الحداثة والتحديث في الفكر المغربي المعاصر: مفهوم الحداثة عند محمد عابد الجابري (الجزء الثاني)

larouiljabrikhatibiii

ثانيا: مفهوم الحداثة عند محمد عابد الجابري

إذا كان العروي قد اهتم بالتفكير في الماهية الفكرية للحداثة بقدر ما فكر في سماتها ومظاهرها ودينامياتها وإيديولوجيتها وعوائقها، وتتبع بعض مظاهرها وصعوبات إقرارها في المجتمع العربي عامة وفي المجتمع المغربي على وجه الخصوص مما جعله يبلور نظرية متكاملة عز نظيرها في الإنتاج الفكر العربي المعاصر وذلك حول الحداثة والتحديث وما بعد الحداثة، فإن الجابري لم يول مثل هذا البعد النظري نفس الأهمية، فهو لم يتوقف طويلا عند جوهرها وسماتها ومكوناتها العميقة بل يبدو وكأنه يسلم بتصور عام رائج ومتداول عن الحداثة وكأنها مقولة واضحة ولا تحتاج إلى توضيح وفحص فكري لأسسها الفكرية، لأن همه الفكري الأساسي كان هو تفحص العلاقة بين الحداثة والتحديث من جهة والتقليد والتراث من جهة ثانية. فجل مجهوده الفكري في هذا الباب انصب على العلاقة أكثر مما انصب على أحد طرفيها بالخصوص.
ينطلق الجابري من تصور عادي للحداثة حيث يرى أنها من جهة حركة تاريخية كونية وهي من جهة أخرى بنية فكرية مكوناها الأساسيان هما العقلانية والديمقراطية وهذان المكونان في نظره ليسا بضاعة تستورد، بل إنهما يتطلبان ممارسة منظمة وخاضعة لقواعد، أي يتطلبان ويفترضان ويشترطان ثقافة نظرية لكن كذلك ثقافة عملية أو ممارسة. فالديمقراطية والعقلانية ليسا فقط مقولات فكرية أو نظرية بل إنهما يكتسبان قيمة ودلالة فعلية في الممارسة. ومن ثمة فهو يدعونا إلى ممارسة الديمقراطية في حياتنا الاجتماعية وبخاصة فيما يخص مقاومة الاستبداد التقليدي بشقيه المجتمعي والدولتي، والربط بين البعدين النظري والعملي لمكوني الحداثة معناه أن الدعوة الفكرية لا تكفي ولا تغني وأن من الضروري ممارستهما عمليا لاختبارهما، ولكن أساسا لتكييفهما في واقعنا القطري أو القومي وهو ما أسماه الباحث المغربي المرموق محمد الشيخ في دراسته حول مسألة الحداثة في الفكر المغربي المعاصر بالدعوة إلى “خوصصة” الحداثة.
يبدو لي أن تناول الجابري لمسألتي الحداثة والتراث والعلاقة بينهما هو في جزء كبير منه حوار نقدي قوي مع العروي لدرجة أن الملامح العامة لفكر الجابري في هذا الموضوع لا تتضح ولا تكتمل وتتكامل إلا على ضوء الانتقادات القوية التي يوجهها لفكر العروي إما صراحة أو ضمنا.
1- ينتقد الجابري موقف العروي من التراث ومن الفكر السلفي اللذان يعتبرهما العروي عوائق في وجه التطور والتقدم والتحديث وأسباب أساسية لتأخرنا التاريخي. فالعروي يعتقد أن التراث ميت (وفوق ذلك مميت) وأنه حصل في تاريخنا وفي تاريخ العرب الحديث نوع من “الانقطاع التاريخي” بيننا وبينه فعليا في كل الميادين ميادين الحياة. كما يعتبر أن مظاهر حضور التراث والماضي وأنماط استمرارهما هي مظاهر سطحية وخادعة وأشبه ما تكون بالسراب، فالواقع العربي (وطبعا المغربي) متأثر إلى حد كبير بالحداثة ومنخرط ومندرج فيها بدرجات متفاوتة. بل ن النخبة المثقفة والنخبة السياسية كلاهما عرضة لتأثير الأفكار الحديثة إذ لا أحد من أفراد النخبة المثقفة قد “سلم كليا من تأثير الأفكار الحديثة” (الشيخ 118).
ينتقد الجابري هذا التصور الموتى للتراث مبينا أن التراث حي وأنه لم ينته بل هو المتحكم في حياتنا وتصوراتنا ومتخيلنا والموجه لسلوكنا الفردي وللبنيات الاجتماعية ككل. فالتراث يسكن فينا بقدر ما نسكن فيه ومن ثمة ضرورة الانتقال من هذا التماهي اللاواعي مع التقليد والتراث أي من مستوى الفهم المرأوي أو التراثي للتراث إلى مستوى آخر هو الفهم العقلاني التجديدي للتراث. فبدون الانتظام العقلاني في التراث لن تستطيع تحقيق أية نهضة أو أي تقدم أو تطور.
وهنا ينتقد الجابري اللاتراثيين الذين يعتقدون أن بالإمكان إلغاء التراث بجرة قلم أو بمجرد شطحة فكرية ويصفهم بأنهم واهمون. كما ينتقد الجابري السلفيين الذين يعيشون التراث الماضي كحاضر ويطالبون بضرورة تحقيقه هم أيضا واهمون إذ أنه لا يمكن تحقيق التراث إلا بإلغائه أو بتجاوزه.
ورغم موافقة الجابري للعروي على أن الحياة المعاصرة تختلف كليا عن نمط الحياة القديمة، حياة السلف، فإن التماثلات القائمة بين الحاضر والماضي تفرض ضرورة العودة إلى التراث لفحصه وتحليل عناصره بالأدوات الفكرية التي يوفرها تقدم العلوم الإنسانية الحديثة على المستوى الكوني، أي الخروج من دائرة القراءة أو النظرة التراثية للتراث، وهي النظرة التي لا تقود إلا إلى إذكاء تصورات وربما أوهام الذات الجماعية عن نفسها.
2- ينتقد الجابري على العروي موقفه من الاستعمار، فهو لا يوليه الأهمية المطلوبة، بل إن فكره ربما يضمر تصورا إيجابيا أو على الأقل غير سلبي تجاه الاستعمار ودوره. فتحليلات العروي ومشاريعه الفكرية في نظر الجابري – غير صائبة لأنها تغفل عنصر الاستعمار والإمبريالية ودور الهيمنة الاقتصادية والثقافية الإمبريالية.
3- يرفض الجابري منطق المقاونة والمقايسة الذي ما يفتأ يلجأ إليه العروي إذ أنه يقارن باستمرار بين الواقع العربي والتاريخ الأوربي وبخاصة تاريخ ألمانيا وكذا المقاونة مع التجربة اليابانية، سواء تعلق الأمر بالمقارنة بين البلدان أو بين المثقفين. فخصوصية التاريخ العربي، وضمنه التاريخ المغربي تستعصي على أية مقارنة من هذا النوع.
4- يرفض الجابري تصور العروي لمستقبل العرب عبر النظر إليه من خلال الواقع والماضي الأوربي ودعوة العروي إلى العودة إلى ليبرالية القرن 18 و19 أي اعتبار التاريخ الأوربي بمثابة سلف آخر أو سلف جديد.
مثل هذا الموقف يوقع العروي -حسب الجابري- في التغريب والتبعية الفكرية والوعي المستلب من وجهين أولهما اجتثات الفكر السلفي الماضوي المتجمد وثانيهما تصور مستقبل المجتمع العربي من خلال نموذج الماضي الأوربي.
5- ينتقد الجابري ما يسميه النزعة النخبوية لفكر العروي من حيث أن هذا الأخير لا يهتم إلا بالنخبة وبنخبة النخبة أو بالمثقف النخبوي القادر على الفعل في التاريخ ولا يكاد يولي الجماهير أية قيمة أو أهمية. بل يقسو الجابري أحيانا -بحكم خلفيته النضالية والإيديولوجية- على هذه النزعة النخبوية قائلا: “فأي ثورى هذا المثقف؟ من أين أتت ثوريته: من الكتب؟، من التأمل؟، من التعالي؟ من العالمية؟ من الانعزال عن الجماهير؟. عن الشيخ ص23.
يقول الجابري أنه يتعين علينا “أن نفكر في الأمة العربية الإسلامية كمجموع وليس كنخبة محصورة العدد متصلة ببعض مظاهر الحداثة، تنظر إلى نفسها في مرآتها وتعتقد أن الوجود هو ما يُرى في تلك المرآة. هذا في حين أن النخبة صغيرة، قليلة، ضعيفة الحجة أمام التراثيين. المطلوب منا فيما يخص الحداثة ليس أن يحدِّث المحدثون أنفسهم، بل أن ينشروا الحداثة على أوسع نطاق، والنطاق الأوسع هو التراث. فإذا لم نكن على معرفة دقيقة وعامة بالتراث وأهله فكيف يمكن أن نطمع في نشر الحداثة فيه، أن نجدد فيه، أن ندشن عصر تدوين (جديد) في مجالاته”.
هنا تجدر الإشارة إلى أن انتقادات الجابري للعروي فيما يخص رهاناته على النخبة قد تصدق على المرحلة الأولى من تفكيره لأنه لم يعد ميالا فيما بعد إلى التركيز على دور الانتلجنسيا والنخبة عامة في التغيير حيث أخذ يدعو إلى التركيز على دور الدولة كجهار للتحديث (الشيخ 124).

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: