الحداثة والتحديث في الفكر المغربي المعاصر: مفهوم الحداثة عند محمد عابد الجابري (الجزء الثالث)

larouiljabrikhatibiii

ثالثا: مفهوم الحداثة عند عبد الكبير الخطيبي

من القضايا الفكرية التي اهتم بها الخطيبي من ضمن اهتماماته الفكرية والأدبية والسوسيولوجية المتنوعة، نذكر مسألة الحداثة التي ظل اهتمامه الصريح بها عابرا بل محدودا.
يعرف الخطيبي الحداثة بأنها هي “إبداع المستقبل وبناؤه” وهذا التعريف ينطلق من خلفية فكرية قوامها ضرورة الانفصال عن الماضي، وبخاصة عن الماضي المؤسطر، والارتباط المجدد والمبدع بالمستقبل، بعيدا عن آليات الاجترار والتكرار والتمجيد الأسطوري للذات الجماعية. بل إن الخطيبي يبلور نقدا مزدوجا لكل من الحداثة (غير المجددة وغير المجددة) والتقليد باعتبارهما معا ينتميان إلى نفس الفضاء الميتافيزيقي أو اللاهوتي. فهو وإن كان اختياره الفكري حداثيا ونقديا لا يعفي الحداثة نفسها من النقد وبخاصة لحمولاتها الميتافيزيقية المتمثلة في تصور معين للعقل أو العقلانية وفي تصور ثبوتي للذات وللهوية، وفي تصور سكوني للحرية.
لكنه بنفس الوقت يعي جيدا رسوخ التقليد في المجتمعات العربية عبر مظاهره الكثيرة التي يذكر منها ضعف المجتمع المدني، ودونية المرأة، وصلابة السلطة السياسية والتباس العلاقة بين ما هو ديني وما هو سياسي ومحدودية المعرفة العلمية والتقنية، واستشراء الاستبداد السياسي وسطوة التحكم المجتمعي والتعلق بماضي ميت داعيا إلى تحرير المرأة من دونيتها وتطوير التعددية والأخذ بالديمقراطية ومحاربة كل أشكال النزعة الاستبدادية في صورتيها السياسية والمجتمعية بما يتيح للأفراد حرية أكبر ويخلصهم من أشكال العقلية التقليدية والمجهولة التقنية، وكذا تنمية مظاهر حضور المجتمع المدني الفاعل في الشأن العام، وتفعيل مبادئ حقوق الإنسان والالتفات إلى الهوامش في أفق فكر حداثي واسع هو فكر الاختلاف والمغايرة الذي هو الاختيار الفكري الحميمي الأساسي لدى الخطيبي وفي أفق الاندراج الواعي والفاعل في مسيرة الفكر الكوني.

خلاصات
1- يبدو أن المفكر المغربي ليس مفكرا تجريديا منعزلا عن واقع المجتمع، بل هو مفكر مرتبط بالواقع والتاريخ إلا أن نمط ارتباطه قد تغير فهو لم يعد مناضلا عضويا وحركيا مندمجا في حركة الشارع ومرتبطا بالاجتماعات الحزبية والنقابية وبالقضايا اليومية بل مثقفا مهموما بقضايا المجتمع والتاريخ في منظور المدى الزمني الطويل.
2- إن الفكر المغربي الحديث أو الحداثي يختلف عن الفكر المغربي التقليدي ويمثل نقلة نوعية في طرائق التفكير. وتلك علامة على أن الفكر المغربي الحديث أو الحداثي حقق نوعا من الانتقال من التفكير المؤطر منهجا ومضمونا بالفكر الديني في صيغته التراثية المتوارثة إلى تفكير عقلاني وفلسفي متحرر من المقولات القبلية، أو بعبارة أخرى أن هذا النمط من الفكر يعكس كون المغرب قد يحقق بالتدريج تحديثا سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وتقنيا، لكنه كذلك حقق نوعا ولو جزئيا من التحديث الفكري أو العقلي.
3- أن المدرسة الفلسفية المغربية، التي هي تعبير عن تحولات ثقافية وفكرية عميقة، هي مدرسة فكرية رائدة ومبدعة على المستوى العربي كله، مدرسة حققت نوعا من الريادة الفكرية على المستوى العربي وجعلت المغرب ينتقل من كونه مجرد مستهلك إلى مستوى كونه منتجا ثقافيا متميزا.
4- أن هذه المدرسة الفكرية هي مدرسة تحديثية لا فقط من حيث اهتمامها بقضايا الحداثة والتحديث والتراث والديمقراطية وغيرها بل من حيث التزامها الفكري بالحداثة ودعوتها إليها كاختيار وكحتمية تاريخية لا محيد عنها تفرضها ظروف التحول والتنافس والتطور على المستويين المحلي والكوني على بلدنا المغرب.
وقد ركزت في هذا العرض على رواد الحداثة والتحديث في فكرنا المغربي ولم أعرج على اتجاهات ومدارس فكرية أخرى تناهض الحداثة إما بشكل صريح أو بشكل غير صريح وواضح، إما بشكل جزئي أو كلي لكن هذا الاختيار المنهجي في العرض ليس إلغاء أو نفيا لها.
بل لعله لابد من الإشارة هنا في الختام إلى أن هذا الاختيار الفكري الحداثي لم يكن اختيارا صداميا أو مجرد اختيار إيديولوجي، بل هو تعبير عن وعي تاريخي حاد وقراءة دقيقة للشرط التاريخي الذي نعيش فيه والذي يطرح علينا كدولة وكأمة مهام تاريخية لا خيار لنا في إنجازها.

مراجع:

- مؤلفات العروي الفكرية بالعربية والفرنسية.

- مؤلفات محمد عابد الجابري.

- د. محمد الشيخ: الحداثة في الفكر المغربي، الرباط دار الزمن.

- د. محمد الشيخ: رهانات الحداثة، دار الهادي بيروت 2007.

- د. محمد الشيخ: جاذبية الحداثة ومقاومة التقليد، دار الهادي، بيروت 2005.

- مقالات محمد أندلسي:

- نيتشه ونقد الحداثة (الشبكة)

- أفول المتعالي (الشبكة)
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: