الحداثة والتحديث في الفكر المغربي المعاصر (الجزء الأول)

larouiljabrikhatibiii

تقديم
يعيش المغرب، منذ دخوله فيما يسمى بالعصر الحديث، وعلى كافة المستويات، تحولات كمية وكيفية تتميز في أغلبها بأنها تحولات ذات وثائر أكثر سرعة من وأكثر توترا خرجت من دائرة أو من وثيرة الركود تحولات رمت به في مخاضات لا تخلو من عنف ومن توتر، كان أولها أو حجر الزاوية فيها هو الوقوع تحت طائلة الاستعمار الفرنسي مع ما صاحبه من ديناميات على مختلف الأصعدة.
والمغرب في هذا لا يختلف عن وتيرة تطور العديد من البلدان العربية والإسلامية ودول العالم الثالث عموما التي خضعت للاستعمار الأوربي خلال فترات ومدد متفاوتة، وذلك نتيجة الفارق الكبير في التطور التقني والسياسي والحضاري عامة.
وقد كان التقاء هذه البلدان ومن ضمنها المغرب بهذا الحدث التاريخي الكبير بداية الخروج من دائرة الزمن التقليدي الرتيب لينخرط في سياق زمن كوني سمته الأساسية الشرعة وعنف التطور والاندراج في مخاضات ومآلات لم تكن معهودة ولا حتى متوقعة.
وغالبا ما يسمى الباحثون والمنظرون هذا الالتقاء بصدمة الحداثة، وهي صدمة ذات وجهين: صدمة الاستفاقة على عصر جديد وزمن جديد وعلى قوى جديدة دفعت بهذه الشعوب إلى محاولة فهم عمق التحول الذي يصدم الذات التقليدية بعنفه لكنه يصدمها أكثر وأعمق حين يولد لديها وعيا شقيا يقوم على تكذيب مشاعرها الذاتية في التفوق وامتلاك الحقيقة الدينية والتميز التاريخي وكل ما يصدم النرجسية العامة أو التاريخية المترسبة عبر القرون.
تتخذ إذن صدمة الحداثة في هذه البلدان صورة صدمة استعمارية أو بعبارة أخرى أن هذه البلدان ومنها بلدنا المغرب تستشعر صدمة الحداثة عبر صدمة الاستعمار. فهذا الأخير هو احتلال للأرض ونهب للخيرات واستيلاء على الرموز السياسية وعلى السيادة اللوطنية لكنه بنفس الوقت يقترن بتنظيم المدن وخط الطرق، وتنظيم المواصلات وإنشاء السكة الحديدية والنظام الإداري والمدارس العصرية وقواعد التعامل المالي عبر الأبناك، إضافة إلى إدخال الآلات والمكننة والتقنية في مجال الإنتاج الاقتصادي في مجالي الصناعة والزراعة.
وتشكل صدمة الحداثة ولو في شكلها الدراماتيكي والمتمثل في صدمة الاستعمار، بداية الوعي المغربي الحديث وبداية انخراط المغرب في الزمن الحديث.
عندما نتحدث عن الحداثة فالأمر لا يعني الحديث عن مقولة فلسفية مجردة متعالية تعبر عن فكر نخبوي أو مشاغل خاصة بالمهتمين بالفلسفة بل إن الحديث عن الحداثة والتحديث يعني التفكير في عمق وفي جوهر التحولات ومخاضات التغير التي انخرط فيها المغرب منذ مطلع القرن العشرين على الأقل.
لذلك فإن الموضوعة الرئيسية الكبرى التي شكلت هما فكريا كبيرا لدى مفكرينا ومثقفينا الكبار هي مسألة الحداثة والتحديث.
ما هي الحداثة؟ ما هو التحديث؟ ما الفرق بينهما؟ ما علاقة الحداثة بالغرب؟ ما علاقة الحداثة بالإسلام؟ ما علاقة الحداثة بالدين وبالتراث الثقافي التقليدي العربي الإسلامي عامة؟ ما علاقة الحداثة بالذات أو بالهوية هل هي إغناء لها أم هي سلب لمقوماتها؟ هل الحداثة تقدم وغنى أم استلاب وتفقير معنوي؟ وما الموقف الصائب من الحداثة ومن التراث؟ هل هناك إمكانية للتوفيق بينهما أم أنهما صديقان لدودان أو فريقان متعارضان لا سبيل إلى التوفيق بينهما.
مثل هذه الأسئلة سواء في صيغتها الكبرى والكلية أو في صيغها الصغرى حول القضاء أو المرأة أو السلطة أو المدرسة أو الأعياد أو تنظيم العمل… هي أسئلة حارقة وحادة حتى ولو كانت أسئلة صامتة أو مكبوتة أو مسكوت عنها، وهي أسئلة تعتمل بدرجات تتفاوت من حيث الوضوح، في ذهن كل مواطن وبخاصة في ذهن الفئات المتعلمة والواعية، وبالتالي هي نفس الأسئلة التي يطرحها الباحثون في مجال العلوم الاجتماعية وإن بكيفيات وصيغ مختلفة، كما يطرحها المشتغلون بالفلسفة من منظورهم الخاص.
مقولة الحداثة والتحديث إذن هي القضية الرئيسية التي انشغل بها مفكرونا. ويمكن أن نرصد وجهتي نظر أو مدرستين فكريتين مختلفتين العروي والجابري.
لكن قبل أن أستعرض وجهتي النظر هاتين أود أن أشير إلى مسألة في غاية الأهمية وهي أن من مظاهر الحداثة والتحديث في المغرب التحديث الفكري أو المعرفي ذلك أن كلا من العروي والجابري (على اختلاف رؤيتهما) يشكلان مدرستين فكريتين كبيرتين، ويشهدان على تفوق مغربي لا يعرفه الكثيرون ولا تحتفي به السلطة لأنه تفوق نخبوي ثقافي وليس تفوقا جماهيريا، تفوق عقول مغربية متميزة فرضت نفسها محليا وعربيا وعالميا كنموذج لارتقاء وانحداث الفكر المغربي، فهذا المفكران اللذان يشكلان مدرستين فكريتين وفلسفتين مختلفتين تجمع بينهما كونهما يفكران بطريقة عصرية أي من خلال مناهج ومفاهيم وآليات الفكر الكوني الحديث كما هو سائد كونيا في مجال الفلسفة والعلوم الاجتماعية، فتفكيرهما معا ليس امتدادا لفكر ولمنهج ولطريقة الفقهاء التقليديين بل هو قطيعة منهجية ومفهومية مع أساليب وآليات الفكر التقليدي بل يمكن أن نقول أنهما من أوائل المغاربة الذين حققوا النقلة النوعية في الانتقال من أساليب وآليات الفكر التقليدي إلى ذرى وآليات الفكر الكوني العصري هذا إضافة إلى كونهما معا -وإن بدرجات متفاوتة- يعرفان جيدا الفكر التقليدي العربي الإسلامي لكنهما يتميزان بقدرتهما على التفكير تفكيرا عصريا حداثيا من خلال مفاهيم ومتولات الفكر الحديث “كما هو متعارف عليه عالميا”. فهما معا يجمعان بين معرفة عميقة بالتراث الفكري والديني العربي الإسلامي وبين الاستيعاب الجيد للفكر الكوني الحديث ولكيفية التفكير الحديث.

I- نظرية الحداثة والتحديث في فكر العروي
لقد ظل الاختيار الحداثي اختيارا فكريا صريحا وواضحا في أعمال ذ.العروي منذ لحظاته الأولى أي منذ “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” التي هي تحليل لأفكار النهضة العربية الحديثة ولمدى ارتباطها بالتراث والتقليد ولمدى استجابتها للأفكار الحديثة.
وقد ظل هذا الاختيار هو الخيط الناظم لكل الأعمال وفي كل المراحل الفكرية التي قطعها ذ.العروي، حتى لتبدو الحداثة وكأنها الفكرة الأساسية التي يدور حولها فكره كله والتي يتم فحصها وتقليب مختلف عناصرها واوجهها بالتدريج، وقد سبق للفيلسوف الألماني هيدجر أن نبه إلى فكر المفكر يؤول في النهاية إلى فكرة أو تيمة مركزية واحدة يدور حولها كل فكره.
غير أنه إذا ما صحت فرضية أن فكرة الحداثة هي محور فكر العروي فإن هذه الفكرة لم تولد مكتملة منذ البداية بل استكملت وطورت عبر كل مساره الفكري، وقد اعترف ذ.العروي نفسه، أكثر من مرة، وبصيغ مختلفة، بهذه الحقيقة حيث يقول “أن ما كتبت إلى الآن يمثل فصولا [بالمدلولين الزمني والمكاني] من مؤلف واحد حول مفهوم الحداثى”.
لكن لهذه المسألة وجها آخر هو أننا أمام رؤية أو نظرية حول الحداثة مبثوثة وموزعة في كل كتاباته. وهو ما يتطلب من أي باحث في هذا الموضوع القيام بعملية تجميع لهذه العناصر ليتأتى له تركيب الصورة الكلية المكتملة لنظرية الحداثة عند ذ.ع.العروي.
المعالم أو العناصر الأساسية لنظرية الحداثة عند العروي هي: مفهوم الحداثة – الحداثة والتحديث – الحداثة بين الكلمة والشيء – سمات الحداثة – آلياتها – مستوياتها – فواعل الحداثة – الحداثة والتقليد – الحداثة والدين – الإسلام والحداثة، عوائق الحداثة، الحداثة وما بعد الحداثة، والمغرب بين التحديث والحداثة…
وسأحاول في هذه الورقة أن أقدم خطاطة أولية لمعالم نظرية الحداثة والتحديث عند عبد الله العروي عبر انتقاء أربعة عناصر.
I- التعريفات والتحديدات المتعددة للحداثة في كتابات عبد الله العروي:
يقدم العروي نفسه دوما كمؤرخ ويعلن حرصه وتمسكه بهاته الصفة، وهو ينطلق في تحديد الحداثة من الحداثة كواقعة تاريخية حدثت لا راد لحدوثها وهي الحداثة الأوربية التي انطلقت ابتداء من القرن السابع عشر في أوربا.
ويربطها بمجموعة من الثورات:
- ثورة اقتصادية.
- ثورة ثقافية تمثلت في إحياء التراث اليوناني القديم وبخاصة في مجالي الفلسفة والقانون.
- ثورة علمية أو منهجية قوامها الملاحظة والتجربة والاستنباط والتكميم.
- ثورة دينية قوامها الإصلاح الديني الذي نزع عن الكنيسة دورها المنفرد في تأويل معنى المقدس.
- ثورة فكرية في مجال الإنسانيات والفلسفة قوامها تمجيد العقل والدعوة إلى استخدامه الأقصى.
وهي ثورات متلاحقة ومتداخلة وهي تشكل أساس كل التحولات التي عرفتها أوربا والتي يطلق عليها لفظ الحداثة هذه الثورات امتدت تدريجيا في عموم أوربا والغرب ثم امتدت إلى العالم كله بالتدرج عبر وسائل ووسائط مختلفة من بينها الرحلات الاستكشافية والتيستيرية والاستعمار إلى غير ذلك من الوسائط.
ينظر العروي للحداثة كفترة تاريخية وكمجموعة وقائع وأحداث ومؤسسات في الدرجة الأولى، ثم كأفكار وقيم ومثل ملحا مع ذلك على المحددات الفكرية والثقافية إلى درجة اعتبارها محددا شرطيا لا مكان استنبات الحداثة فيما بعد في اية رقعة من العالم.
يبلور العروي تصورا عن الحداثة باعتبارها فترة تاريخية تتسم بالجدة والانفصال والقطيعة مع العصور الوسطى وبخاصة على مستوى الفكر.
ففكر الحداثة هو فكر الحرية، والإعمال الأقصى للعقل بمعناه النقدي، والارتباط بالطبيعة بهدف كشف قوانينها وأسرارها، وإعطاء مكانة متميزة للفرد ككائن مستقل نسبيا عن الجماعة مع ما يترتب عن ذلك من حقوق ومن حريات للفرد في إطار الدولة الحديثة كنظام عقلاني لتدبير الشأن العام استنادا على المشروعية الأرضية والتمثيلية.
وخلال تفصيله للمقومات الفكرية للحداثة يربطها بالعقلانية والليبرالية (التي يرى أنها تشكل جوهر الحداثة من حيث أنها تعبير عن منطق العصر) والنفعية والبراغماتية، كما يربطها بأقنوم الأقانيم أي التاريخانية.
يوجز العروي هذه السمات الفكرية التي تجعلها بنية تاريخية وفكر مختلفة نوعيا وجذريا عن التقليد يقول “تنطلق (الحداثة) من الطبيعة معتمدة على العقل لصالح الفرد لتصل إلى السعادة عن طريق الحرية” (ع.العروي: العرب والفكر التاريخي، الدار البيضاء 1998، ص:108)
فالطبيعة والعقل والفرد والحرية هي عناصر هذا الأنموذج المثالي الذي يمثل الحداثة.
II- سمات الحداثة ودينامياتها:
يتحدث العروي عن الحداثة من حيث هي مجموعة سيرورات:
 الحداثة كحركة كاسحة مكانيا أي كحركة دينامية ذات قدرة قوية على الانتشار أفقيا وعموديا داخل المجتمع الواحد. فالحداثة هي بمثابة دينامية شاملة تطال كل قطاعات المجتمع من الإدارة إلى المدرسة إلى الأسرة…
 الحداثة كحركة متواصلة زمنيا بمعنى أنها دينامية تاريخية لا يمكن إيقافها، فحتى في المجتمعات الحداثية أو المتقدمة يتحدث عن تحديث الإدارة وتحديث الاقتصاد وتحديث السلاح…إلخ إذ ليس هناك “حداثة تامة” أو ناجزة أو نهائية، فالحداثة في هذا المعنى عبارة عن عملية تحديث مستمر ولا يتوقف.
 الحداثة سيرورة تاريخية كونية من حيث أنها واقعة تاريخية حدثت في بقعة من العالم ثم اتجهت إلى أن تتعمم وتشمل كل الفضاءات الجغرافية والثقافية على مستوى العالم كله وهي سيرورة لا يمكن مقاومتها أو الوقوف ضدها يقول العروي: “الحداثة موجة (عارمة أو كاسحة) العوم ضدها مخاطرة” (عوائق التحديث ص:23).
أمام القوة الكاسحة للحداثة ليس لنا إلا خياران: إما أن ندفن رؤوسنا في الرمال وننزوي حتى تمر الموجة فوق رؤوسنا، وفي هذه الحالة نصبح أقرب ما نكون إلى حتالة التاريخ، وإما أن نعوم معها ونلقي بأنفسنا فيها بكل ما نملك من قوة فنكون من القوم الناجين (الفرقة الناجية) ولو في أية رتبة من الرتب (عوائق ص:23).
 الحداثة تجديد نوعي فهي في الأصل والجوهر قطيعة وانفصال على كل المستويات: انفصال على مستوى الفكر بين العقل الحديث والعقل القديم، انفصال في السياسة من الشرعية التقليدية القائمة على الولاء إلى الشرعية الحديثة القائمة على التمثيلية والانتخاب والنظام الديمقراطي، وانفصال في السلوك الفردي من الفرد المندمج كلية في الجماعة إلى الفرد ككيان مستقل نسبيا في آرائه وأفكاره واختياراته ومواقفه.
 الحداثة كسيرورة عقلنة شاملة ومتواصلة على كل المستويات عقلنة سلوك الأفراد عبر المدرسة والمعمل والمتجر والوظيفة والأسرة، ونظام العمل وتوزيع الزمن وفي مجال الثقافة والفكر.
العقلنة كتنظيم أو تنظيم حسابي لعلاقة الغايات بالوسائل في التصور الـﭭـيبري يعني التأطير والضبط العقلاني لسلوك الفرد وتنظيم المؤسسات والمهن والقطاعات الاجتماعية والإنتاجية والتدبيرية من طرف الدولة.
وهنا تتعين الإشارة إلى أن العروي يكل للدولة دور الضبط العقلاني لكل المؤسسات والممارسات الاجتماعية ومن ثمة فهو يسند لها دورا أساسيا في عملية تحديث المجتمع وعقلنة نشاطاته المختلفة.
هذا هو المستوى الأول للعقلنة في تنظيرات العروي إلا أن المفكر يتحدث عن معنى آخر أو عن مستوى آخر من العقلنة عندما يتعلق الأمر بمجال الثقافة والفكر حيث يتجاوز المفهوم الأداتي أو الوظيفي أو الحسابي لـﭭـيبر للحديث عن مستوى آخر للعقلنة هو أقرب ما يكون إلى العقلانية بمعناها الفلسفي.
فإذا كانت العقلنة في منظورها الـﭭـيبري تعني التنظيم الحسابي والترتيب والتدبير والتقنين والشرعنة وتنظيم العلاقات الاجتماعية (العروي: مفهوم الدولة ص168) فإن العقلنة في مجال الثقافة والفكر تعني الانتقال من منطق الفكر إلى منطق الفعل، ومن عقل النص إلى عقل الحس، ومن منطق الاسم إلى منطق الفعل، أو من عقل المطلق إلى عقل الوقائع.
هنا بالتأكيد يوسع العروي مفهوم العقلنة ويقاربه من مفهوم أو مدلول العقلانية مما يفتح الباب أمام تحليل مفهوم العقل في الثقافة العربية الإسلامية الكلاسيكية ومظاهر قصوره وضرورة نقد “العقل” التقليدي من حيث هيمنة الأورتودوكسية والتأويل السني عليه كما قام بذلك في كتاب “السنة والإصلاح” الذي هو مساهمة العروي في تحليل ونقد العقل العربي الإسلامي.
 يوسع العروي تحليله لمعالم الحداثة والتحديث من خلال إيراد سمات جزئية وتفصيلية يسميها مؤشرات التحديث، ففي محاضرة ألقاها في مدريد سنة 2007 تحت عنوان: “تحديث المغرب: الكلمة والشيء” يورد العروي عدة مؤشرات أخرى للتحديث مثل:
- التحكم في وتيرة النمو السكاني.
- تطوير وتنويع الاقتصاد.
- التزايد المستمر للاستهلاك.
- توسع دائرة الخوف… إلخ.
III- عوائق التحديث:
يتحدث العروي عن الحداثة بما يشبه كونها قدرا تاريخيا لا راد له، ويصورها كموجة عارمة وكقوة لا مجال للإفلات من تأثيرها ولو بمحاولة رفضها أو الاحتماء منها، لكنه مع ذلك يفكر في المقاومات والتحايلات الإرادية وغير الإرادية وفيما يسميه بالعوائق التي تواجه هذه الموجة الكاسحة.
أكبر عوائق التحديث في نظر ذ.العروي هو الاختيار التقليدي الواعي بذاته وبأهدافه، أي ذاك الذي ينكر الحداثة ويستنكرها ويدينها ويعتبرها نشازا ومروقا وجهالة يتوجب على روادها -الذين هم في نظر هذا الاتجاه ضحاياها- إعلان التوبة والعودة إلى الجادة أو السراط المستقيم.
هذا العائق في نظر العروي هو أقوى وأعتى العوائق لأنه متولد عن إعادة إنتاج الثقافة التقليدية لذاتها باستمرار وبشكل متواصل بعيدا عن أية مراجعة أو نقد ذاتي وبعيدا عن أي مجهود لاستيعاب مضمونها، وهو يكل أمر هذا الاتجاه إلى دينامية وقوة الحداثة ذاتها.
المستوى الثاني من العوائق هو العوائق المرتبطة بالثقافة السياسية التقليدية القائمة على الولاء وطاعة أولي الأمر باعتبارهم ظل الله في الأرض والمؤسسات المجسدة لهذه التصورات. الصنف الثالث هو العوائق الاجتماعية المؤسسية التقليدية التي تكبل الفرد وتحول بينه وبين التحرر من أسر البنيات التقليدية كالعشيرة والقبيلة والأسرة التقليدية والشرف…
– هناك كذلك عوائق فكرية أو ابستمولوجية أو منهجية تتمثل في رفض منطق العلم ومنطق البحث العلمي ومناهجه القائمة على الملاحظة والتجربة والاستقراء والتكميم وتقديم الفرضيات والاختبار… وذلك مقابل اللجوء إلى الحلول أو التأويلات الغيبية في كافة مجالات الحياة الاجتماعية.
وهذه العوائق التي تترصدنا إما على شكل مؤسسة أو عادة أو رأي شائع أو نكتة أو حكمة، أو مثل وفي كل مجالات الحياة الاجتماعية: في الاقتصاد، في السياسة في الإدارة، في العقيدة، في الجماعة، في المهنة أو الحرفة أو الوظيفة، في الحزب، في المدرسة، في المكتب، في المتجر، في القانون، في العادات السلوكية، في المصطلحات والكلمات المتداولة والأفكار الشائعة لتؤطر تأطير كليا تصوراتنا وتصرفاتنا.
يود العروي من خلال ذلك أن يشير إلى أن الانخراط تاريخيا في الحداثة لا يعني الاندراج الأوتوماتيكي الكامل فيها بل أن المرء معرض لصراع قوى اليوم بين قوى التقليد وقوى الحداثة مركزا في تحليله على الدور القوي للبعد الثقافي في هذا الصراع.
IV- الحداثة وما بعد الحداثة:
يوجه العروي انتقادا لاذعا للمثقفين العرب والمغاربة الذين يتهافتون تهافتا على “ما بعد الحداثة” “دون كبير تمحيص” وذلك بسبب عدم الوعي بخصوصية وسمات الشرط التاريخي.
يعتبر العروي أن ما بعد الحداثة هي “ردة فعل ضد الحداثة” (لاحظ استعماله للفظ رِدَّة بدل رد فعل) لأنها تقوم على تصورات مناقضة لتصورات الحداثة.
- فالحداثة تعتبر التاريخ سيرورة موضوعية وصيرورة وحتمية في حين أن ما بعد تعتبر التاريخ وهما.
- والحداثة تعتبر المجتمع نظاما معقلنا في حين تعتبر ما بعد الحداثة المجتمع قهرا أو نظاما قمعيا مدافعة عن تصور فوضوي للمجتمع.
- والحداثة تعتبر الدولة نظاما يقوم على المشروعية الديمقراطية التمثيلية وعلى احتكار العنف بغاية تنظيم وتدبير الشأن العمومي في حين تعتبر ما بعد الحداثة قمعا.
وبذلك تبدو ما بعد الحداثة وكأنها “هدم” للحداثة لأن هاته في نظر رواد ما بعد الحداثة هي السيطرة المتطرفة للعقل والعقلانية الأداتية، وهي أساس الأنظمة الشمولية.
وإذا كان للمثقفين في الغرب العذر في انتقاد الحداثة والدعوة والتنظير لما بعد الحداثة لأنهم عاشوها واستفادوا منها لمدة ثلاثة قرون وفي إطارها حققت بلدانهم الكثير من التقدم فلا عذر للمثقف العربي أو المغربي في رفض الحداثة لأننا في بداية الانخراط فيها ولأننا نحن المستفيدون منها بالدرجة الأولى ولسنا ضحاياها، ولأننا عندما نلتفت حوالينا فإننا نجد أن ما يحيط بنا هو ما قبل الحداثة.
الحداثة هي الثورة الصناعية، وهي سيادة العلم والمنطق العلمي في طريقة التفكير، وهي الأداء الديمقراطي في مجال السياسة وتدبير الشأن العام.
والخلاصة التي ينتهي إليها العروي بحسم هي أن المناداة بما بعد الحداثة هو في نظرة رَدَّة أو رِدة عن الحداثة و”هدم” لمنجزاتها ومكاسبها.
(العروي: تأصيل علوم الاجتماع: المقارنة والتأويل، مجلة مقدمات الدار البيضاء ص6).
وهنا أيضا يتجلى العروي الذي نعرفه منذ “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” رائدا ومنافحا حداثيا صلبا لا يلين كما أعلن ذلك فيما استسمح ذ.العروي بتسميته مانيفيست الحداثة والذي يقول فيه:
“نودع المصطلقات جميعها، نكف عن الاعتقاد أن النموذج الإنساني وراءنا لا أمامنا وأن كل ما تقدم إنما هو في جوهره تجسيد لأشباح الماضي، وأن العلم تأويل لأقوال العارفين، وأن العمل الإنساني يعيد ما كان ولا يبدع ما لم يكن [...].
صيرورة الواقع الاجتماعي، نسبية الحقيقة المجردة، إبداع التاريخ، جدلية السياسة تلك هي معالم الفكر العصري وقوام المجتمع العصري” (العروي: الإيديولوجيا العربية المعاصرة، مقدمة الطبعة العربية ص16 بيروت 1979).
يعرض العروي نظريته حول الحداثة من خلال ضوابط فكرية يظل ملتزما بها، فهو بحكم التزامه واعتزازه بكونه مؤرخا أو مؤرخا مفكرا أو مفكرا مؤرخا يظل متمسكا بالحدود والمصطلحات والمفاهيم التاريخية والسوسيولوجية والأنتروبولوجية، ويحرص على عدم الخوض في نقاشات فلسفية هي أقرب ما تكون إلى مشاغل الفيلسوف المحترف. فهو يتحدث مثلا عن الفرد والفردانية كمقوم أو مكون أساسي من مكونات الحداثة لكنه يتجنب الخوض في النقاش الفلسفي الذي يتحدث فيه الفلاسفة عن نفس الموضوع لكن بمصطلحات وبرؤى أخرى أي بمصطلح الذات le sujet والذاتية من حيث هي أساس ومرتكز Subjectum في الفكر الحديث، وعن العلاقة ذات/موضوع (sujet/objet) من حيث أن هذه العلاقة هي الأساس الابستمولوجي والفلسفي للفكر الحديث، وكذا عن الذات كإرادة سيطرة تكرس إرادة قدرة لدى الإنسان للهيمنة على الموضوع الطبيعي والإنساني لتسخيره، وكذا عن الأساس الميتافيزيقي للعصور الحديثة والمتمثل في تصور معين للذاتية الإنسانية كعقل وإرادة، وفي تصور معين للكينونة في علاقتها بالكائن، أو بتصور معين للحقيقة كيقين للذات إلى غير ذلك من القضايا التي يبدو وأنها أقرب ما تكون إلى النقاش الفلسفي الخالص.
ونفس الأمر بالنسبة لما بعد الحداثة فهو لا يوجه نظره لخلفياتها الفلسفية من حيث أنها نقد للحداثة باعتبارها عبادة للعقلانية، ونقد لها لتحول الانحياز إلى الأنوار والحداثة والعقل إلى تقليد قار وبالتالي محافظ، ومن حيث اعتبارها للحداثة ميتافيزيقا جديدة تصور الحداثة كعقلانية ظافرة وكتحرر جذري وكذاتية إنسانية شفافة في مجتمع طافح بوعود العقلانية والحرية والحقيقة، وكذا إضفاؤها لصبغة المطلقية والنهائية على ذاتها من حيث أنها قطيعة جذرية حاسمة ونهائية مع الماضي والتراث والتقليد في حين أنها هي ذاتها مروية كبرى لها أوهامها وأساطيرها الخاصة بها، وكذا اعتبارها لذاتها عصر الجدة المطلقة والاختلاف الجذري مع الماضي وأنها ليست مجرد حقبة من حقب التاريخ بل هي جوهر التاريخ ونتيجته النهائية.
قد يرد الأستاذ العروي بأن مثل هذه القضايا وغيرها تدخل في باب النقاش الفلسفي الاحترافي الذي تظل همومه هموما فكرية في حين أنه يعرض ويحلل مسألة الحداثة من خلال الواقع التاريخي والحاجة التاريخية ومن منظور الحتمية التاريخية.
وختاما نحن أمام نظرية حداثوية للحداثة نظرية متكاملة ومتعددة الجوانب وتعبر بصرامة عن إرادة المفكر، ومن ثمة عن إرادة النخب العصرية العربية والمغربية في الخروج من إسار التقليد والتقليدانية والمجتمع التقليدي والفكر التقليدي إلى ثقافة الحداثة التي هي ثقافة العصر.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: