“الثورة” كحلبة صراع

الحكم لمصلحة الشعب

فجرت الثورات الجماهيرية العربية لبدايات الألفية الثالثة الكثير من الآمال، وعدلت الكثير من التصورات القائلة برتابة التاريخ العربي الحديث على الرغم من كل الحركية البادية على سطحه.

فقد كشفت الصدفة التاريخية عن عمق الخيبات والمشاعر السلبية والأحقاد السياسية المتراكمة في المجتمعات العربية بعد عقود من حصولها على الاستقلال السياسي وعقدها آمالا عريضة على أن تحقق التقدم والنمو وكرامة المواطن ودولة القانون فإذا بها أداة في يد العسكريتاريا أو الاوليغارشيات أو الوراتيات لبتي حكمت وسيطرت تحت شعارات براقة مختلفة (التحرر الوطني – الاشتراكية – العدالة الاجتماعية – استعادة الهوية المجروحة…).

إلا أن هذه الحيوية والحركية الطافحة بالآمال تصطدم اليوم بصلابة الواقع القائم وبارتباطاته الداخلية والخارجية المختلفة وبعسر تحقيق الحلم التاريخي الجذاب.

ومن ثمة حالة البين بين وهذا المخاض التاريخي العسير المتأرجح بين الرغبة في التقدم من جهة والانشداد العضوي إلى عوامل القصور الذاتي والانجرار إلى الوراء من جهة أخرى، حيث بدا أن الواقع والبنيات القائمة أكثر صلابة من النيات والإرادات والأحلام. وعلى مستوى الفعل والنية كان هناك اتفاق على ما يجب أن يزول أو يسقط من رموز القمع والفساد لكن لم يحصل اتفاق حول خطوات التشييد وإعادة البناء.

تدور معظم الدراسات التي أنجزت حول “الثورات” العربية حول مقولة السببية إما في صورتها المباشرة: القمع – الإفقار – التهميش – الاحتقار – الفساد المالي والأخلاقي للدولة وأجهزتها وقراباتها…) أو من خلال السببية غير المباشرة أو غير الجاحظة والتي كانت بمثابة أرضية تهيأت عليها الأسباب المباشرة. وهذه السببية هي أرضية طويلة المدى والتي يمكن تلخيصها في العناصر التالية: الخصوبة – التحضر المعماري – التمدن السكني – التقلص التدرجي للأمية واكتساب درجات التعلم ورديفه الثقافي النسبي – التنامي التدريجي للوعي الثقافي – ورديفه السياسي بما يتضمنه من وعي بالحقوق وبآليات استحصالها – النمو التدريجي البطئ للحس الفردي والمسؤولية الفردية – تيسر الأدوات التقنية التي وفرتها الثورات العلمية والتقنية المتلاحقة على مستوى العالم والتي يسرت التواصل الواسع والتجييش وتضاعف الفعالية الفردية… وإمكان الانفلات من القبضة الحديدية للأمن والمخابرات…

هذا منظور باراديغمي صحيح وتتزايد مصداقيته كلما تم تدقيق ووصف مكوناته ومعطياته، غير أنه يمكن أن يغني ويطعّم بمنظورات أخرى كمنظور السيرورة والمخاض والسياق ومنظور المئال والغاية.

الباراديغم الثاني، الذي ينطلق من منظور السيرورة يمكن أن يعتمد على استخلاص جوهر مكونات الباراديغم: الأول، باراديغم السببية، بعد تحويله إلى معطى بنيوي متولد عن عملية التحديث التلقائي التي شهدتها المجتمعات العربية بدرجات متفاوتة خلال مرحلة الاستعمار ثم خلال مرحلة الاستقلالات. فالخصوبة والتعمير والتمدن والتمدرس والتعلم وتنامي الحس الفردي واستعمال الأدوات التقنية المختلفة، وانطلاق تجارب التحديث السياسي على بطئها وتلوثها (الدستور-الانتخاب-المجالس البلدية-البرلمان-الأحزاب…) كلها عناصر مرتبطة في النهاية بعملية التحديث التدريجي ولو البطئ للبنيات الاجتماعية، وكأن هذه “الثورات” أو التمردات هي من جهة تمثل بطئ لعملية التحديث ومن جهة أخرى استجابة لمفاعيلها ولمتطلباتها، بل وكأنها في العمق صراع بين البنية الاجتماعية والثقافية العربية التقليدية وبين مداهمات وتحريضات التحديث. وهذا ما يجيز لنا الحديث عن الباراديغم الثاني باراديغم السيرورة، بل الصيرورة في سياق مخاض التحديث.

هذا الباراديغم الثاني يتيح لنا فرصة النظر إلى أحداث ما يسمى بالربيع العربي من حيث هي مفاعيل مباشرة أو غير مباشرة لعملية التحديث، ومن حيث هي إلى درجة كبيرة مراحل ومخاضات لعملية التحديث في وجهيها التفعيلي والانفعالي، باعتبار هذه الأخيرة سيرورة تتحكم فيها عوامل موضوعية ذات سمات كونية تصطدم بردود فعل البنيات التقليدية للمجتمع وللسلطة وللذهنيات والثقافة، سواء من زاوية كونها مقاومات واعية وقصدية أو من حيث أنها تعبير عن المقاومات الناتجة عن “القصور الذاتي” لبنيات راسخة تحمي ذاتها وتتمسك بالاستمرار في الحياة في مواجهة عوامل الإزاحة والتقليص والتدجين.

وبما أن سيرورة التحديث ومخاضاته هي عملية مركبة وشائكة بسبب تداخل عوامل بنيوية عديدة وبسبب اندراجها بدرجات متفاوتة في آلية الاستعارة والتمويه والمكر التي كان للسوسيولوجي الفرنسي جورج بالاندييه سبق الإشارة إليها وفضل متابعة بعض مظاهرها، فسأكتفي هنا بالتركيز على بعض مظاهر الصراع الإرادي واللاإرادي التي تغشى أحداث الربيع العربي بعيدا قليلا عن منظور السببية وقريبا بشكل أكبر من منظور السيرورة.

هذا الاختيار المنهجي ببعديه المنظوري (أو السيروري) والتحديثي يفرض إيلاء الأولوية للسياق ولعناصر التفاعل الحاد بل الصراع بين التقليد والتحديث أو حسب تشخيص محمد حسنين هيكل “التصادم بين التيار الديني الذي يمثل الموروث والتيار المدني الذي يمثل العصر” (حوار مع CBCفي 2013/03/14)، أو بتعبير آخر أيضا التصادم بين مشروعية (ثقافية) مستندة لشرعية الصندوق، وشرعية ديمقراطية لم تتغلغل ثقافيا ومؤسسيا في ثنايا الجسم الاجتماعي، أي صراعا بين قوى اجتماعية وتاريخية بمرجعيات أو بطوباوات مختلفة بل متصارعة طوبى إسلامية وطوبى حداثية.

إذا تقبلنا هذه الفرضية السياقية التأويلية مع ما يرافقها من تحديدات وحذر منهجي فإننا نستطيع أن نجازف بالقول أن مقدمات وفرشة “ثورات” الربيع العربي كانت هي التحولات المختلفة الناتجة عن الانخراط المحلي الكوني في سيرورة التحديث العالمية (الخصوبة، التعمير، التمدن، التمدرس، التثقف، التنشئة السياسية وثقافة الحقوق)، وأن اندلاعها واشتعالها تكثف في حدة الاستبداد السياسي والتفقير والتحقير والتفاوت الفاضح، زان سياقها وسيرورتها اللاحقة تمركزت على الصراع حول الأداة/الغاية أي الدولة ومن ثمة علاقة الدين بالدولة، وموقع الدين في الدولة وهل يتعلق الأمر ؟؟؟؟ السير في اتجاه ثقافة العصر أي في اتجاه إقامة دولة مدنية (غير عسكرية، غير دينية) ديمقراطية أم بالعودة إلى النماذج التقليدية التراثية أو الدولة السلطانية الجامعة بين طوبى الدين وطوبى الدنيا والتي يمثلها أو يلخصها شعار: دولة مدنية بمرجعية دينية هل الدولة الدينية أو دولة الخلافة محاولة لاسترجاع حضور وقوة الدين أم استعادة لحلم إمبراطوري؟

تتفرع عن هذا الخلاف المركزي الأساسي عدة فروع وإشكالات تعتبر اليوم مدار النقاش والصراع الحاد القائم في جل البلاد العربية بما في ذلك تلك التي لم تكتو مباشرة بنيران ما يسمى بالربيع العربي الأحمر مثل المغرب.

تتداخل في هذا الصراع عناصر وأبعاد ثقافية وعناصر سياسية وعناصر اجتماعية، وهو صراع حاد ومحتدم لا فقط بين معسكرين متقابلين بل ينعكس ويغلى داخل كل معسكر على حدة.

ممكن إجمال عناصر هذا الصراع في القضايا التالية: الدولة الدينية والدولة المدنية، مسألة الشريعة – تطبيق الحدود الجسدية: (الرجم، قطع الأطراف، القتل…) مسألة الجنس (الزواج الأحادي، والزواج التعددي، وسن الزواج، والزواج العرفي، ونكاح المسيار، زواج المتعة…) وقضايل اللهو والقمار ومسألة اللباس والزينة (اللحية، والحجاب، والعرى، السروال…) وقضايا التغذية (لحم الخنزير، الحيوانات ؟؟؟؟ والمتوحشة والمصيدة، وذات الناب… والكحول والمسكرات) وقضايا حرية العقيدة (الذمية والردة…) والفن (التصوير والتمثيل..) والمرأة (حدود حريتها مسألة العورة، مسألة الإرث، قضايا الإمامة والسياقة والرياضة والسياسة…)، مسألة العلاقة بين الشورى والديمقراطية، قضايا الفتوى والتكفير وأسلمة الحياة العامة والدولة الاقتصاد ومسألة الربا…

يبدو أن الصراع يتمحور في الظاهر المعلن حول السياسة وأساليب الحكم وأسسه ومرجعياته (الدستور، البرلمان، مسألة فصل السلط…) لكن ذلك ليس إلا الجزء الظاهر من جيل الثلج إذ أن وراء كل القضايا السياسية قضايا فكرية وثقافية عميقة حول الحق والقانون والحرية والإنسان والمقدس… هي أيضا محل خلاف، وبالتالي فهو صراع يضمر خلفيات ومنازع شمولية.

لذلك فإن هذا الصراع التاريخي المحتد الذي فجرته “الثورات” العربية هو صراع متعدد الأبعاد فهو صراع سياسي حول السلطة، وصراع اقتصادي حول الخيرات والمكاسب، وصراع فكري وثقافي حول معنى العالم، هذا إذا وضعنا السياقات والرهانات الجيوستراتيجية موقتا بين قوسين.

يميل بعض المستلهمين لروح التحليل الماركسي إلى اعتبار هذا الصراع صراعا حول المكاسب والمغانم، ويتم إلحاق الصراع السياسي كأداة ملحقة بالصراع الأم باعتباره مجرد أداة، لكن يبدو أن هذه الاختزالية هي اختزالية إسقاطية. فهذا الصراع في عمقه صراع فكري وثقافي بين رؤيتين يطغى فيهما التعارض على التصالح أو التواؤم. ويأخذ العنصر السياسي أهميته وحاسميته من حيث كونه أداة لتحقيق هذه الرؤية أو تلك في نوع من التسليم بأن الدولة والأدوات السياسية هي أدوات قيادة المجتمع وتوجيهه في هذا الاتجاه أو ذاك.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: