحـــــرب الإلكترونيـــــــة
ظهر هذا المجال حديثا في تاريخ البشرية، بحيث شمل وسائل التقاط إلكتروإشعاعية (والمغناطيسية) ومحطات مسح أرضي تعتمد وسائل تواصلية بصرية تضعك في قلب ما يحدث سواء ليلا أو نهارا. بحيث تعد قمة ما وصلت إليه تقنيات الرصد الحديثة حاليا، إذ لم يعد الصراع في هذا الباب مقتصرا على المواجهة المباشرة كما كان الأمر يقع بين السيوف والرماح. فالأمر تطور بفعل التقدم التكنولوجي ليصبح الأمر يتعلق بالهيمنة على وسائط تؤمن المسح الأرضي وتفيد بمعلومات تؤمن لصاحبها حرية الحركة والمباغتة والضرب من بعيد جدا.
ومن ثم وضعت هذه الوسائل الإلكتروإشعاعية بغاية التقاط ورصد أي مصدر صوتي أو إشعاعي(فضلا عن رصد تحركات أو إرساليات في شكل موجات) من خلال توفير المعلومة عنه كيفما كان مصدره ومن أي اتجاه جاء، بحيث يكشف مساره ووجهته وأهدافه. بل أن الأمر وصل اليوم إلى تحييد أنظمة سلاح الخصم، وهي ما زالت قابعة فوق ترابها. المهم إن تدابير الوسائل الإلكتروإشعاعية المضادة تتراوح في العموم بين توظيفها في مجال الهجوم والدفاع على حد سواء. فضلا عن ذلك تؤمن تدابير الحماية الإلكتروإشعاعية حماية الفضاء الجغرافي من محاولة التنصت والتشويش وتعطيل الأنظمة الدفاعية أو التسلل إليها، بيد أن يجمع بينهما استعمال الشفرة وأنظمة التشفير في المجالين.
عموما إن الحرب الإلكترونية هي اقتحام لمواقع وحصون الخصم قبل وقوع الحرب بالمعنى التقليدي، بحيث تتطلب تنسيقا مركزيا بسبب التقاطعات الممكنة للرصد والالتقاط والتنسيق من مسافات جد بعيدة. وذلك قبل حدوث أية أفعال على مسرح العمليات. غير أن وسائل إعدادها تقوم على اللا مركزية، لأنها مبثوثة هنا وهناك. كما أنها قواعد معطياتها لا يتم جمع معلوماتها من مصدر وحيد ومكان أوحد. كما أنها تتطلب التقاطا ورصدا باستمرار للمعطيات عبر وسائل التقاط عديدة ومتنوعة ومختلفة.
وما يحدث حاليا في مجال التواصل المعاصر ينذر بتوسيع طيف البث واستعمال جملة من التقنيات الخاصة المضادة للرصد وأنظمة التشويش المضادة، كما الزيادة في نوعية وتعدد أشكال التقاط الصوت والرقمنة المتزايدة للمعلومات، ناهيك عن تعميم الشفرة والتطور الحاصل في البث عبر الفضائيات والأقمار الاصطناعية كلها عناصر جديدة دخلت ميدان الاتصال والتواصل حري بنا الالتفات إلى أهميتها وتعقيداتها.
وما نتوخى الإشارة إليه، هو طبيعة التطورات المقبلة، لأن تطور أجهزة السمع والبث والالتقاط والتوزيع والإعلام وتحليل الإشارات سيجعل الأمور أكثر تعقيدا، إن لم يكن من المستحيل على الدول المتخلفة معرفة ما يجري بالكامل أو امتلاك وسائل ضبطها. فبالإضافة إلى الأمية الأبجدية المتفشية ستحل الأمية الرقمية بامتياز.
ومهما يكن، إن توسيع مجال البث عبر الرادار وأنظمة التوجيه عبر الموجات المتوسطة و الطويلة لتسهيل التعرف على الأهداف السرية أو غير المصرح بها جاري به العمل، من خلال استعمال المسح الإلكتروني الفضائي واستعمال الذبذبات الصغيرة لرصد كل ما يتحرك أو يصدر أصواتا بما فيها همهمات التي تعج بها شبكات التلفون النقال.
ولا يمكن أن نغفل في هذا الباب المنافسة الشرسة بين رؤيتين للحرب الإلكترونية، أي تلك الحرب المستقبلية التي يجري إعدادها بوسائل جد متطورة تقوم على أسلحة ذكية تعتمد منظومات هندسية ومعلوماتية في نفس الوقت. فالقوى العظمى تسعى إلى الهيمنة كليا على وسائل هذا السلاح الذكي، بسيطرتها المطلقة على أنظمة الاتصال والتواصل. ثم عبر حجبها بالكامل الأسلحة الذكية من أسواق شراء الأسلحة. ناهيك منع انتقال تقنياتها إلى الخارج، كما حدث طويلا من احتكار لصنع القنبلة النووية طويلا قبل أن تستطيع دول أخرى صنعها، إلا أن هذا المجال ينذر بمنافسة شديدة في الوقت الحالي، بخاصة مع مجموعة طاليس الفرنسية التي تعد الأول من نوعها على المستوى الأوروبي والثالث عالميا، بحيث إن إعلان فرنسا ببيع أسلحة إلكترونية ـ ما يسمى بالأسلحة الذكية ـ كما تم التصريح به، إشارة سياسية بالغة الأهمية لأن كسر الاحتكار في هذا الباب بالذات هو ربما من سيسمح بضبط السلم العالمي دوليا ويمنع انفراد قوى عظمى بإملاء قراراتها على المجتمع الدولي قسريا واعتباطيا.
والحال، إن الحرب الإلكترونية والأمن العالمي متداخلان في الألفية الثالثة، لأن التحوط من الحرب المعلوماتية لا يشمل فقط الحماية من الصواريخ عابرة القارات وأنظمة التدمير الشاملة ووسائل الاختراق والتشويش والشل العسكري، بل يشمل أيضا عدم المس بأنظمة الحواسيب والجذاذيات ومضامينها وركائزها، لأن هذا المجال كما نعلم لا يتضمن حدودا فاصلة بين ما هو مدني وما هو عسكري.
لذلك فالاعتداء على المعدات المعلوماتية وتخريبها هو تخريب للمحيط الإنساني بأكمله. بخاصة بعد أن ثبت على المستوى العسكري أنه من المحقق اليوم أن استعمال أسلحة عالية الطاقة موجهة بذبذبات الراديو(High Energy Radio Frequency) قادرة على توجيه موجات راديو عالية القوة حول أي هدف ألكتروني، بحيث يمكن تعطيله في الحال. أما القنابل (Electro magnetic Pulse Transformer) التي تشتغل بالدفع الإلكتروإشعاعي المتحول سواء عن طريق الانشطار النووي أم لا، بإمكانها تخريب أية مكونات إلكترونية لأي حاسوب أو نظام ألكتروني. ومن ثم يصبح القيام بتخريب ركائز البث والخيوط الكهربائية والتلفونية تحصيل حاصل، لن يفيد أحد إنكاره. ما يدمر أهداف مدنية بالضرورة، بخاصة منها تعطيل الحواسيب في المستشفيات والإدارات وما بها من مضامين وبطائق ومعلومات ( بمجرد إصابة الأنظمة الكهربائية أو تعطيل أجهزة التكييف…).
والواقع إن حماية الأنظمة المعلوماتية يشمل حماية اتصالاتها من التشويش والفيروسات الإلكترونية، كما تأمين أنظمتها المعلوماتية من الاختراق والعبث. فما يذكر في هذا الباب، إن الأمن المعلوماتي يجب النظر إليه من خلال تقييم مواطن الضعف والهشاشة فيه من جهة، كما ما يتعلق بغموض أو قابلية أنظمته للاختراق من جهة أخرى.
وبالتالي إن تقييم مواطن الضعف إذا وضعنا جانبا الأخطاء الإنسانية الطبيعية ( برمجة، وسوء التصرف…)، فإن موطن الداء في هذا المستوى يخص كلمات السر وإجراءات التشفير وبروتوكولات التبادل بين الحواسيب والأنظمة المعلوماتية وخدمات الصبيب العالي والخدمات المتعلقة بالشبكات ذاتها.
علاوة على ذلك إن مكونات الحاسوب في حد ذاتها لا تمتاز بالصلابة، فهي جد دقيقة. مما يجعل أي تشويش إلكتروإشعاعي وإواليات التسجيل للمحتويات والتنصت عن بعد ممكن جدا، كما إن التدخل في عناصر الأنظمة المكونة له وتعطيلها شيئ وارد تماما. أما يتعلق بغموض الأنظمة المعلوماتية، فالجانب المهم فيه هو مسألة التشفير التي وضعت بغاية حماية سرية الإرساليات ومضامينها على نحو لا يمكن لأحد أن يتسلل إليها. غير إن نظام التشفير قابل في حد ذاته للاختراق ولم يثبت نظامه مطلقا منذ اكتشاف الحاسوب. هذا على الرغم من أن العازل الناري (fire-wall) هو بالفعل النظام الفعال اليوم لكي يحول واختراق الحواسيب والشبكات، بحيث ثبت فعالية أنظمته لمراقبة انسياب الطرق السيارة بين شبكة محلية والشبكات غير المؤمنة ( الأنترنت…) مثلا. ومن ثم إن أهمية العازل الناري لا تنكر، لكنها غير كافية في الأمد المتوسط والطويل.
وفي الأخير، إن حماية أنظمة الاتصال (بما فيها شبكات الاتصال السلكية واللاسلكية) والتواصل يشمل سرية المعلومات وعدم المس بسلامة مكوناتها الإلكترونية، ناهيك عن استمرار أحقية الحصول على المعلومات بكل حرية ووصولها وقت إعدادها. فكلها إنجازات بشرية يجب الحفاظ عليها للجميع مستقبلا في عالم يتوجه نحو المجهول.
ولا يخفى إن مجتمع الإعلام في الألفية الثالثة دشن معترك الدمج والمطابقة بين تقنيات إلكترونية ومعلوماتية وتواصلية بصرية في نفس الوقت، بحيث يسر هذا الدمج الربط بين مختلف الشبكات ويتوجه حثيثا إلى الجمع بين وسائط الاتصال والصورة. غير إن ما ينسحب على وسائل الاتصال السمعي البصري المدنية، ينسحب أيضا على أنظمة التواصل العسكرية والاستراتيجية والتكتيكية التي يستعملها القطاع العسكري. لذلك إن البحث المحموم عن صيغ دخول بسيطة وكونية في هذا العالم التكنولوجي الجديد، يساعد للمفارقة على تنامي أخطار مهاجمة شبكات التواصل والأنظمة الإعلامية التي تستعمل هذه التقنيات. مما يهدد حرية المواطنين ويضعف الدولة نفسها.
وفي الختام يبقى تدارك الخلل الحاصل ضرورة ملحة، لاسيما بعد أن عمدت العديد من الدول إلى التجسس على مواطنيها والحصول على بنوك المعطيات والمعلومات بدون حسيب أو رقيب وخارج إشراف السلطات القضائية، لذلك يظل التوازن مطلوبا بين الحاجيات الأمنية والحرية المدنية والعامة قضية محورية وجوهرية في ذات الوقت.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: