الإصلاح الديني ودوره في تعزيز النزعة الإنسانية

life_of_Martin_Luther

في ظل عالم قرسطوي يموج بالفوضى الفكرية والسياسية وتتصارع فيه الجماعات والقوى دونما ضابط ولا معيار، ألفت الكنيسة نفسها تاريخيا مدفوعة للنهوض بدور سياسي بارز، إلى جانب دورها الديني الأصلي، سعيا لتوحيد هذا العالم وبث الحد الأدنى من النظام والاتساق الفكري والسياسي فيه. وهو الدور الذي فرض نفسه أكثر، مع تزايد الطلب الاجتماعي على الكنيسة البابوية، وتدخلها في الشؤون السياسية من طرف الجماعات الأهلية ومن طرف الملوك الإقطاعيين المتنازعين على حد سواء، بعدما أخفق هؤلاء جميعا في إقامة الدولة القادرة على الوفاء بحاجات بناء حياة قانونية سليمة وحفظ الأمن والنظام والسلام العام وضمان التكافل والتعاون الاجتماعيين .

وكان طبيعيا أن تستثمر النخبة الدينية هذا الإسهام الكبير للكنيسة في إعادة بناء اللحمة الاجتماعية المهددة بالانحلال في أن تجعل من الكنيسة المركز الرئيس لتنظيم المجتمعات، وأن تستفيد من الهالة التي كونتها لنفسها لتعزيز مواقعها، وفرض وصايتها على كافة النخب الاجتماعية؛ الثقافية والسياسية والمهنية، قبل أن تنـزع في مرحلة لاحقة إلى التحكم بشروط حياة المجتمعات؛ ليغدو “الدفاع عن الوضع القائم وضمان السيطرة الدائمة للكنيسة على مصيرها جزءا من الحفاظ على النظام، ومن ورائه على السلام والأمن .”
غير أن “نظام السيطرة الكنسية أو الكهنوتية” كان يستبطن، على غرار أي نظام آخر، بذور تفسخه وفنائه في ذاته، بقدر ما كان تحقيق التوحيد الأيديولوجي والتنظيم الكنسي وسيطرة رجال الدين يستدعي اندلاع الفوضى خارجه ومن حوله، من خلال شتى آليات الإقصاء والقسر قبل أن يجتاح النظام الكنسي نفسه. وما كان ممكنا للنظام الكنسي، كسلطة مطلقة لا تخضع للرقابة والمحاسبة من قبل من تتحكم فيهم، أن يستمر دون أن يثير توترات، ويخلق تناقضات، ويصطدم بمعضلات ومآزق يصعب تجاوزها.. .

ومن خلال الثغرات والشقوق الكثيفة التي ترتبت عن “أزمة نظام السيطرة الكنسية” سوف تتبلور قوى التغيير. وفي صدارة هذه القوى الحركة الإنسانية Humanisme التي ظهرت منذ القرن الرابع عشر في بعض المدن الإيطالية بدعم من الأمراء وكبار التجار المولعين بالفن والأدب والباحثين عن الشهرة والمجد، بل ومن بعض البابوات كذلك.

وقد أسهمت هذه الحركة، بعودتها للأدبيات اليونانية والرومانية القديمة منتهلة من الموارد الأصلية للفكر والأدب الكلاسيكيين، في تجاوز سلطة المرجعية الكنسية، وإعادة اكتشاف الإنسان ومركزيته في بناء نظام فكري جديد يقوم على الفلسفة بدل اللاهوت، ونظام سياسي يقوم على الدولة بدل الكنيسة..
إن المتابع للفكر الغربي الحديث والمعاصر يلاحظ بجلاء أن هذه العودة للأصول لم تكف كلما حلت أزمة عميقة أو لاحت في الأفق؛ وفي هذا السياق كان الرجوع للتراث الفلسفي الكلاسيكي في توافقه مع التراث الديني للعصور الوسطى المسيحية لفهم وتقييم وعلاج أزمة الحداثة هو عنوان مشروع الفيلسوف ليو شتراوس Léo Strauss 1899-1973، خاصة في إطار رده على إيديولوجيا “النهايات”؛ نهاية الإنسان، نهاية العقل، نهاية الأخلاق، نهاية الدين، نهاية التاريخ.. تعبيرا عن نـزعة عدمية عميقة تكشف عن مدى الأزمة الفكرية والروحية التي تعاني منها المجتمعات الغربية، وهو ما ينسجم مع اعتباره أن الحداثة تتشكل من ثلاثة مكونات؛ الفلسفة السياسية الكلاسيكية، والفلسفة السياسية الحديثة، فضلا عن الشريعة الدينية.. .
إن أكثر ما يهمنا، هاهنا، أن هذه الحركة قد شكلت أول خطوة حاسمة في اتجاه بناء أسس التفكير العقلي الحديث، وإعادة النظر في قواعد تنظيم المجتمعات السياسية والاجتماعية.. .
غير أن حركة الهدم البطيء لنظام السيطرة الكنسية سوف لن تقتصر على المستوى الفكري والأدبي التي جرى النظر إليه، ضمن تاريخ الفكر، بمثابة اللحظة التأسيسية للغرب الحديث بأكمله، في تجاوز متحيز لكل ما أسهمت به الحضارة الإسلامية في الفضاء المتوسطي والأوروبي خاصة من خلال الأندلس الرشدية والدولة العثمانية ، وإنما سيتجاوزه إلى الإصلاح الديني الذي يرقى إلى مستوى الثورة الدينية التي ستغير تصور أوروبا للدين ومكانته في حياة الفرد والمجتمع على حد سواء.
وسواء ارتبطت هذه الثورة الإصلاحية بحادث تعليق مارتن لوثر لقائمة أطروحاته الـ95 على باب كنيسة قصر وتنبرغ سنة 1517، أو بواقعة طرد الكنيسة لمارتن لوثر سنة 1520، واعتباره خارجا عنها، بسبب دفاعه عن فكرة أن البابا والمجمع الكنسي ليسا معصومين من الخطأ وأن المؤمن لا ينبغي أن يلتزم إلا بالكتاب المقدس ، إلا أن ما يهمنا التركيز عليه في هذا المقام أن الإصلاح الديني قد أسهم بشكل واضح في إعادة بناء التجربة الدينية للجماعة المسيحية على ثلاثة أصعدة؛
صعيد المؤسسة الكنسية..وصعيد الفكر التي كانت تؤسس عليه الكنيسة سلطتها، سيطرتها ونفوذها، بما في ذلك من اعتقادات دينية وفلسفة إيمانية أو لاهوت.. وصعيد الضمير الديني وما يحيل إليه من إعادة تحديد لمغزى الإيمان ومقتضيات الاعتقاد، وممارسة الشعائر الدينية، وكذا إعادة الاعتبار للتجربة الدينية كتجربة فردية تتصل، أول ما تتصل، بوعي المؤمن وإرادته وتطلعاته..
كما أن أكثر ما يهمنا، هاهنا، هو تجلية دور هذا الإصلاح الديني في تحجيم دور الكنيسة وتقليص صلاحيات رجال الدين؛ من خلال رفض الخضوع الأعمى للكنيسة والانقياد لها كسلطة كهنوتية؛ إذ لا شك أن هذا التحجيم تجلى، أكثر ما تجلى، في إحلال لوثر والفكر الاحتجاجي بوجه عام، سلطة النص المقدس محل سلطة الكنيسة المطلقة..
بحيث أن تأكيد أولوية النص على المؤسسة الكنسية في تعبيرها عن سلطة الرهبان ترتب عليه تغيير جوهري في مفهوم ومكانة الكنيسة نفسها؛ فقدت على أثره مركزيتها في التجربة الدينية، كما فقد رجال الدين مكانتهم الأبوية المقدسة الاستثنائية التي طالما فصلتهم عن عموم الناس وميزتهم عنهم من حيث امتلاك المعرفة والنفاذ إلى جوهر الدين وحقيقته..
ليصبحوا مجرد رجال اختصاص.. لا فرق بينهم وبين المؤمنين العاديين إلا في درجة التفقه في الدين، وهو ما يستطيع أي مؤمن أن يصل إليه بجهده الشخصي، ومثلما اضمحلت الفكرة التي تجعل من الكنيسة امتدادا للمسيح وتجسيدا لكلمته، اضمحلت بالمثل الفكرة التي درجت على النظر إلى رجل الدين بوصفه وريثا للمسيح وحائزا على قبس منه.

وبهذا تحولت الكنيسة إلى مؤسسة من مؤسسات المجتمع بعد أن كانت المؤسسة/الجامعة التي تستدمج جميع الهويات والكينونات الفردية لتشكيل “هوية وذاتية جمعية واحدة تحييها وتحيى فيها وتوجه حياتها”، وتبعا لذلك لم يعد الإيمان عصبية جامعة يستدعي التبعية والطاعة والإمعية والامتثال لإرادة خارجية، ويتجلى في الانقياد والفناء في الجماعة الكنيسة أو المجسدة في الكنيسة الجامعة، وإنما أصبح ممارسة فردية .
والنتيجة أن الجماعة الدينية فقدت هويتها التقليدية واستبدلتها بهوية جديدة تقوم على “رابطة بين مؤمنين مستقلين وأحرار متساوين في الحقوق والواجبات الدينية، لا سلطان لأحد عليهم سوى سلطان الضمير”، الأمر الذي وجه ضربة قوية للنظام الفكري والسياسي الأبوي الكنسي الإقطاعي الجاثم؛ بحيث لم يعد هناك من معنى أو مسوغ للفصل المطلق بين مجالي الدين والدنيا، لتتم، على النقيض من ذلك، مصالحة الدنيا مع الآخرة، والدين مع الدنيا الأمر الذي أسفر عن تبلور علاقة جديدة بينهما في كنف الكنيسة وخارجها..
على هذه الوتيرة من الاستيعاب العميق لمسار العلاقة التاريخية بين السياسي والديني يترسخ مغزى التحولات الدينية والسياسية والثقافية التي حكمت تبلور العلاقة بين الدين والسياسة أو الأحرى بين الكنيسة والسياسة في الفضاء الحضاري الأوروبي؛ انطلاقا من التمييز بين الكنيسة كمؤسسة تاريخية تعبر عن تأويلات مخصوصة للدين في علاقاته بالرهانات الدنيوية، وبين الدين كمصدر قيم وهداية..
وبمقتضى الوعي بهذا التمييز يبرز كيف أن الإصلاح الديني بينما عمل على إضعاف سيطرة الكنيسة وسلطة رجالها إلى حد بعيد، إلا أنه لم يتمكن من إضعاف مكانة الدين وموقعه في المجتمع، وإنما زاد من نفوذه ووسع من دائرة نشاطه وفعالياته ضمن البنية العامة للمؤسسات الاجتماعية بما في ذلك النشاطات الاقتصادية، وذلك بقدر ما أسهم في أنسنته عبر العمل على تكييف مفاهيمه الثيوقراطية القديمة مع حاجات تحرر الفرد وانعتاق مبادرته.
واتصالا بإشكالية بحثنا نستخلص كيف أن الإصلاح الديني قد أسهم في “دمقرطة الحياة الدينية” من خلال كسره لطوق الوصاية الكنسية من جهة أولى، وكذا من خلال تحرير الفرد من كل أشكال التبعية والاستزلام العقائدي، وربطه مباشرة بالنص وتفعيل نوازع الخيرية فيه، تبعا لما يمليه عليه ضميره.
ومن مظاهر هذه الدمقرطة أن المجمع الكنسي البروتستانتي الذي ينتخب قادة الكنيسة بناء على انتخابات تمثيلية، أمسى يضم كذلك ممثلين مدنيين من غير رجال الدين؛ من أساتذة الجامعات والأطباء ورجال الأعمال وغيرهم، ليجري، تبعا لذلك، تقديم صيغ تنظيمية ونماذج جديدة لإدارة الشؤون العامة.
الأمر الذي سيجعلنا نستوعب الصيغة التاريخية التي سوف تتخذها العلاقة بين الدين والسياسة في الفضاء الديني البروتستانتي؛ وهي الصيغة التي حرصت على عدم وضع الدين في تضاد وتنافر مع العقل بقدر ما سعت إلى التوفيق والتفاهم بينهما معززة بذلك تكاملهما.. .
ومع أن حركة الإصلاح ارتبطت، أول ما ارتبطت، بالبروتستانتية في مواجهة الكاثوليكية، إلا أن تأثيرها سرعان ما طال هذه الأخيرة نفسها، بعدما فرض على الكنيسة الكاثوليكية خوض حركة إصلاح مضادة للرد على حركات الاحتجاج التحررية والحد من انتشارها. ومع أن مداها الإصلاحي لم يرق إلى مستوى الدمقرطة الدينية التي أحدثتها الحركة البروتستانتية، إلا أنها لم تبق بمنأى عما أحدثه الإصلاح البروتستنتي من تجديد في القيم واتجاهات التفكير والتوجهات النفسية العميقة للمؤمنين.. .

. رفيق عبد السلام، “في العلمانية والدين والديمقراطية: المفاهيم والسياقات”، بيروت: مركز الجزيرة للدراسات، الدار العربية للعلوم ناشرون، ط1، 2008، ص 17-59.
. الواقع أن آثار هذه السيطرة التي مارستها الكنيسة على مستوى تأطير المجتمعات وقيادتها فكريا وسياسيا لا تزال ماثلة إلى غاية اللحظة الراهنة رغم قيام الدولة الحديثة وسعيها المستميت للإجهاز على امتيازات الكنيسة ودفعها دفعا إلى الانسحاب من المواقع المعنوية والمادية التي احتلتها في العصور السابقة..أنظر: برهان غليون، “الدين والسياسة في المسيحية والإسلام”، مجلة التسامح، سلطنة عمان، العدد 26، 2009، ص199.
. رفيق عبد السلام، “في العلمانية والدين والديمقراطية: المفاهيم والسياقات”، م، س، ص26-34.
. لقد وقف الفكر العربي الحديث، خاصة في شقه العلماني، بشكل مبكر، على أهمية هذه النـزعة الإنسانية في إحداث النهضة الأوروبية وضرورة استلهامها لإحداث نهضة عربية مماثلة.. أنظر: سلامة موسى، “ما هي النهضة؟”، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1996، ص13-16.
. أنظر: محمد المصباحي، “التحالف بين الفلسفة والدين بوصفه مخرجا لأزمة الحداثة السياسية عند ليو شتراوس”، مجلة، الفكر العربي المعاصر، معهد الإنماء القومي، بيروت، العدد؛ 148-149، 2009، ص19.
. سوف يسهم اختراع المطبعة سنة 1455 في تمكين هذه الحركة من وسيلة ناجعة وحاسمة في نشرها مبادئها وفلسفتها على امتداد الأراضي الأوروبية شرقا وغربا شمالا وجنوبا، وهو ما سوف يؤدي إلى انبثاق ثقافة جديدة تحظى بقدر كبير من الاستقلالية عن الثقافة القرسطوية الكنسية.. أنظر: برهان غليون، “الدين والسياسة في المسيحية والإسلام”، م، س، ص201.
. أنظر:
- Encyclopédie générale de L’Islam, Encyclopédie générale de L’Islam, Des origines à l’Empire Ottoman, Cambridge University Press, 1970, S. I.E.D, 1984, Pour l’adaptation française.
وكذلك: عبد الرحمن بدوي، “دور العرب في تكوين الفكر الأوروبي”، هيئة الكتاب، القاهرة، ط 2004. عباس محمود العقاد، “أثر العرب في الحضارة الأوروبية”، الهيئة العامة للكتاب، الأعمال الفكرية، ط 1998. عمر فروخ، “الحضارة الإنسانية وقسط العرب فيها”، بيروت: دار لبنان للطباعة والنشر، ط2، 1980.
. وهو ما يفسر ارتباط حركة الإصلاح باسم مارتن لوثر الذي أعلن انطلاقتها في ألمانيا وغيرها من المناطق الاسكندينافية، وهي الحركة التي سرعان ما ترتب عليها إنشاء كنائس دول مستقلة عن الكنيسة الكاثوليكية بروما. غير أن مساعي مارتن لوثر الإصلاحية ما كان لها أن تؤتي كامل ثمارها لولا الحركة المماثلة التي قادها المنشق الكبير “كالفن” الذي يعود له الفضل في انتشار فلسفة الإصلاح الديني في بولونيا وهنغاريا والجزر البريطانية التي ستشهد ولادة الكنيسة الإنكليكانية..
. برهان غليون، “الدين والسياسة في المسيحية والإسلام”، م، س، ص203.
. برهان غليون، “الدين والسياسة في المسيحية والإسلام”، م، س، ص204.
. المرجع نفسه، ص208.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button