الثقافة العربية والليبرالية الثقافية

mondearabe

I– الليبرالية والتصورات المسبقة

ارتبطت الليبرالية في التصور العربي الحديث بعدة تصورات سلبية حيث لم تحض الليبرالية، في التصور الثقافي العربي الحديث، بصورة إيجابية أو براقة. ولعل الومضات الفريدة الفكرية لليبرالية السياسية العربية كانت تمثلت في فكر أحمد لطفي السيد في مصر وفي الفكر السياسي لمحمد بلحسن الوزاني في المغرب، وفي الممارسة السياسية للحبيب بورقيبة بتونس.
إلا أنه مع بداية انتشار الماركسية والأفكار الاشتراكية التي هيمنت على العقول ابتداء من خمسينات القرن العشرين باعتبارها نموذجا سياسيا لتجاوز التخلف وللحاق بالدول المتقدمة في إطار انتقاد للرأسمالية ولهيمنة الغرب الاستعماري والإمبريالي، بدأت الفكرة الليبرالية تخبو وترتبط أكثر بالرأسمالية والبورجوازية والغرب، وبالتفاوت، والتبعية، وعدم التلاؤم مع المطامح الجماهيرية العارمة حول العدالة والمساواة.
وهذه النظرة السلبية لليبرالية وللأفكار الحديثة حول الحرية لم تقتصر فقط على النخب الثقافية والسياسية التحديثية بل كانت قبل ذلك شائعة في الأوساط الثقافية التقليدية التي فهمت الحرية فهما سليبا من حيث أنها تتجاوز الحدود المرسومة من طرف الشرع وتدعو إلى انتهاك الأعراف والتقاليد العريقة وتدعو إلى الانحلال والتهتك.
أورد هنا مثالين بارزين على ذلك أولهما الانتقاد الذي وجهه المؤرخ والسياسي المغربي محمد الناصري في أواسط القرن الماضي لمفهوم الحرية الحديث في الجزء التاسع من “الاستقصا” حيث يقول: “واعلم أن الحرية التي أحدثها الفرنج في هذه السنين هي من وضع الزنادقة قطعا، لأنها تستلزم إسقاط حقوق الله، وحقوق الوالدين، وحقوق الإنسانية.
أما إسقاطها لحقوق الله فإن الله تعالى أوجب على تارك الصلاة والصوم، وعلى شارب الخمر، وعلى الزاني طائعا، حدود معلومة. والحرية تعني إسقاط ذلك.
واعلم أن الحرية الشرعية هي التي ذكرها الله في كتابه، وبينها رسول الله لأمته، وحررها الفقهاء في باب الحجر من كتبهم” (محمد الناصري: الاستقصا جزء 9 ص169-168).
أورد هنا كذلك الفتوى العنكبوتية التي قدمها الشيخ السعودي صالح الفوزان ردا على سؤال حول مدى شرعية الدعوة إلى الفكر الليبرالي في البلاد العربية، وذلك باعتباره “فكرا يدعو إلى الحرية التي لا ضابط لها إلا القانون الوضعي، فيساوي بين المسلم والكافر بدعوى التعددية، ويجعل لكل فرد حريته الشخصية التي لا تخضع لقيود الشريعة… ويحاد بعض الأحكام الشرعية التي تناقضه كالأحكام المتعلقة بالمرأة، أو بالعلاقة مع الكفار، وبإنكار المنكر، أو أحكام الجهاد… إلخ … هل يجوز للمسلم أن يقول: “أنا مسلم ليبرالي؟”.
وقد رد الشيخ صالح الفوزان عضو هيئة كبار العلماء في السعودية على هذه التساؤلات بقوله أن من يقول بالأفكار أعلاه “متمرد على شرع الله، يريد حكم الجاهلية، وحكم الطاغوت فلا يكون مسلما. والذي ينكر ما علم من الدين بالضرورة من الفرق بين المسلم والكافر، ويريد الحرية التي لا تخضع لقيود الشريعة، وينكر الأحكام الشرعية الخاصة بالمرأة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومشروعية الجهاد في سبيل الله… هذا (الشخص) قد ارتكب عدة نواقض من نواقض الإسلام نسأل الله العافية.
والذي يقول إنه مسلم ليبرالي متناقض… فعليه أن يتوب إلى الله من هذه الأفكار ليكون مسلما حقا”( ).
وهذه الفتوى تندرج ضمن سلسلة مواقف تدين كل ما يمت للحداثة بصلة فكرية ابتداء من فتاوى عبد العزيز بن باز وتحريماته المتعددة وعوض القرني الذي كفر الحداثيين في كتابه “الحداثة في ميزان الإسلام” واعتبرهم فئة مدسوسة على الإسلام والمسلمين.
تندرج هذه المواقف في إطار الصراع الإيديولوجي والفكري داخل الثقافة العربية، وهو صراع حاد اندلع مع دخول مظاهر الحداثة والتحديث في المجتمعات العربية الإسلامية إما مع دخول الاستعمار أو نتيجة الأسفار أو الاحتكاك بالمجتمع الغربي.
وهذا الصراع الفكري يتضمن الكثير من مظاهر الاختزال والتعميم وطغيان الأحكام الجاهزة.
فالتصور العام السائد في الثقافة العربية حول الليبرالية هو تصور سلبي بهذه الدرجة أو تلك سواء لدى الأوساط الماركسية التي تربط الليبرالية بالرأسمالية والإمبريالية وتقرنها بفكرة اللامساواة والتفاوت ومشروعية الاستغلال، أو لدى الاتجاهات الثقافية التقليدية المحافظة التي تقرنها بالجاهلية وارتكاب نواقض الإسلام وتدعو أهلها إلى التوبة.

II – النواة الثقافية لليبرالية

يتعين أن نميز في الليبرالية بين نواتها الفكرية وملامحها الإيديولوجية في مجالي الاقتصاد والسياسة.
أركان العقيدة أو المعتقد الليبرالي (le credo Liberal) هي( ):
– الحد قانونيا ومؤسسيا من سلطة الدولة
– أولوية حرية الفرد وحقوقه التي هي أساس المجتمع والدولة
– حياد لدولة كجهاز سلطة، تجاه القيم والمعتقدات
– التعاقد هو أساس العلاقة بين المجتمع والدولة ويتجسد في سيادة القانون
ترتكز عناصر العقيدة الليبرالية على أساس ثقافي يتمثل في:
1 – فاعلية الإنسان كفرد ونوع وسيادته على نفسه وقدريته على الفعل في الطبيعة والمجتمع
2 – مفهوم واسع للحرية وللتحرر
3 – التمييز بين الدولة والمجتمع مع الحرص على ألا تبتلع الدولة المجتمع
4 – التعاقد الإرادي هو أساس المجتمع وأساس الدولة ولا يتعلق الأمر بأي تفويض خارج هذا الإطار
5 – المساواة الصورية بين الناس من حيث إنسانيتهم بغض النظر عن أي انتماء عرقي أو ديني أو إيديولوجي أو غيره.
تقوم عناصر المعتقد الليبرالي إذن على نواة ثقافية تشكل جوهر الحداثة الثقافية والفكرية.
سبق للمفكر المغربي عبد الله العروي منذ الستينات أي في ذروة الهيمنة الروحية للماركسية والعداء لليبرالية أن بيّن أن الليبرالية هي جوهر الحداثة وأصلها وخلاصتها( ).
فقد اعتبر العروي أن الليبرالية هي ذلك النظام الفكري المتكامل الذي تكون في القرنين 17 و18 في أوربا والذي حاربت بواسطته البورجوازية الأوربية-الفتية الأفكار والأنظمة الإقطاعية”، فالليبرالية تشكل في نظره “منطق العالم الحديث” و”الخلاصة النهائية للحداثة”( ).
والعروي يقصد هنا الجانب الثقافي أو النواة الثقافية لليبرالية، أي لما يمكن أن نطلق عليه الليبرالية الثقافية، فبجانب الأوجه السياسية البارزة والمتداولة عن الليبرالية في شقها السياسي المتمثل في التعاقد والتمثيلية ومراقبة السلط لبعضها وتوزيعها وتعدد طيف الاختيارات وحرية التعبير ومناهضة الاستبداد…إلخ تقف الخلفية الثقافية لليبرالية وتتمثل في الثقة في العقل كمصدر المعرفة وكأداة للسيطرة على الطبيعة ولاستكشاف مسار التاريخ مع ما يرتبط بذلك من تاريخية الأفكار، ونسبية القيم والأحكام، ومشروعية التعدد والاختلاف، وأولوية الوسائل والآليات على الغايات والغائيات، والاعتقاد في فكرة التقدم، وأن نموذج التطور موجود في المستقبل لا في الماضي، وفي حرية وفاعلية الذات الإنسانية في صنع أحداث التاريخ… إلخ وكذا، وفي الاعتقاد في صحة قوانين الطبيعة وحتميتها، وفي الاعتراف بحقوق الآخرين ابتداء من حقهم في الوجود إلى حقهم في التباين والاختلاف…
مثل هذه الأفكار، وهذه الثقافة التي تمتح من الكريد والليبرالي وتمحوره حول أولوية مقوله حقوق الفرد وحريته، يبدو وكأنها تدخل في صراع مفتوح، ضمني أو صريح مع ثقافة مليئة باليقينيات وبالنرجسية الثقافية، وبالهيمنة المطلقة لنماذج الماضي وثقافته وتصوراته، وبهيمنة التقاليد الاجتماعية والفكرية المترسخة عبر القرون.
بل إن هذه الثقافة تعتبر أن تفاعلها مع الثقافات الأخرى وبخاصة مع الثقافة الكونية السائدة يعرضها للغزو الثقافي وللتبعية وللاستلاب ولضياع الهوية. فهي تخلط بين ضرورات التحرر العقلي والفكري ومستتبعات السيطرة والهيمنة الكونية، وتلغى الأولى تلافيا للثانية، كما تميل إلى إلقاء المسؤولية على الآخر المهيمن للتغطية على المسؤولية الذاتية المتمثلة في السكون والتكرار واجترار البديهيات والمسبقات المتوارثة وعدم القدرة على نقدها وخلخلتها.
إن كل أشكال التطور، التطور السياسي والتطور التقني والاجتماعي والاقتصادي تتطلب وتشترط تحديثا ثقافيا، قوامه الأخذ بالمقومات الأساسية لليبرالية الثقافية بما تعنيه من عقلانية وفاعلية إنسانية ونزعة نسبية، وتاريخية وتفتح وتسامح وحوار، وتوسيع لدائرة الحرية الفردية واختراق دوائر المقموع والمسكوت عنه واللامفكر فيه…
تكمن قوة الليبرالية الثقافية في كونها تشكل نواة الفكر الكوني الحديث، وفي أنها كانت وستظل ركيزة كل فكر تحديثي. ورغم أن هذه الفكرة قد خبت لبعض الوقت بسبب النقد الماركسي الشرس لها، وبسبب كونها السند الأساسي لليبرالية السياسية وللنيوليبرالية ولأشكال الليبرالية التي تعمقت على نطاق واسع في العقود الأخيرة وبخاصة بعد أفول نجم البديل الاشتراكي، وأيضا بسبب الكوارث والأزمات الاقتصادية والمالية التي استفحلت في العقد الأخير نتيجة الاستقلال النسبي للمجالات المالية عن الاقتصاد الحقيقي إلى غير ذلك من العوامل، فإنها اليوم تعود لتبرز نواتها الفكرية الأصلية المتمثلة في الحرية المقسطة والمضبوطة، كما تعود إلى القيام بنوع من النقد الذاتي والتبرؤ من التجاوزات والمغالاة التي طبعت الليبرالية الجديدة وبخاصة في مجالات المال والاقتصاد.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: