الفتوى بين الدين والسياسة

almajlissalilmi

أثارت الفتاوى الصادرة في المغرب مؤخّرا(1) نقاشات ساخنة على أعمدة الصحف ومختلف وسائل الإعلام. هناك لازمة حكمت أغلب هذه النقاشات، وتتمثل في كون الردّ على الفتوى أو نقدها يكاد ينحصر في أهلية المفتي وأحقيته في إصدار ما أصدره، ومدى توفره على الشروط الشرعية اللازمة في كل إفتاء، وكذا صحة ما استند عليه من أدلة شرعية، أو مواجهته بـ أدلة شرعية أخرى تناقض ما ذهب إليه… وهكذا تكاد مناقشة الفتوى أن تتحول، ولو بشكل مسكوت عنه أحيانا، إلى طرح فتوى مضادة .. وكل ذلك يتمّ بحجة أن مناقشة الفتوى أو نقدها يجب أن يتم من “الداخل” ومن خلال الأدوات المعرفية نفسها التي يستعملها مُصدر الفتوى، وهي حجة غير ثابتة لا ينتج عنها سوى تناسل الفتاوى والفتاوى المضادة، وهكذا دواليك في حلقة مفرغة دعامتها الأساسية استشهادات نصّية منتزعة من هنا وهناك، وكأن النص يمكنه أن يقوم مقام الأسباب الفعلية التي تحكم القضية موضوع الفتوى.
لا أدعي هنا نقاشا فقهيا لا يندرج في مجال اهتماماتي .. على العكس من ذلك تماما، سأحاول في هذه المقالة الموجزة، أن أبيّن الضرورة الملحة لنقد مبدأ الفتوى في حدّ ذاته، ومشروعية نقدها من “الخارج”، وراهنية التخلص من سلطة الاستشهادات النصية المرتبطة بظروف ليست ظروفنا، والمحكومة بنوازل لا علاقة لها بأسباب نوازلها.
1- المغالطة التاريخية
كانت الفتوى قديما، كما تقدمها بعض أدبياتها “مجرد إخبار بالأحكام الشرعية” يسعى إلى ملاءمة “النازلة” المستحدثة مع مبادئ الشرع العامة، وقد تكون “خاصة” تهم أمرا شخصيا لمسلم بلحمه ودمه، وقد تكون “عامة” تستتبع أمة بأكملها. في الحالة الأولى، يُضمر مبدأ الفتوى ذلك الانفصال المزمن الذي عاشه المجتمع العربي الإسلامي طيلة تاريخه بين “خاصة” عالمة تملك وحدها، دون غيرها، مفاتيح الشرع وعلومه، و”عامة” جاهلة لا سبيل لها إلى كنه سرّ النصوص الدينية. وفي الحالة الثانية، وهي أقرب إلى “الاستصدار” منها إلى إصدار الفتوى، يتبدى لنا، كيف أن الدولة “السلطانية” (أو الإسلامية إن شئت) غذّت أوهام بعض الفقهاء بكونهم رُقباء على السلطة السياسية وبإمكانهم التأثير في الحياة السياسية عن طريق “خطة الفتيا” وهي خطّة دينية إلى جانب خطط أخرى توجد كلها، إلى جانب “الوظائف السلطانية” الدنيوية تحت قبضة السلطان (أو الخليفة أو الحاكم إن شئت).
هذه المفاهيم المستعملة من قبيل “الخاصة” العالمة و”العامة” الجاهلة .. لا محل لها اليوم (أو على الأقل هكذا ينبغي أن يكون) في لغتنا الحديثة، فلقد تغيرت شروط المجتمع، وأصبحنا جميعا، بمقتضى القانون “مواطنين” متساوين في الحقوق والواجبات دون تفاضل بين خاصة وعامة، وأصبحت الدولة ملزمة بالقانون الذي تسطره دون خرق أو استبداد، كما أن القضايا المستجدة التي نعيشها، مجتمعا ودولة، تدفع الفرد الحائر في اختيار ما أو عمل ما أن يلتمس “الخبرة” عند أصحابها، إن كان الأمر يتعلق بتجارة أو معاملة عقارية أو مشروع ما(2)، كما تدفع الدولة إلى الاستعانة بآراء وتقارير الخبراء المختصين لحل ما أشكل عليها، داخليا أو دوليا .. وهي خبرة مبنية على ضرورات الساعة التي لا ترتفع، وليس على نص أو نصوص منتقاة من هنا وهناك كما قد يفعل المفتون .
2- في استبدادية الفتوى
يُقال إن الفقهاء القدامى المشهود لهم بغزارة العلم، كانوا يتحرجون من إصدار فتوى في موضوع ما حتى ولو كانوا على علم كاف بحيثياته، وبالأحرى أن يصدروها في موضوع أو نازلة يجهلون عناصرها، وذلك كما يُقال تهيبا من عظم مرتبتها وما قد تستتبعه من نتائج يتحمل مسؤوليتها المفتي يوم القيامة أمام الله. وقيل قديما أيضا إن الفتوى “مرتبة شريفة” وإن “العلماء ورثة الأنبياء”، وإن العالم المفتي يقوم مقام النبي. ومن ثم قيل أيضا إن “المفتي موقّع عن الله”. وبدل أن تحدّ هذه الأقوال من غلواء المدّعين وتهيبهم عن الإفتاء، إن لم نقل تبعدهم عنه، نلاحظ على العكس من ذلك، كيف يستغل العديد من الفقهاء هذا “السند” التراثي ليمارسوا استبداد الفكر والرأي الوحيد، باسم الله والدين والصراط المستقيم التي لا يعرفها إلا هم، وهم بالتحديد والحصر.
يتجلى استبداد مفتي اليوم في استعداده الكامل لحشر أنفه في كل القضايا، سواء تعلّقت بما يجب أن يكون عليه الفرد في حياته الخاصة، أو تعلّق الأمر بقضايا المجتمع ومشكلات الاقتصاد ومستلزمات السياسة الداخلية وإشكالات السياسة الدولية، بل وحتّى اكتشافات العلوم الطبية.. وكأنّ علمه “السحري” فاق كل العلوم والتخصصات.
باسم هذا العلم، يتطاول هؤلاء المدّعون على حياة الأفراد الخاصة ليفتوا في لباسهم، وقد ينوّروهم فيما يجب وما لا يجب مشاهدته من برامج تلفزية، هذا إن لم يحرموا مشاهدة التلفزة أصلا، وما يجوز وما لا يجوز في الحياة الزوجية. وقد يصلون إلى أقصى الحدود، فيعلنون تكفيرهم لهذا أو ذاك لرأي عبر عنه أو رواية أبدعها بل وربما لقصيدة شعر ألقاها، بل وقد يلاحقونه حتى بعد وفاته يحجبون عنه هذه الصفة أو تلك. بأي معنى إذن يمكن ممارسة الوصاية على الناس؟ ليس هناك تفسير آخر غير التطاول على حرياتهم والمس بحقوقهم التي تضمنها لهم القوانين المعمول بها. وبهذا المعنى تصبح الفتوى لا قانونية لخرقها مبادئ الحريات الفردية والعامة التي يعود للدولة العمل على حمايتها.

3- من التيسير إلى التعسير
من المعروف قديما أن الفتوى مبنية على التيسير، وأنها لا ينبغي أن تتجاوز في أحكامها “المعهود الوسط” كما يقول القاضي المغربي الأندلسي ابن الأزرق، وأن مبدأها يقوم على الرخصة وليس على “الضغطة”، وأنها تميل نحو “المشهور” وليس نحو الاستثناء كما يقول الفقيه اليوسي، بل إنه يجوز في وضعها طلب “الحيلة” لالتماس حل لنازلة معلقة كما تشهد على ذلك أدبيات “حيل الفقهاء”، وكل هذا حتى لا يعيش المسلم حياته في عسر، ودينه دين يسر.
أما اليوم، فيكفي أن تتصفح لائحة الفتاوى التي شهدها العالم العربي والإسلامي (ومؤخرا بعض الفتاوى المغربية) لتتأكد من قيامها على التعسير على الناس والتضييق على حياتهم من جهة، وعلى انتكاس مفجع يهدد حريتهم في التعبير عن آرائهم. ألا يدخل في باب التعسير على الناس تحذيرهم من سماع الموسيقى والاستمتاع بها، وتحريم الرقص على من أراد الترفيه عن جسده. وكيف تتيسر حياة الناس بترهيبهم من مشاهدة التلفاز أو الذهاب للسينما والمسرح، كيف يكون الإنسان ملك نفسه إن فُرض عليه ارتداء حجاب أو إرسال اللحية دون أن يرغب في ذلك، أما ما يدخل في باب التضييق على حرية الفكر والإبداع عموما، فإن اللائحة تطول بدءا من علي عبد الرازق الذي أدلى برأيه في موضوع الخلافة إلى نصر أبو زيد الذي حاول تطبيق أحدث المناهج على النص القرآني، مرورا بطه حسين الذي شك في تراث ما قبل الدعوة الإسلامية، وصادق جلال العظم الذي قدّم تحليلا للخطاب الديني، ونجيب محفوظ الذي أبدع في رواية رأى فيها البعض سخرية من الدين، وفرج فودة الذي حارب التطرف الديني على أعمدة الصحف، ونوال السعداوي التي جعلت من تحرر المرأة العربية قضيتها، دون أن ننسى ما تفوّه به البعض في حق “الخبز الحافي” للروائي محمد شكري أو “الحريم السياسي” للمرنيسي ..
لا يعني استحضارنا هنا لمبدأ “التيسير” في الفتوى، الدفاع به عن ضحايا الفتاوى التعسيرية، ذلك أن أضمن وسيلة للوقوف ضد هذا السيل من التكفير والتضييق على التفكير هو التشبث بمبادئ الحرية الإنسانية ومن ضمنها “حرية التعبير” كما تنص عليها القوانين الوطنية والمواثيق الدولية.
4- ظاهر الفتوى وباطنها
يستند هؤلاء المفتون في بتّهم في قضية ما على ترسانة هائلة من النصوص بدءا من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية إلى ما أجمع عليه الأئمة .. ودونما مناقشة للتأويلات اللامتناهية، والانتقاءات المتعددة التي تسمح بها النصوص المذكورة، يبدو أن المنهجية (إن كانت هناك منهجية) التي يسترشدون بها معيبة في أصلها. فبدل أن يحتكم هؤلاء إلى وقائع النازلة نفسها وأسبابها في تاريخيتها وشروطها، تكثر عندهم الخطابة والترسل وتحضر العبارات العامة والأخلاقية التي لا تكاد تقول شيئا وتحضر لغة إنشائية تقوم على تركيب الجمل وتوالدها.
والواقع أنه لو انطلقنا من البنية العامة لمثل هذه الفتاوى، وأزلنا عنها إسناداتها محتفظين بـ “متنها” لأصبحنا أمام “موقف سياسي” تقريري لا أقل ولا أكثر.
ظاهر الفتوى أو غلافها “دين” وباطنها أو محتواها “سياسة”. وبعبارة أخرى، إنّها تركب الدين لمآرب سياسية وتستعمل “المقدس” وتراث الأمة “المشترك” لتحقيق مصالح دنيوية آنية وفئوية. والأدهي من ذلك أنه يمكن استعمالها، وتُستعمل فعلا، لتحقيق مآرب تجارية بحتة، قد يصل مداها إلى استراتيجيات شركات كبرى وهذا ما يتضح في تحريم أو التحذير من استهلاك “منتوج” بعينه، والحث والترغيب في استعمال “بضاعة استهلاكية” أخرى، ناهيك عن تناسل “دور الافتاء” التي عملت بعضها على إدخال مواقع لها عبر “الأنترنيت”، وفي العديد من الفضائيات العربية.
وأخيرا، تؤكد قرائن التاريخ أن “الفتاوى” تزدهر وتنتعش عندما يكون المجتمع ضعيفا، مغلوبا على أمره وفي “حالة دفاع” عن نفسه أمام مستجدات حركة التاريخ. ويكفي هنا أن نعود إلى مغرب القرن التاسع عشر، وقد فاجأته أوربا الصاعدة بآلاتها الحربية، واكتشافاتها العلمية ومنتجاتها الاقتصادية وتنظيماتها الإدارية والسياسية، لنرى كيف كان على فقهائه ومتفقهيه أن يجدوا ألف حل وحل، تارة بالتحريم، وتارة بالإباحة أو ما بينهما، للتلاؤم مع المستجدات الواردة عليهم ..
وإذا كان الضعف التاريخي من الأسباب الحقيقية لتناسل الفتاوى، فهناك سبب آخر جوهري يجعلها على الدوام، سيفا مسلّطا على رقاب المجتمع، وهو الخلط المزمن بين مجالين ينبغي الفصل بينهما لطبيعتهما المتعارضة، الدين والسياسة. ” وما دام الديني لم يستقل عن السياسي، أي ما دامت الدولة لم تؤسس قواعدها في استقلال عن الشريعة، أو تقتطع لنفسها مجالا مدنيا لا دخل لما هو ديني فيه، فإن المجتمعات الإسلامية ستعرف دائما سلطة الناطقين باسم الشريعة، وسيظل الباب مفتوحا باستمرار لمختلف أصناف الأصوليين في المستقبل كما في الماضي”(3).

(1) نشير على الخصوص إلى ما أصدره “المجلس العلمي الأعلى” مؤخرا حول قضية “الرّدة” وقضايا أخرى، وما دأب عبد الباري الزمزمي على نشره في مواضيع مختلفة، وخاصة ما فاه به في حق السياسي المغربي المهدي بن بركة الذي ما زال اغتياله محط سؤال، والذي لا يستحق في نظر هذا ” العالم ” صفة ” شهيد ” وأيضا ما أصدره المغراوي حول مشروعية الزواج بقاصر، وما سبق لإدريس الكتاني أن صرّح به تعليقا على الحفل الديني الذي شهدنه كنيسة “سان بيير” بالرباط، وأيضا ما أصدره البعض في حق الأديبة المغربية حكيمة الشاوي بسبب قصيدة شعر .. هذا دون أن نتحدث عن عشرات أشباه الفتاوي المتداولة عبر ” الكاسيط ” والأنترنيت…
(2) لا أتحدث هنا عما يمكن أن يرتبط بمجال ” العبادات ” مثل الوضوء والصلاة والصوم والحج وما قد تتطلبه من استشارات يجيب عنها الفقهاء المختصون في هذا المجال.
(3 ) – علي أومليل، السلطة الثقافية والسلطة السياسية، مركز دراسات الوحدة العربية 1996

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.

يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button