النخب الاقتصادية والدينية والسياسية والثقافية محور أشغال ندوة المركز بالرباط

anoukhab

نظم “المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية” يوم السبت 23 فبراير ندوة فكرية تحت عنوان “النخب وأسئلة الحداثة والتغيير” بمشاركة متخصصين من مشارب علمية مختلفة؛ حيث حاضر فيها كل من المفكر محمد سبيلا والاقتصادي إدريس الكراوي والباحث في الحركات الاسلامية منتصر حمادة وأحمد شراك وحسن قرنقل وعبد الرحيم العطري المتخصصين في السوسيولوجيا.
ما معنى أن يكون المرء من النخبة؟ وما هي شروط الانتماء إلى سجل النخبة؟ وماذا عن الأدوار التقليدية والمستحدثة لها؟ وكيف يتأتى التوفيق بين التقليدي والحديث في اشتغال النخب؟ ثم ألا يمكن القول بأن النخب باتت مطالبة بأداء أدوار ومهام جديد في ظل سياقات الحراك والتوتر؟ هذه بعض من الأسئلة التي افتتح بها الدكتور نوح الهرموزي مدير المركز العلمي العربي الجلسة الأولى مبرزا سياقات اختيار هذا الموضوع وطرحه للنقاش والتناظر الفكري، لاكتشاف ملامح ومواقع النخبة المغربية وتحديد أدوارها اتصالا بالتغيير.
إدريس الكراوي: النخبة الاقتصادية
قدم إدريس الكرواي الباحث المتخصص في العلوم الاقتصادية وعضو المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي في مداخلة حول “النخبة بالاقتصادية بالمغرب” قراءة تحليلية لهذه النخبة استنادا إلى أبحاث ميدانية قام بها رفقة الأستاذ محمد نور الدين آفاية، مستهلا تحليله بتعريف النخبة التي يحددها في مجموعة من الفاعلين المتنورين لهم مكانة داخل المجتمع، وتجمعهم خصائص عدة منها التنظيم والمشروعية وكونهم أصحاب مشروع يقترحونه على المجتمع. لينتقل بعدها إلى متابعة كرونولوجية لمسار هذه النخبة بالمغرب منذ 1965 إلى الآن من خلال البحث في المعايير الكمية والكيفية التي تساعد على بروز هذه النخبة. (الصعيد الكمي التحول من 14 ألف مقاولة سنة 1965 إلى ما يفوق 110 آلف مقولة سنة 2010).
أما على الصعيد الكيفي فقد توقف كثيرا عند الانتقال التدريجي الذي لهذه النخبة من نخبة تنهج عقلانية مقاولاتية قائمة على المضاربة والريع والاحتكار في إطار تدبير امتيازي، تخوله لها القرب من السلطة المركزية إلى نخبة تعتمد عقلانية جديدة تنخرط تدريجيا فيه شبه منافسة نزيهة، وبناء اقتصاد قائم على الاستحقاق والمخاطرة الحقيقة والإبداع والابتكار كعناصر أساسية داخل النظام الاقتصادي الوطني.
قراءة تطورات النخبة الاقتصادية بالمغرب هذه كانت على ضوء محطات سياسية مهمة، ابتداء من حكومة عبد الله إبراهيم مرورا بمحطات تاريخية مهمة في السياسات الاقتصادية المغربية مثل المغربة والخوصصة…
ليخلص في نهاية مداخلته إلى أن المغرب يتوفر على مشروع اقتصادي تحديثي تداخلت عوامل لعدة لقيامه منها وجود إرادة سياسية حقيقة للتحديث في المجال الاقتصادي بالإضافة إلى الاستحالة موضوعية للدولة المركزية للنهوض بكل جوانب الإنتاج علاوة على الوضع العالمي الجديد. وبرزت إلى جانب هذا المشروع معالم النخبة الاقتصادية شابة ومتعلمة ومواطنة، تؤمن بالقانون والاستحقاق والمخاطرة والمغامرة.
منتصر حمادة: النخبة الدينية
أما الباحث المتخصص في الحركات الإسلامية منتصر حمادة فقد تطرق بالدرس والتحليل إلى النخبة الدينية بالمغرب من خلال قراءة تحليلية لمختلف هذه النخب التي سطع نجمها في العهد الجديد.
إن الطرح الذي يقول بوجود حقلين دينيين يؤطران هذه النخب في المجال التداولي الإسلامي بالمغرب (تصنيف الأستاذ محمد الطوزي): حقل النخب الدينية التي تشتغل في إطار الفضاء الديني المؤسساتي (الحقل الديني الرسمي)، ثم النخب الدينية المحسوبة على الحقل الديني المضاد، في نظر الباحث قد يختزل دور ومكانة هذه النخب؛ لذا فإنه ارتأى إلى تصنيفها حسب التنظيم التي تنتمي إليه: أي نخب دينية تنتمي إلى المؤسسات الدينية الرسمية (أحمد التوفيق، أحمد عبادي، محمد يسف…)، نخب دينية تنتمي إلى المؤسسات الإسلامية الإخوانية على الخصوص (عبد السلام ياسين، أحمد الريسوني، فريد الأنصاري نموذجا)، نخب دينية تنتمي إلى المرجعية السلفية (العلمية منها: المغراوي نموذجا، الحركية: محمد الفيزازي نموذجا). ثم نخب دينية تنتمي إلى الطرق صوفية ( الطريق القادرية البوتشيشية التي تهيمن على الساحة: الشيخ حمزة البوتشيشي شيخ الطريقة نموذجا).
ليخلص في نهاية مداخلته إلى وجود أزمة حقيقة في تجديد النخب الدينية بين العهدين القديم والجديد خاصة في الثقل العلمي لهذه النخب الجديدة.
وتجدر الإشارة إلى أن نص هذه المداخلة هو مخلص كتاب سوف يصدر لها قريبا للباحث بعنوان “الخريطة الدينية في المغرب”.
عبد الرحيم العطري: النخبة والأعيان
أما الباحث السوسيولوجي عبد الرحيم العطري الذي كانت آخر إصداراته حول الموضوع بمؤلف “سيوسيولوجيا الأعيان آليات إنتاج الوجاهة السياسية”، فقارب الموضوع من خلال خمس إشكالات أساسية هي: التوصيف، المنافذ والأصول، طرق الاشتغال في الواقع، كيفية إعادة الإنتاج، وأخيرا إشكالية المآلات والمنافسة التي تتعرض لها النخب.
ليخلص في نهاية طرحه إلى أنه بالرغم من تواتر الاشتغالات المعرفية على النخبة، ومن داخل براديغمات متعددة، فإن شروط إنتاج النخب وأدائها الاجتماعي والسياسي، ما تزال مثار نقاش حاد، يتوزع في غالبيته على مدخلين للقراءة، الأول يسائل موقع النخبة في سلم التراتبات الاجتماعية، والثاني ينفتح على الأداء الاجتماعي لهذه النخبة في مستوى التأثير والفعل بالمجتمع، فثمة انهجاس مستمر ببحث أسئلة الهوية والفعل: ما موقع النخبة وما دورها في المجتمع؟
أما على مستوى البنية فإن السؤال أعمق من خلال استعادة النقاش حول مسألة الحراك الاجتماعي للنخب، فهناك من يلتحق وهناك من ينسحب، فالأمر لا يتعلق بنمط إنتاج ثابت ومغلق، فالنخبة في انبنائها الأصلي هي حراك مستمر من أجل تأمين الوجاهة و”إلغاء” المنافسين، أو على الأقل “التحالف” معهم، وكل ذلك بالطبع يشتغل في إطار بنيات دالة ومؤثرة، ودونما تناس بالطبع لكون الانتماء لمصاف النخبة مستوجب دائما لتوافر حد معين من الرساميل والخيرات الرمزية والمادية.
وختم الأستاذ بالقول بان هذا النظام الذي يستند إلى الأعيان أو النخب والزعامات المحلية هو نظام للتسويات ونظام توفيقي بين ما هو تقليدي وما هو حداثي في نفس الوقت.
محمد سبيلا: النخبة والتحديث
من جهته أكد المفكر محمد سبيلا في مداخلة له بعنوان “النخبة والتحديث” على أن موضوع النخب محط تساؤل وجدال كبيرين، فهل يتعلق الأمر بنخبة أو نخب؟ هل هناك فعلا نخب؟ هل النخب هي الفاعل التاريخي أم هي الجماهير؟
يتضح أن هناك إذن تساؤلا حول مشروعية استعمال مفهوم النخبة، لكن تدريجيا توسع هذا المفهوم حتى صرنا نتحدث عن نخب فرعية (نخبة رياضية، عسكرية، إدراية، ثقافية…).
ويرى الأستاذ سبيلا أن الخلفية الفكرية الأساسية لمضمون النخبة هي تصور ضمني للمجتمع على شكل حلبة صراع بين الأفراد والمجموعات (التنافس حول الخيرات الرمزية، أو التحكمية أو المادية أو حول الثروة والسلطة والحظوة…). ما حدى بهذه النخبة إلى الوقوع في ما يسمى بالتمجيد الذاتي والطهرانية والرسولية، غير أن العلوم الإجتماعية الإرتيابية أعادت النظر في هذا الخطاب، وبينه محدوديته وكونه يغطي على جانب سلطوي يتحكم في سيرورة أي نخبة سواء أكانت سياسية أو دينية.
هذا ويضيف إلى أن الجديد في الحديث عن النخبة اليوم ليس فقط الحديث عن النخبة التحديثية بل أيضا عن النخبة التقليدية أو التقليدانية التي وعت بدورها وتحاول أن تجد لها مكانا داخل المجتمع انطلاقا من تصورات وبرامج معينة.
وفي هذا الصدد يؤكد على أن الحديث عن العلاقة بين الحداثة والتقليد، التي اعتبرها علاقة معقدة وماكرة ومتعددة الأوجه، ذلك لأن النخبة التقليدية قد تلجئ إلى الحداثة لضمان استمراريتها، وأن النخب الحديثة قد تضفي المشروعية على نفسها بالتأسيس على التقليد.
ليصل في ختام مداخلته إلى التأكيد على تعقد العلمية التحديثة، وأن هناك التباسا وازدواجية في الأدوار، وعقب على مثال بين يشبه عملية التقليد والتحديث بالكأس والمشروب، متسائلا: هل الأمر متعلق بالكأس أم بالمشروب ذاته.
حسن قرنفل: النخبة السياسية
وجاء مداخلة الأستاذ حسن قرنفل الذي كان من أوائل الباحثين الذين كتبوا حول موضوع النخبة بالمغرب حول “النخبة السياسية” مؤطرة بفرضية وجود علاقة حول العلاقة بين النخبة السياسية والنخبة الفكرية، من خلال افتراض وجود تعارض بين النخبتين، وأن هذا الأخيرة هي المعول عليها لحمل نبراس قيم الحداثة.
على أساس هذه الفرضية، بين الأستاذ كيف أن النخبة السياسية تتوجس من النخبة الفكرية، ومن هنا وجود علاقة ماكرة وتعارض غير تام بين النخبتين. مرد هذا التعارض إلى تعريف وأدوار كل من النخبتين فالسياسية مهتمة بتدبر الشأن العام ولها الشجاعة في اتخاذ القرارات، أما النخبة الفكرية فتمتاز بامتلاك شجاعة ابتكار الأفكار، ما يفضي إذن إلى تعارض بين من يدبر الواقع ومن ينظر لهذا الواقع.
وفي تقسيماته لكل نخبة على حدة يرى الأستاذ قرنفل أنه في النخبة السياسية يمكن التمييز بين الفئة السياسية الحاكمة والفئة السياسية المعارضة؛ وداخل النخبة الفكرية يمكن التمييز بين النخبة الفكرية الملتحمة بالطبقة السياسية، والنخبة الفكرية المستقلة وغير المسايرة للطرح السياسي.
هذا ويشير إلى وجود سعي دائم لاستدراج النخبة السياسية للنخبة الفكرية، يصل في بعض الأحيان إلى مستوى التعامل البرغماتي من لدن النخبة السياسية، بل وهناك محاولات للقضاء على النخبة الفكرية لكونها تمثل عقبة في طريق السياسات المدبرة للواقع.
وختم مداخلته بإشارة إلى التحدي المطروح أمام النخبة الفكرية والمتمثل في ضرورة انخراطها في المشروع التكنولوجي، واستغلالها لهذا التطور التقني لفتح باب التواصل مع المجتمع، بدل ترك الباب أمام المتطفلين في المجال الفكري عموما.
أحمد شراك: النخبة الثقافية
مداخلة الأستاذ أحمد شراك كانت حول “النخبة الثقافية” وقد استهلها بسؤال يقول أنه مشروعيته مستمدة من الثورات التي عرفها العالم العربي مفاده: هل يمكن الحديث عن مثقف تأسيساتي؟
وقبل الإجابة عنه هذا التساؤل أشار إلى الأطاريح السائدة حول المثقف قبل الحراك العربي وهي: أطروحة المثقف الأصلي أي الملتزم بلغة سارتر والمثقف العضوي بلغة غرامشي، بمعنى المثقف الرسالي الذي يحمل قضية ويدافع عنها. وأطروحة نهاية المثقف، التي تقول بأن المثقف لم يعد يلعب دوره المنوط به. وثالثها أطروحة المثقف اللانهائي، والنقدي والميتا-نقدي الذي يستمر في الزمن.
أكد الأستاذ على أن هذه الأطروحات كانت تشتغل قبل الثورات العربية، ويطرح سؤال: ما مآل هذه الأطروحات بعد الثورات العربية؟ وهل يمكن الحديث عن تبلور أطروحة مثقف رابع؟
جاء جواب الأستاذ على هذا السؤال مقسم إلى شقين فمن جهة يمكن الحديث عن مثقف جديد، أي عن المثقف التأسيساتي الرقمي الإلكتروني الجديد الذي اعتمد على المجال الإفتراضي للإطاحة بالأنظمة الإستبدادية. ومن أخرى يرى أنه رغم الحديث عن المثقف الرقمي الجديد، إلا أنه قد طغى المثقف الأداتي الذي يعتمد أكثر ما يعتمد على خبرته التكنولوجية.
يخلص المحاضر في نهاية مداخلته إلى أن الثورات العربية قد أيقظت وأنعشت مثقف البداية، وكذلك المثقف النقدي المشاكس؛ ويختم بطرح سؤال ما الفرق بين سلطة الناخب وسلطة الثوري؟ ويدعو إلى ضرورة التأمل في مثل هذه الإشكالات، والنقد المستمر حيث أن الحقيقة الوحيدة هي اللايقين.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: