ظاهرة الريع في العالم العربي

ecorente

لطالما اعتبر علماء الاقتصاد الكلاسيكين الريع كأحد المداخيل المتأتية من استغلال الأرض، وقد اعتبره دافيد ريكاردوDavid Ricardo عائدا يقدمه الفلاح لمالك الأرض مقابل استغلاله لهذه الأخيرة.

ومع بروز شمس مدرسة الخيار العام في أوائل السبعينات وكتابات جيمس بوكانانJames Buchanan وغوردن تلوكGordon Tullok تمت مراجعة هذا المفهوم وتحديث استعمالاته. فقد أضحى مفهوم اقتصاد الريع في معناه الواسع يشمل المداخيل المتأتية من خيرات طبيعية، بالإضافة إلى الأنشطة والممارسات الاقتصادية التي يحصل فاعل اقتصادي (فردا أو جماعة أو شركة أو مؤسسة) من خلالها على مداخيل دون تحمل مخاطر اقتصادية أو دون مجهود أو عمل للحصول عليها أو الحفاظ على فاعليتها.

برز إجماع في أواخر التسعينيات بين الاقتصاديين على اعتبار اقتصاد العالم العربي وخصوصا الدول المنتجة للمحروقات، نفط، غاز طبيعي، معادن وغيرها اقتصادا ريعيا. حيث تجد مداخيله أصلها في هذه الثروات الطبيعية التي غالبا ما يتم استغلالها بدون خلق أية قيمة مضافة. على خلاف الاقتصاديات الإنتاجية في الدول المتقدمة والناشئة التي تتمكن من خلق قيمة مضافة وإيرادات مالية دون الاعتماد على الثروات الطبيعية. فطالما سميت مصر في أدبيات الاقتصاد ببلاد الريعات الأربعة: ريع الغاز الطبيعي وريع السياحة وريع مداخيل قناة السويس وريع المساعدات الأمريكية. كما أن الجزائر وسوريا ودول الخليج تعتمد اعتمادا كاملا على ريع المحروقات. الأمر الذي جعل الاقتصاديين يؤكدون أن أغلب الدول البترولية العربية أصيبت ب”لعنة النفط”. لعنة حذر منها في أواخر الستينيات المفكر والفيلسوف ووزير النفط الفنزويلي ألفونسو بيريزJuan Pablo Pérez Alfonzo مدركا كيف تحاك المؤامرات العالمية من أجل النفط، وعاين الفساد الإداري والتبدير والمحسوبية التي تنهش جهاز الدول والبيروقراطية في البلدان التي اممت الثروات النفطية، فاعتزل السياسة وختم بمقولته الشهيرة “عشر سنوات من الآن… عشرين سنة من الآن… النفط سوف يجلب لنا الخراب… النفط هو فضلات الشيطان.”

ومن زاوية الاقتصاد الجزئي والمقاربة الميزو اقتصادية(Méso-économique) تنضوي تحت هذا التعريف عائدات ومداخيل استغلال البيئة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، دون أن ينتج ذلك عن نشاط اقتصادي أو ممارسة في إطار اقتصاد حر تنافسي شفاف تسوده مساواة الجميع أمام القانون. كالريع المتأتي عن استغلال النفوذ والعلاقات والزبونية، بالإضافة إلى الأرباح الناجمة عن غياب فضاء حر تنافسي ونزيه، كما يمكن أن يصنف في هذا الإطار الريع الناتج عن الاستفادة من وضعية احتكارية محمية بقرارات سياسية وحواجز جمركية.

يمكن للمتتبع للاقتصاد المغربي على سبيل المثال أن يلاحظ وجود عدد من الأنشطة والممارسات الاقتصادية المدرة لهذا النوع من المداخيل الريعية. فرغم غياب أرقام رسمية تعكس حجم هذا المجال، يمكن الحديث عن قطاع ريعي يكلف ميزانية الدولة ملايير الدراهم من خلال أنشطة لا تخضع لأي نظام ضريبي ولا للمسائلة أو المراقبة، ومن تمظهراته في المغرب نذكر على سبيل المثال: مأذونيات النقل، رخص الصيد في أعالي البحار، رخص استغلال مقالع الرمال، استغلال وتفويت أملاك وزارة الأوقاف، استغلال مصادر المياه المعدنية، أنشطة شركات التدبير الفلاحي التي تستغل أراضي الدولة، رخص إستغلال وسائل النقل الحضري، احتكار بعض الشركات العامة والخاصة النافذة لقطاعات إنتاجية كقطاع الطيران، احتكار إنتاج السكر… إلخ.

ومن بين المظاهر التي تعتبر ممارسات ريعية نذكر أيضا غياب المنافسة لعدد من الشركات النافذة. كما أن المقاربات والنظريات الاقتصادية التدخلية التنظيميةRégulationniste ساهمت في خلق بؤر ريعية، من خلال السياسات الحمائية الاحتكارية، كالذي نراه في الفضاء السمعي البصري والاقتصار على القنوات العمومية المكلفة الإنتاج مقارنة مع جودة برامجها. فغياب الترخيص لإنشاء قنوات خاصة أمر جعل المغاربة يدفعون ضرائبهم لتمويل قنوات عمومية لا تستجيب للحد الأدنى من تطلعاتهم، إنه إذن قطاع إعلامي عمومي يستفيد من وضعية احتكارية ريعية في غياب أية منافسة، مما ترتب عنه نسب مشاهدة ضعيفة بالنظر إلى رداءة جل مخرجات هذا القطاع.

يجعل غياب معلومات دقيقة من الصعب تقديم معطيات رقمية حول هذا الاقتصاد، ولكن يمكن تقدير خسائره بملايير الدولارات. كما أن المستفيدين منه لا يساهمون من خلال المنظومة الضريبية في المجهود الجماعي (كبناء الطرق والمستشفيات). فهو أمر سلبي يرسل إشارات سيئة للمستثمرين المغاربة الذين يقتنعون أن الحصول على مداخيل بالمغرب، يشترط الدخول في نسق الريع وهذا يجعل الآية مقلوبة.

إن انتشار الممارسات الريعية يساهم في تكتل الثروات بين يدي فئة قليلة تستفيد من قربها وتزلفها ومحاباتها للسلطة المركزية وحماية هذه الأخيرة لها، وهو ما أدى إلى نشوء أفراد وقطاع خاص طفيلي يعتمد على انتهاز الفرص لتكوين أموال وثروات من جراء إقصاء المنافسة والمحاسبة والاستفادة من الامتيازات؛ وقطاع عام ذو كلفة باهظة ومردودية هزيلة. وبالمحصلة ظهور أمراض اقتصادية وفاعلين وكائنات اقتصادية مشوهة غير تنافسية تساهم في تفاقم الإختلالات الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية، فيصبح المجتمع بيئة خصبة لتنامي الكسل والمحاباة ولاستشراء الفساد بكل أصنافه، كما أن الريع يقتل الإنتاجية ويبعث بإشارات مشوهة للفاعلين المحليين والأجانب لتتحول من: من يعمل أكثر يربح أكثر، إلى من يتملق أكثر يربح أكثر، إضافة إلى أن هذا النمط من الاقتصاد يشجع على نوع من الاتكالية وعلى الاستثمار في اقتناص فرص الريع عوض الاستثمار في الرأسمال البشري والتربية والتكوين.

تقتضي معالجة ظاهرة الريع انتهاج مقاربة تدرجية بيداغوجية إدماجية في التعامل مع ظواهر اقتصادية تكلست لعقود طويلة من الزمن، لأن المتتبع لمسلسل التغير الاقتصادي والاجتماعي يدرك أن إصلاح الواقع الاقتصادي والاجتماعي بشكل عميق ومستدام لا يمكن أن يتم في ظرف وجيز، فالإصلاح يحتاج للكثير من الوقت وانتهاج مقاربة شمولية وإدماجية تعتمد التدرج عوض مقاربات صادمة استئصالية وجذرية. كما أن الحاجة الضاغطة والرغبة الملحة في التغيير يمكن أن تؤدي – في بعض الحالات- بالمجتمعات إلى حالة من التهور، كما يمكن أن تغري المناوئين والرافضين والمتضررين -المحتملين- من التغير إلى استباقه بعنف أو احتواء يغير موازين القوى لصالح الجماعات الأكثر تنظيما وقوة.

إن الملاحظ والمتتبع لتجارب الانتقال من الشمولية إلى الديمقراطية (بعد انعتاق دول المعسكر الشرقي من قبضة الاشتراكية وبعض دول أمريكا اللاتينية من قبضة الحكومات الإقطاعية…) يلاحظ صراعا واضحا وطويلا بين ممارسات متكلسة لأزلام نظام قديم يقاتلون باستماتة من أجل حماية مصالحهم في مقابل صعود القوى الداعية للتغيير، وغالبا ما تمتلك قوى المحافظة قدرة فائقة على التكيف وإعادة إنتاج نفس البنى المجتمعية، ليبقى المحرك الرئيس ليس تحقيق النفع العام بقدر ما يتجلى في الحفاظ على النظام القائم Statu quo وعلى المصالح الخاصة التي تقف وراءه. وما الصراع الصاحن حول السلطة والثروات الطبيعية في عدد من البلدان كليبيا وسوريا ومصر إلا تأكيد لهذه القاعدة التاريخية…

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: