الإسلاميون وقضية تطبيــــق الشريعة: الدولة المدنية الديمقراطية هي الحل

chariaa

بعد نجاح الثورات العربية الملونة في إزاحة بعض نظم الطغيان العربية، وهي في طريقها لاكتساح وكنس ما تبقى منها على طريق محاولة إنجاز الدولة المدنية الديمقراطية، دولة الفرد والإنسان الحر.. نتساءل باستغراب واستهجان بعد أن عبرنا سابقاً عن أملنا في وجود تحول نوعي وكيفي معرفي في صلب قناعة تيارات الإسلام الإسلامي إلى بناء دولة العدل والمؤسسات المدنية:

لماذا لا يزال الإسلاميون عموماً يصرون بعناد منقطع النظير في أفكارهم التراثية وسلوكياتهم الميدانية السياسية الراهنة على أن أولى أولوياتهم الآن تكمن في السعي إلى تطبيق أسس ومبادئ الشريعة الإسلامية غير المتفق عليها حتى فيما بينهم هم أنفسهم قبل غيرهم؟ وهل هذا هو الوعد الذي وعدوا به باقي أطياف وأفرقاء الساحة السياسية من باقي التيارات السياسية غير الدينية في تلك الدول التي نجحت فيها ثوراتنا الربيعية؟!..
ثم ما هي هذه “الشريعة” التي يريدون تطبيقها (أو بالأحرى “فرض” تطبيقها) على الناس جميعاً بقطع النظر عن تنوعاتهم وانتماءاتهم ومشاربهم ومذهبياتهم؟! ثم هل هناك أدنى اتفاق بين عموم تيارات الإسلام السياسي (منظومات الإسلامات المتعددة) على وجود نوع محدد وتفاهمات “شرعية!” معينة تخص هذا النمط أو ذاك النوع من الشريعة، يبنغي تطبيقه على المجتمعات التي يحكمها (أو سيحكمها) الإسلام السياسي؟!..

ثم أين هي قيم الديمقراطية والحرية والتعددية والتداول السلمي للسلطة والانتخابات الحرة والنزيهية والدساتير المدنية (لا الدينية) التي كان ينادي بها هؤلاء من جماعات وتنظيمات الإسلام السياسي ممن شاركوا في مظاهرات وثورات الربيع العربي في لحظاتها الأخيرة؟!! هل كانت تلك المناداة والمشاركة المتأخرة عموماً، مجرد شعارات فارغة وتكتيكات سياسية انتخابية فرضتها ظروف العمل والضغط السياسي، ليتسنى لهم ركوب قاطرة وموجة الديمقراطية والربيع العربي بغية الوصول إلى الحكم وبعدها يخلق الله ما يشاء “ويحلّها ألف حلاّل” كما يقول أخوتنا المصريون؟!!

لقد لاحظنا أن حزب الإخوان وتيارات السلفية التي فازت في انتخابات مصر الأخيرة، تريد تغيير الدستور لصالح أحكام منظومتها التشريعية الإسلامية، خاصة منذ انطلاق الجدل حول الدستور المصري الجديد خلال الآونة الأخيرة حيث باتت إحدى مواد الدستور المصري المزمع كتابته والتصويت عليه، والمتعلقة بأسس ومبادئ الشريعة الإسلامية كأحد أهم مصادر التشريع في الدولة، مثار جدل كبير، مع وجود إصرار شديد لدى تلك التيارات الدينية المحافظة على اعتبار أن أحكام (وليس مبادئ) الشريعة الإسلامية هي أهم مصدر للتشريع في الدولة المصرية..

في الواقع نؤكد هنا على أنه إذا ما أصر هؤلاء على فرض أجندتم وأفكارهم التشريعية غير المتفق عليها حتى فيما بينهم، باعتبار أن لكل تيار منهم رؤيته واجتهاده الديني حول مادة من هنا وأخرى من هناك، والانتقال بنا من مصطلح عميل وخائن إلى مصطلح كافر وفاسق، فالثورة عليهم لن تطول حتى تشتعل من جديد، بعد فشل تيارات القومية والعروبة واليسار عموماً في بناء دولة المواطنة والحكم الصالح.. وخروج تلك التيارات الدينية من رحم هزيمة المشروع القومي في الحكم والسلطة وبناء الدولة المدنية..

وهؤلاء يجب عليهم أن يتحولوا إلى أحزاب مدنية، وأن يقبلوا استراتيجياً وليس تكتياً بالديمقراطية ومبادئ المدنية والحريات العامة لهم ولغيرهم.. خاصة مع تطورات الزمان والمكان، وعدم قدرة الفقه القديم على مواجهة تنوعات وتجديدات الوجود الحياتي والإنساني، بحيث يمكن القول بأن أحكام وقوانين التشريع الديني القديم لم يعد في مقدوره مواجهة واستيعاب ثقافة وقيم الحياة الجديدة المعاصرة التي باتت في موقع المنافس الشديد والند القوي له في ميدان التشريع والقانون.

وهذا ما تمت ملاحظته منذ اللحظات الأولى لاصطدام ثقافتنا التقليدية الإسلامية مع الثقافة الغربية إبان الصدمة البونابرتية، عندما أخذ رجال الدولة المسلمون في كل من اسطنبول والقاهرة وتونس يفقدون الثقة بمؤسسات الدولة، وقدرتها على مقاومة القوة الأوروبية المتزايدة، في سعيهم لإيقاف التراجع أمام تقدم الإمبراطوريات الغربية.. فقام رجال الدولة المسلمون آنذاك باستعارة نماذج الجيش والحكم الخاصة بالدولة الغربية كما عبر أحد المفكرين.

ومن البديهي أن تحدث تلك الصدمة حالة من الرفض لدى أتباع تلك الثقافة الدينية المحكومة بعادات وأحكام دينية مقدسة أو شبه مقدسة، ولكنها سرعان ما انكسرت حدتها مع وجود حاجة ماسة وشديدة لها من قبل أفراد المجتمع التقليدي.

إن الحاجة تدفع الفرد والمجتمع عموماً إلى تبني قيم وخيارات قانوينة وقيمية جديدة تستوعب حاجاته ومتطلباته وتطوراته على كل المستويات والأصعدة الاجتماعية والقضائية والسياسية وغيرها رغماً عن أنف قيمه التقليدية السائدة التي يتماهى معها، ويدافع عنها الكثير من أتباع قيمنا المحافظة عن سوء أو حسن نية..

فماذا باستطاعة فقه المسلمين التقليدي المعروف منذ مئات السنين، والذي أغلقت أبواب الاجتهاد فيه على مقولات وأحكام عتيقة، أن يفعل في ظل تغير الظروف وتطور الزمان وتصاعد المستجدات والمكتشفات والمخترعات والتحولات والحاجات البشرية وتعقد ظروف المكان والزمان البشري والكوني؟!!.. وعلى سبيل المثال لا الحصر نسأل هنا: هل يمكن لإيران أو السودان أو مصر أو السعودية أو أية دولة تسمي وتطبع نفسها بطابع الـــــــ”إسلامية” أن تتعامل تجارياً وبنكياً ومصرفياً مع العالم كله أو حتى مع بعضها البعض بدون فوائد وربا وغيرها؟!! وهل يوجد مصرف “إسلامي!” في العالم كله لا يشرع الربا عملياً، أو يحتال على هذه المفردة بسلوكيات تجارية أبعد ما تكون عن تطبيقات الشرع الديني الرافض للربا والفائدة؟!!.. نخلص من ذلك إلى أن القيم أو الأحكام أو النصوص أو التشريعات الأصيلة المسماة “دينية” يفترض بها أن لا تكون عائقاً أمام تطور الفرد والمجتمع، وألا تكون قيداً للإنسان الملتزم بها، تكبله وتمنعه عن تطورات الحياة والوجود، وإلا فإنه ليس لها أي معنى، ووجب رفضها وتغييرها انسجاماً مع الحياة، ومع حاجة الإنسان والمجتمع لبناء واقع أكثر فائدة وسعادة ورفاهية له.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”

يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: