الدولة المدنية والتحديات الاقتصادية في العالم العربي : عوائق النمو وأعطاب الدولة

DSC02470

نظم المركز العلمي العربي الأبحاث والدراسات الإنسانية بمقره بالرباط الحلقة الثالثة من سلسلة آفاق الدولة المدنية في العالم العربي حيث عنوان: “الدولة المدنية وتحديات الاقتصاد السياسي في العالم العربي”، وذلك بتاريخ 18 ماي 2013 وكان برنامج الندوة على جلستين، ففي الجلسة الأولى التي ترأسها الدكتور محمد سبيلا تم تقديم مداخلتين لكل من د. عمر الكتاني وهو أستاذ الاقتصاد بجامعة محمد الخامس بالرباط تحت عنوان: “التمويل الاجتماعي الإسلامي لمشروع التنمية العربية”، ومداخلة د. عثمان كاير أستاذ الاقتصاد بجامعة الحسن الثاني بالمحمدية في موضوع “واقع اقتصاديات دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط”.
أما في الجلسة الثانية التي كانت برئاسة الأستاذ رشيد أوراز، فقد تم أيضا تقديم مداخلتين الأولى لـ د. سعيد حنشان، مدير الهيئة الوطنية للتقويم في المجلس الأعلى للتعليم في موضوع “أية آليات من أجل تحقيق الازدهار” والثانية لـ د. نوح الهرموزي أستاذ الاقتصاد بجامعة ابن طفيل بالقنيطرة ورئيس المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية في موضوع “قراءة في مغالطات الاقتصاد السياسي العربي”، وقد انكب الباحثون المتدخلون في الندوة من مقاربات متنوعة ومدارس اقتصادية مختلفة على مساءلة السياسية الاقتصادية المعتمدة في البلدان العربية وتشخيص اختلالاتها.
وفي هذا السياق، يمكن صيغة مجموعة من التساؤلات التي سعت المداخلات للإجابة عنها ومن ضمنها التساؤل عن مكامن العطب والاختلالات في الاقتصاد العربي ودوله، وما هي عوائق النمو والتنمية ؟ وهل يمكن تحقـيق النمـو والتنمية بتدخل من الدولة وهيمنتها أم باستقلالية عنها ومن طرف المجتمع المدني ومبادراته ؟ وبالتالي هل لازالت هناك الإمكانية للمراهنة على الدولة في الإصلاح وتجاوز العاهات الاقتصادية الداخلية التي يعرفها العالم العربي؟ أم أن تدخلاتها لا تنتج إلا الكوارث والأزمات ؟ ثم أي دور للطبقة الوسطى؟ وهل هي قادرة كما حدث في أوروبا على القيام بدورها الاجتماعي والسياسي والاقتصادي؟ وهل هي فعلا مؤهلة لذلك ؟ أما أنها ضعيفة ومتخلفة وعاجزة ؟ إذا كان كذلك فما هي أسباب هذا العجز ؟ ثم وفي سياق الربيع العربي وبعد صعود المد الإسلامي وبعد أن تعالت أصوات تطالب بالاقتصاد والتمويل الإسلامي، ما هي خصائص هذا النوع من الاقتصاد ؟ وهل هو قادر على تقديم الحلول والبدائل، أم أنه مجرد ليبرالية مقنعة بالدين؟ وبالتالي يندرج ضمن المغالطات الكثيرة التي تحيط بالدولة وبالاقتصاد والسياسي في العالم العربي. وأخيرا إذا كانت هناك أعطاب واختلالات ولا مساواة وتفاوتات فما هي الحلول؟ وما هي الأولويات والمقاربة الممكنة ؟ وهل ينبغي الارتهان “للسوق” أم لإصلاح المؤسسات كشرط لتحقيق النمو الاقتصادي والتنمية ؟ وأي دور للرأسمال البشري وللمؤسسات التعليمية ؟
وللإجابة عن هذه التساؤلات جاءت أولى المداخلات للدكتور عمر الكتاني من منظور الاقتصاد والتمويل الإسلامي حيث انطلق من تشخيص للوضع الاجتماعي في العالم العربي، والمغرب اعتمادا على معطيات التقارير الأخيرة للبنك الدولي والتي استخلص منها أن أكبر عطب يعرفه النمو والتنمية في المجتمعات العربية وضمنها المغرب هو بطالة الشباب غير الحامل للشهادات التأهيلية، وتساءل الباحث عن مصدر هذه البطالة الذي أرجعه إلى الهجرة من البوادي إلى المدن نتيجة تسريح هؤلاء أو مغادرتهم للعمل في القطاع الفلاحي (في سنة 2011 مثلا تم تسريح 80 ألف عامل)، وهؤلاء هم ما يشكل أحزمة وشبكات الفقر في المدن والضواحي وظواهر الفرَّاشة والمخدرات إلخ. فالبوادي إذن حسب د. عمر الكتاني هي مصدر “الأوبئة الاجتماعية” وأن هجرة الشباب إلى المدن مع عدم قدرتهم على الاندماج هو ما ينتج مشاكل المدن، وهذه الظاهرة كما يرى د. الكتاني تتكرر في عدد من الدول العربية التي لديها قطاع فلاحي، فكيف إذن يمكن معالجة هذا الاختلال ؟ في نظره الحلول تمر عبر ثلاثة عناصر إرادة الإصلاح وقوة الإصلاح والتخطيط للإصلاح.
وفي المغرب يقول د. الكتاني أن قوة الإصلاح بالنسبة لحكومة العدالة والتنمية غير متوفرة. وفي هذا الإطار يقترح ذ. الكتاني كحلول الانطلاق والبدء بالإصلاح والتنمية ليس من المدن، ولكن من المراكز القروية والمدن الصغيرة، وذلك بخلق ما يعرف بقرى التنمية المستدامة، وذلك بتوفير الخدمات وإمكانية التشغيل في القرى والمدن الصغرى للحد من الهجرة واستيعاب الشباب سواء في قطع العمران والبناء أو بتطوير المؤهلات الطبيعية لهذه المناطق سياحيا واقتصاديا. وبخصوص مسألة التمويل وكإجابة عن السؤال من يمول؟ وهنا بيت القصيد يقترح ذ. الكتاني إحداث صناديق كصندوق الزكاة والأوقاف والتكافل الاجتماعي وغيرها، وهذه أشكال معروفة في التاريخ الإسلامي. أما المصدر الثاني فيأتي من التمويل المصغر الإسلامي، وقد أكد ذ. الكتاني في معرض تقديمه لاقتراحاته على وجود خطا “ترتكبه الدول العربية ونخبها الحاكمة، وهو أخذها للنموذج الاقتصادي الغربي الذي هو في اعتقاده غير صالح للمجتمعات العربية، وهكذا يكون الحل بالنسبة له من منظوره الإسلامي هو توظيف التمويل الإسلامي اللاربوي لدعم مشاريع التنمية ولتجاوز الاختلالات التي هي بالأساس اجتماعية تتمظهر عنده بالأساس في بطالة الشباب ومصدرها الهجرة من البوادي.
لكن للأستاذ عثمان كاير رأي آخر ومقاربة مختلفة لأسباب الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلدان العربية..، وهكذا ومن منظور نقدي للتصور الاقتصادي الإسلامي التي لا يرى فيه الباحث في العمق سوى شكل من أشكال الليبرالية اعتبر أن المطلوب هو الابتعاد عن التصورات الدينية سواء في السياسة أو الاقتصاد، وهنا أكد على أن الهدف ينبغي أن يكون هو بناء الدولة المدينة وإقرار مؤسسات سياسية وقانونية بعيدة عن التأثيرات المذهية والدينية وهذا المطلب يرى الباحث د. عثمان كاير أنه على المستوى الواقعي لم يتحقق في البلدان العربية منذ الاستقلال. وهذا ما يحيل على تجليات أزمة الدولة الوطنية وأعطابها والتي حددها في عطب المشاركة فالدول العربية إقصائية لا يساهم فيها المواطن بشكل فاعل، وعطب المشروعية الذي يؤدي إلى تغليب الهواجس الأمنية على حساب النجاعة الاقتصادية والتنموية ثم عطب التنمية وتراجع مؤشرات النمو مع وجود مشكل الحكامة، إضافة إلى تضخم البيروقراطية والفاسد وتضخم المديونية… كما يحلل الباحث في السياق نفسه وجود أزمة طبقة وسطى وعدم وجود طبقة برجوازية قوية ومستقلة لأنها نشأت في أحضان الدولة وامتيازاتها، لهذا يرى الباحث أنه لا يمكن أن ننتظر منها الكثير. وعليه فإن حل الأعطاب والاختلالات الاقتصادية والاجتماعية لا يمكن أن يتم إلا بدولة مدنية أي دولة المواطنة والديمقراطية، مما يعني ضرورة إيلاء الأهمية للإصلاح السياسي المؤسساتي باعتباره إحدى المفاتيح الأساس للنمو والتنمية الاقتصادية.

DSC02537

من نفس الزاوية ينطلق ذ. سعيد حنشان ليقدم مقاربة مؤسساتية تنبني على تشخيصه للمؤسسة التعليمية والمنظومة التربوية بالمغرب باعتبار الدور الأساس الذي تقوم به هذه المؤسسة في عملية الإدماج في سوق الشغل. ونظرا كذلك لما للرأسمال البشرية من أهمية في تحقيق النمو والتنمية والسؤال الذي طرحه الباحث بخصوص هذه المؤسسة يمكن صياغته كالتالي: ما هي الموانع والقيود التي تعوق المؤسسة التعليمية في المغرب من أجل أن تقوم بدورها في تحقيق النمو والتنمية في إطار المساواة وعدم التفاوت؟ وبالتالي كيف يمكن للمغرب (وللبلدان العربية) خلق نمو اقتصادي يؤدي إلى تقليص التفاوتات الاجتماعية ؟ هنا وكجواب يقف الباحث عند مؤسسة التعليم في المغرب مشخصا اختلالاتها، وبعض أعطابها حيث سجل ضعف مستوى وجوده التعليم في المغرب وعدم قدرته على التقليص من التفاوت، وهذا من شأنه أن يكون مصدرا للإقصاء والتوترات الاجتماعية وإضعاف للطبقة الوسطى. وسجل في هذا السياق أيضا ضعف سنوات التمدرس وتدنيها مقارنة مع دول أخرى. حيث يصل في المغرب 5 سنوات بينما نجد تركيا مثلا لديها متوسط التمدرس يصل إلى 7 سنوات، فكيف يمكن تحقيق هذه النسبة؟ يرى الباحث كجواب أن ذلك يتطلب على الأقل 20 سنة لكي نصل إلى المعدل أو المستوى المطلوب دوليا. صحيح يقول ذ. سعيد حنشان بأن المغرب تطور وحقق في السنوات الأخيرة نسب نمو مرضية بحيث أن مغرب سنة 2000 ليس هو مغرب 1980، ومغرب 1980 ليس هو مغرب 1970، لكن مع ذلك فهناك تفاوت ولا مساواة سواء على مستوى الدخول (المداخيل) أو على مستوى الثروات، ذلك كما يؤكد على ذلك الباحث “أن التنمية التي لا تتماشى مع المساواة يمكنها أن تكون مشكلا”، وهذا ما حصل فعلا في الحقل التعليمي ومؤسساته حيث سجل الباحث ارتفاع مؤشر اللامساواة بشكل ملفت، فما هي إذن الحلول والمقترحات للحد من هذه الفوارق والتفاوتات التي تؤثر في النمو الاقتصادي وتنتج الفقر والبطالة؟ فتعليمنا مردوديته وجودته ضعيفة وهو يتيح البطالة وكل سنة يخرج خمسمائة متخرج، ثلاثمائة وخمسون منهم بدون تكوين حقيقي ومائة وخمسون ألف هي التي تذهب إلى التكوين المهني. والنتيجة بالنسبة للباحث أن النظام التعليمي المغربي عاجز، ومتخلف وهو بالتالي عائق للنمو، كيف يتم إصلاحه؟ وكيف يتم من خلاله وبشكل جيد الاستثمار في الرأسمال البشري ؟ هذا يتطلب في نظره سياسة إصلاحية للنظام التعليمي من أجل تجاوز أعطابه واختلالاته وعجزه، والبداية كما يقول ينبغي أن تكون من المرحلة الإعدادية، كما أنه ينبغي الانتقال من سياسة تعليمية ترتكز على الكم إلى النوعية، وكذلك ربط السياسة التعليمية بالسياسة الاقتصادية التي تسمح بتوفير مناصب الشغل. والذي سيقوم بهذا بالنسبة للباحث هو الدولة فالدولة هي المسؤولة والمؤهلة لذلك. وهو بهذا يراهن على الدول أكثر مما يراهن على فاعلين آخرين، بما فيهم المجتمع المدني. إضافة إلى اعترافه بدور الطبقة الوسطى كمحرك التنمية والنمو في المجتمع وبالتالي فهو يدعو إلى تقوية هذه الطبقة وعدم إضعافها.
غير أن ذ. نوح الهرموزي في مداخلته لم يكن يشاطر ذ. سعيد خشان رأيه بخصوص الدور الكبير الذي أسنده للدولة. وأوضح في مداخلته أن الرهان على الدولة كمنقذة هو من جملة المغالطات التي ينبغي الكشف عنها. ذلك أن الدول حسب د. نوح الهرموزي فشلت فشلا ذريعا في إيجاد حلول لمشاكل التخلف في البلدان العربية وحتى بالنسبة للبلدان المتقدمة، وقدم عن ذلك عدة أمثلة وتجارب كأزمة الديون السيادية سنة 2012، حيث وصلت الدول إلى مستوى عدم قدرتها على سدادا الديون بما فيها أكبر دولة هي الولايات المتحدة الأمريكية ! وهناك أمثلة أخرى من فرنسا حيث الانكماش الاقتصادي الذي جعل فرنسا في وضعية فشل حسب تصريح لوزير العمل الفرنسي، والنموذج الايطالي كذلك وما يعرفه من فساد وارتشاء. والنتيجة بالنسبة للباحث هي أن القول: “بأن الدولة هي الأم الحنون” مغالطة وأسطورة… وأنه من المفارقات أن تعترف بفشل الدولة ونطالب في الوقت نفسه بالإصلاح عن طريق الدولة؛ أما ما يسمى بالاقتصاد الإسلامي وهل يشكل هو الآخر حلا فإن د. الهرموزي يرى بأن هناك أولا إشكال بخصوص هذا المصطلح أو المفهوم وتساءل هل يتعلق الأمر باقتصاد إسلامي أم مالية إسلامية؟ وهنا أشار إلى أنه لا ينبغي إقحام الإسلام في هذا المجال، فالإسلام ليست له حلول لكل القضايا الاقتصادية، وأن اقتصاد الوقف أو الزكاة لا تمثل منظورا اقتصاديا وفي هذا السياق، أحال د.نوح على بعض الانتقادات الموجهة للاقتصاد والصيرفة الإسلامية.
وعموما قدم ذ. نوح قراءة نقدية لمغالطات الاقتصادي السياسي العربي… بدءا من مغالطة الرهان على الدولة في الإصلاح والتقليل من دور المجتمع المدني والرهان على الاقتصاد والتمويل الإسلامي. وهكذا تكون مداخلته كما قال عند بدايتها هي فعلا محاولة للتغريد خارج السرب وما أحوج الاقتصاديين إلى مثل هذه التغريدات الناقدة التي تخلخل وتتحرر من ثقافة القطيع والدوغمائية.
وختاما فإن ندوة الدولة المدنية وتحديات الاقتصاد السياسي في العالم العربي فضاء للحوار والتناظر بين عدة مكونات ومدارس اقتصادية إسلامية وليبرالية واجتماعية ديمقراطية…إلخ، كما تم فيها توظيف عدة مقاربات، وكان “الهم” المشترك بين كافة المتدخلين إضافة إلى التشخيص لأعطاب الوضع الاقتصادي والاجتماعي ومكانة الدولة في البلدان العربية … هو تقديم مقترحات وآراء للتغلب على الموانع والعوائق الداخلية والتي تتسبب في المشاكل المعرقلة للنمو الاقتصادي في البلدان العربية، أخذا بعين الاعتبار إضافة إلى ما هو مشتركة بين هذه البلدان ما هو خاص بكل بلد … وكمان يقول الاقتصادي دوني رودريك :”فلكل بلد قيوده الداخلية وتربته الخاصة التي تتطلب الإصلاحات الملائمة لها”.

أعد التقرير الأستاذ إبراهيم أعراب
باحث في المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”

يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: