لماذا سحب 22 مليون متمرد مصري ثقتهم من الدكتور مرسي؟

gooutmourssi

“نطالب الرئيس مرسي بأن يتنازل عن السلطة اعتبارا من الثلاثاء 2 يوليوز 2013 على الساعة الخامسة بعد الظهر والسماح لمؤسسات الدولة بالتحضير لانتخابات رئاسية سابقة لأوانها”. هذا ما دعا إليه البيان الصادر عن حركة “تمرد” والمنشور على موقعها الالكتروني. “وفي حال رفض ذلك” تضيف الحركة بأنها ستدعو إلى “عصيان مدني اعتبارا من يوم الثلاثاء المقبل”.
لقد كان يوم الأحد 30 يونيو بمثابة فرصة لفرض واقع قوة وموازين جديدة على الأرض التي تمكنت من خلاله هذه الحركة من تجنيد و إنزال قرابة 17 مليون مواطن مصري في مختلف ميادين المدن المصرية بعد تمكنهم من جمع قرابة 22 مليون توقيع ينزع الثقة من الرئيس المصري.
وقد اعتبر جل الملاحظين أن العنف الذي انفجر مؤخرا وأدى إلى مقتل 55 شخصا وإصابة 700 آخرين في اشتباكات جرت في 7 محافظات مصرية، اعتبر أنه جاء دون التوقعات التي كانت تتحدث انفجار لهيب العنف وانشار الفوضى. وبالنظر إلى حالة الخوف والترقب التي سادت وزجت بملاين المصريين إلى الأسواق ومحطات البنزين وما برز عنه من ظهور طوابير كبيرة… في رد فعل كذلك الذي يسبق استنفار الحرب … فما الذي أدى بمصر إلى هذه الحالة الإحتقانية؟
واجه المصريون إبان حكم الاخوان انخفاضا حادا في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي وصل إلى 2.2٪ في السنة المالية المنتهية في يونيو 2012 مقابل 5.1٪ في 2009/10 قبل الثورة. ومن المتوقع أن يتراوح معدل النمو عند حوالي 2٪ بحلول يونيو2013 . وقد أسفرت حالة عدم الاستقرار السياسي المستمر إلى انخفاظ تدفقات الرساميل السياحية والاستثمار الأجنبي المباشر. و قد أدى انخفاض النمو إلى مفاقمة عجز الموازنة وميزان المدفوعات وانخفاض احتياطي النقد الأجنبي إلى مستويات حرجة. كما وشهد الجنيه المصري أزمة كبيرة. ففي نهاية يناير2013 خسر الجنيه 12.5٪ من قيمته مقارنة مع فترة ما قبل الثورة مع بروز متنامي لسوق العملة السوداء. كما و ظهر اختلال في التوازنات المالية المصرية التي شهدت في يونيو 2012 انفجار الدين العام المحلي الذي بلغ 80.3٪ من الناتج المحلي وعجزا للميزانية بلغ 10.8٪ من الناتج المحلي الإجمالي. وهو عجز كبل أيدي الحكومة وحد بشكل كبير من هامش حركتها الموازناتي. بالإضافة إلى ارتفاع ديون مصر الخارجية إلى نحو45.5 مليار دولار في عهد مرسي، بعد أن كانت تبلغ 34.4 مليار دولار العام الماضي.

كما و لا تزال بنية و هيكلة الاقتصاد المصري تتسم بالهشاشة واعتماده بشكل كبير على صادرات النفط التي تمثل نصف صادرات البلد. كما أن3.3 مليون مصري يعانون من البطالة وتمس هذه الآفة 46.4٪ من الفئة العمرية المتراوحة بين 20-24 سنة. مما ساهم حسب تقرير غير رسمي لبنك الطعام المصري في رفع نسب الفقر حيث يقدر أن أكثر من 42% من المصريين أصبحوا تحت خط الفقر في العام 2013.

إن هذه الامراض المستفحلة في الجسم الاقتصادي المصري تجد أصلها في الاختيارات السياسية الاشتراكية والدولاتية التي انتهجها القادة المصريون. فقد أدت هذه السياسات إلى تكبيل البلاد وسقوطها تحت ثقل بيروقراطية ثخينة واستفحال الفساد في غياب المنافسة في العديد من القطاعات. مما أدى إلى تفاقم المحسوبية وانعدام الشفافية واحتكار قطاعات صناعية و خدماتية من طرف رأسمالية احتكارية فاسدة. وقد كرست حكومات ما بعد الثورة هذه الاختيارات واستخدمت القطاع العام كحل لتخفيض الضغوط الاجتماعية وتلبية الاحتياجات الوظيفية. كما ورفعت حكومة الاخوان من خلال سياسات شعبوية محضة من الحد الأدنى للأجور لامتصاص غضب الفئات الاكثر ضغطا. فأضحى القطاع العام المصري يوظف نحو 5.8 مليون شخص، بالإضافة إلى 0.5 مليون عامل مؤقت.

زد على ذلك أن مصر تتوفر على عدد كبير من الشركات العمومية أعلى من متوسط الشركات العمومية في الدول النامية. كما أن الجيش المصري يمتلك حصة كبيرة من الشركات المملوكة للدولة، و لكن الملاحظين لا يعرفون إلا القليل عن طرق تسيرها وتوزيع أرباح هذه الشركات. كما وفشلت حكومة الاخوان في إصلاح نظام دعم غير عادل و فعال يستنزف 25٪ من الموازنة العامة للدولة.

إن التدبير الدولاتي المركزي وضع الاقتصاد المصري في المرتبة 107 من 146 بلدا في مؤشر التنافسية للمنتدى الاقتصادي العالمي لسنة 2012/13 وهو انخفاض حاد، بالنظر الى الرتبة 81 في السنة الماضية الماضي. كما أن تقرير ممارسة أنشطة الأعمال في 2013 صنف مصر في الرتبة 109 من أصل 183 بلدا.

لقد شهدت الشهور الأخيرة التي سبقت انفجار الأزمة خصاصا في القمح والزيت والوقود ظهرت ملامحها بوضوح في مشاهد الطوابير الطويلة أمام محطات البنزين والسولار وانقطاعات يومية متكررة للتيار الكهربائي وانعدام الأمن، و زيادة الجريمة (التي تضاعف ثلاث مرات منذ الثورة، وفقا للأرقام الصادرة عن وزارة الداخلية).

بالإضافة إلى العوامل الاقتصادية ساهمت عدد من الظروف الاجتماعية والسياسية في استفحال الأزمة وبروز قطيعة بين الرئيس المصري والمعارضة والشارع المصري. ويتمثل أهمها في محاولات أخونة الدولة عبر تعين أتباع مرسي من الإخوان في المناصب المختلفة والتضييق على المعارضة و تحجيم دورها، بحجة أنها لا تملك شعبية على أرض الواقع. بالإضافة الى سوء تدبير أزمة سد النهضة التي تعزم دولة إثيوبيا إنشاءه والذي سيؤثر سلبا على حصة مصر من مياه النيل.

أدت هذه العوامل مجتمعة إلى فقدان الثقة تدريجيا في مؤسسة الرئاسة ومهدت الطريق أمام صعود قوى التمرد الداعية إلى العصيان المدني في منعطف يضع المجتمع المصري في مسار يصعب التكهن بمآلاته.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: