في نقد الحاجة إلى برنار هنري ليفي (تتمة)

Nicolas Sarkozy en Libye

إن فكر ليفي ورفقته من ”الفلاسفة الجدد” ليس حسب دولوز غير جعجعة لفظية يرسلها أشخاص شديدو الصلف والاعتداد فيما تظل ملفوظاتهم ومفاهيمهم بالغة التقعر والخواء. والوظيفة الوحيدة التي يجيدها برنار هنري ليفي وشيعته ”هي وظيفة الهجوم والرد والرد على الرد”18 ولئن كانت الفلسفة في حقيقتها هي خلق للمفاهيم وإبداع لكيانات وشخوص وحقول مفاهيمية فإن ليفي وأفراد وحلقته ليسوا بالقطع فلاسفة، لأنهم في النهاية لا يجيدون، في النهاية، غير لوك مفاهيم مدخولة وغرارة بان. إذ لا يكتفي برنار هنري ليفي بلوك هذا النحو من المفاهيم المدخولة وبالانتشاء النرجسي واعتبار نفسه نموذج المثقف الكوني الذي يعانق القضايا الإنسانية النبيلة، بل يحيط نفسه فوق ذلك ببطانة إعلامية نافذة، ويستقوي على خصومة ونقاده بنسيج من العلاقات والأحلاف والولاءات تضم رجالات المال والسياسة والأعمال والإعلام والصحافة. ولا يتوانى ليفي، والحال هذه، عن ممارسة السسفسطة والتشغيب وتغليط الرأي العام. ”ولا يكف، كما يقول فيليب كون، عن زرع عشرات عشرات أشباه الحقائق أو أضدادها”19 يتغيا من ورائها تضخيم صورته لدى القارئ وأسطرتها وتنصيب نفسه مثالا للمثقف الكوني أو الأكثر شعبية في العالم والأكثر ممانعة للأنظمة الكليانية، ومرافعة عن جيوب القهر والعسف كيفما كانت وحيثما وجدت. يريد برنار هنري ليفي أن يتموضع ”في قلب العالم”20 كما قال ماثوران موغارلون بحق عن جان بول سارتر. إلا أن ليفي يريد أن يتموضع في قلب العالم بحق القوة. لأن ديدنه هو التلبيس والتغليط والتزييف.
إنه كما يقول باسكال بونيفاس، أشد المثقفين الفرنسيين نزوعا إلى تزييف الحقائق، وأكثرهم ميلا إلى الكذب والتخريص ومصادرة حق الاعتراض والمصادرة على المطلوب. يقول بونيفاس : ”يظهر برنار هنري ليفي بمظهر المثقف الذي ينير وعي الجمهور في حين أنه مزيف للحقائق. كما يظهر بمظهر شخص ملتزم بعمق من أجل الدفاع عن الأخلاق، في حين أنه عنوان على النزعة الكلبية بعينها، ويظهر بلبوس المنافح عن الحرية من غير تساهل في حين أنه ماكارثي متشدد”21 يتوسل بالأخلاق كيما يصيبها في مقتل، ويتعهد بقول الحقيقة لينأى عنها، ويرفع ببرق الحرية لكي يسحقها ويعمل على مصادرتها وتكميمها. ولا يتبدى في جملة من إلتزاماته السياسية ومعاركه إلا كشخص مدع، أو كشعبوي مأفون أو كدجال في لبوس معمدان. يصنع من حروب ”الآخرين” بطولة شخصية واهمة، ويجعل من مآسيهم أوديسا شائهة، ولا يتورع عن تأجيج المواجهات الدامية باسم إثيقا المسؤولية. ”إن تقديم برنار هنري ليفي، بوصفه مدافعا لا يكل عن الحريات هو على حد قول بونيفاس مجرد تضليل ودجل. إنه عبارة عن مثقف ماكارثي يسعى بكل الوسائل إلى تكميم أفواه أولئك الذين يخالفونه الرأي وإلى العمل على إقصائهم من المجال العمومي”22. فلا أحد ممن له دراية بتجاذبات المشهد الثقافي الفرنسي الراهن يعتبره قامة فكرية ذات مصداقية إثيقية، إنما يعتبر عنوانا بليغا على ”الطغيان الثقافي” كما أنه ”لا أحد قد أضر بالحياة الثقافية، وأساء إلى النقاش الديمقراطي أكثر من برنار هنري ليفي”23 وخطورته تتمثل في تنفذه في النسيج الوسائطي الفرنسي. فمعلوم أنه يشغل منصب رئيس مجلس مراقبة برامج قناة أرتي Arte” وله أسهم وازنة بجريدة ليبراسيون، ويكتب في عمود بجريدة لوموند كما يساهم في كتابة مذكراته بالمجلة الأسبوعية لوبوان، فضلا عن علاقاته الوثيقة بمكونات الإعلام المرئي والمسموع في فرنسا. ولأن برنار ليفى كما يقول بيير نورا هو ”كاتب يستخف بالوقائع” فإنه يجيز لنفسه أن يختلقها على نحو يشبع غريزته النرجسية في الظهور، من غير أن ينشغل بمصداقيتها أو مطابقتها للواقع. إنه لا يعير اهتماما لشيء عدا ”الظهور في الواجهة بسرعة فائقة وعلى نحو نرجسي وعدا التوسل بالكذب باعتباره الفن الثامن في نظره”. يدعي ليفي الدفاع عن ”القيم الكونية، في حين أنه صهيوني طائفي24. ويطالب اليوم بتدخل عسكري ضارب ينهي محنة الشعب السوري مع طغمة الأسد، إلا أنه لا يطالب، بالمثل، ضد الغزو الإسرائيلي، ولا يقوم بذلك من أجل صالح سوريا الحرة أو من أجل مستقبل بنائها الديموقراطي المأمول، بل من أجل نوازع شخصية، ما من شك أنها تقتات على عقيدته الصهيونية المتطرفة، وعلى الأجندة الاستعمارية التي ينهض بها.
إن خطاب ليفي الفكري والسياسي يقوم كما يؤكد ذلك جيل دولوز على ثنائيات هشة ومثيرة للسخرية، تجعله ينجر دوما إلى تناقضات لا حد لها، من قبيل التناقض الصارخ بين كونيته المزعومة وبين قناعته الصهيونية اللامشروطة. بل إنه يوغل في الدفاع عن قناعته هذه، إلى حد اتهام معارضيه بمناهضة السامية أو بالإسلامية الفاشية :
* فمناهضة السامية هي تهمة أو سبة يشهرها هنري ليفي في جميع مساجلاته السياسية، ويتوسل بها ”للحط من شأن كل من يخالفه الرأي أو لصرفه عن مواقفه” كما يستعملها كأداة بوليميكية في دفاعه المطلق عن اسرائيل وعن سياستها العدوانية في غزة ولبنان.
* أما ”الفاشية الإسلامية” فهي مركب لفظي لقيط أطلقه أول مرة الرئيس الأمريكي السابق جورج بوش- في خطاب له يوم السابع من غشت (أغسطس) سنة 2006- على ”ذلك النسيج العالمي الذي يتشكل من حركات جذرية إسلامية” توظف الإرهاب كسلاح لفرض ”إيديولوجيتها الكليانية”. وبالرغم من أن هذا التعبير عار من كل ملمح موضوعي، إلا أن ليفي يتلقفه لينعت به الأصولية الاسلامية، مؤكدا على أنه تعبير ”مفيد بالنظر إلى حمولته العاطفية. إذ يسمح بتأجيج الخوف عبر ترسيخ فكرة مؤداها أن الغرب شرع في مواجهة نحو جديد من الفاشية ووجوها هتلرية جديدة”25 وعبر الفصل بين ضربين من الإسلام ”إسلام يتساهل مع الفاشية واسلام يتحلل من ربقتها”26، أو إسلام فاشي يتعين استئصال شأفته وإسلام محصن ضد الفكر الفاشيستي. غير أن برنار هنري ليفي لا يلصق سبتي معاداة السامية والفاشية الإسلامية بخصومه الإسلاميين فحسب، بل يصم بهما خصومه اليساريين أيضا، وبخاصة أولئك الذين يتجاسرون في رأيه، على شجب العدوان الإسرائيلي، ونقد مرجعيته العقدية الصهيونية. وعلى هذا النحو يعيش برنار ليفي تجربة شقاء الوعي التي خبرها جان بول سارتر من قبله والتي يضطلع بها كل مثقف غربي ينشطر بين ”المسألة اليهودية” وبين ”المسألة الإنسانية” في كليتها. إلا أن ليفي يعيش تناقضات الوعي الشقي وتمزقاته بصورة أقل تراجيدية. يتمزق وعي برنار هنري ليفي وينشطر بين النداء الكوني الإنساني وبين الانتماء اليهودي، بين وازع الذات وجرحها النرجسي بين وجود الآخر وحقه في المغايرة بين إملاءات الواقع وداعي المصلحة، وبين صوت الحق ومشروعيته، بين ”الدموع” التي يذرفها على مآلات الشعوب المقهورة ومصائرها التاريخية وبين خفقة الخوف على مستقبل اسرائيل ومصالحها العليا. ولا يتواني ليفي شأنه شأن سارتر وسواه عن القول بأن كل ضرب من ضروب ”معاداة السامية هو ترتيب لموت اليهودي”27 وتحضير لطقوس إلغائه واستئصاله، كما أنه لا يتردد في الدفاع عن اسرائيل وسياسة حكوماتها ليس فحسب بوصفها ”عقوبة حكم بها الغرب على الفلسطنيين” لكي يفتدي خطاياه الفاشية، بل باعتبارها المحك والفيصل المائز بين الكائن والممكن وبين المشروعية وضدها، فما كان برأيه ضد اسرائيل فهو شركله وبلا منازع، وما كان من أجل اسرائيل فهو خير كله وبلا مرافع، وفي دفاعه عن اسرئيل يضع هنري ليفي قوة الحق وحق القوة في صعيد واحد، ويسوغ العدوان وتبعاته ويجهض إرهاصات ”الربيع” الفلسطيني لفائدة لغة النار والدمار التي يجيدها جنرالات اسرائيل. لقد كتب سارتر في نهاية الستينات قائلا بأنه ”صديق للمعسكرين العربي والاسرائيلي”28 إلا أن شغاف قلبه كانت تخفق من أجل اسرائيل، واليوم يكتب ليفي مؤكدا دفاعه عن الربيع العربي في جميع تمظهراته غير أن الأجراس لا تدق عنده إلا في هيكل واحد هو هيكل اسرائيل.

18. Opcit, p128
19. « BHL, une biographie » philippe cohen, lire, Fév. 2005,p44.
20. Cité par Michel –Antoine – Burnier, « l’intellectuel le plus populaire de son siècle » l’Historie, N°295, Fév, 2005- p73
21. Pascal Boniface, les Intellectuels Faussaires, Gawsewitch Editeur, 2011,p202.
22. Opcit, p208.
23. Opcit, p216.
24. Opcit, p202.
25. Opcit, p68
26. Bernard-Henri lévy, Ce Grand Cadavre à la Renverse, Grasset, 2007,p 267.
27. J.P. Sartre, Réflexion sur la Question juive, Gallimard, 1954, p58
28. J. P. Sartre, Situations VIII, le monde arabe, Gallimard, 1972, p335.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: