أزمة المدرسة والجامعة المغربية

ecolemarocaine2

هل يجوز أن نتحدث عن أزمة أم عن فشل المدرسة المغربية؟
أم أن هذه التوصيفات تتضمن نوعا من المبالغة أو التجني؟
على كل لم يعد يخفى على أحد اليوم أن منظومتنا التعليمية تعاني من العديد من المشاكل الحادة، كميا وكيفا بنيويا ومضمونا تجعلها تعيش وضعية أزمة.
وكلمة أزمة يجب أن تؤخذ هنا لا في معناها التراجيدي أو الكارثي بل بمعناها الوظيفي أي بمعنى أن هناك اختلالات كبيرة في أداء المدرسة لدورها وللوظائف الموكولة إليها من طرف المجتمع.
هذه الصورة السلبية تنتشر اليوم في مجتمعنا، يعرفها الجمهور كما تشهد بها النخب وذلك بسبب العلامات والمؤشرات السلبية والمشاكل التي يعاني منها نظامنا التعليمي.
بما أن الجهات الرسمية نفسها، على الرغم من أن وظيفتها تفرض عليها تغليب الإيجابي على السلبي وتلطيف مظهر العديد من الاختلالات والعلامات السلبية لا تخفى موافقتها على هذه الصورة السلبية.
فنحن نجد في التقارير الصادرة عن “50 سنة من التنمية البشرية في آفاق سنة 2025″ اعترافا صريحا بهذه الوضعية السلبية واستعمالا غير خجول لمصطلح “الأزمة”. يعترف “تقرير الخمسينية” إذن بأنه بعد نهاية السبعينات، وبالنظر إلى التوسع المستمر للتعليم، وإلى الصعوبات الاقتصادية والمالية لتلك الفترة، وما صاحبها من بداية أزمة التشغيل، بدأ مسار المنظومة التربوية في التراجع حيث ظهرت عليه علامات الضعف وعدم التكيف، إذ أصبح التعليم المغربي عبارة عن آلة ضخمة تعاني من ضعف النجاعة وخاصة على مستويين التشغيل والإدماج. وهو ما فرض ضرورة القيام بإصلاحات عميقة ومتوالية. (ص106).
بل إن التقرير يعترف بأن هذه الأزمة أصبحت أكثر ميلا نحو التوسع والاستدامة (ص107) عبر المعالم الآتية:
1- اختلال العلاقة بين التعليم والاقتصاد
2- الإخفاق في محاربة الأمية حيث تضاعفت أعداد الأمية بدل أن تتقلص كما كان مخططا لذلك حيث بلغت الأمية بين الرجال 30 وحوالي 66 لدى النساء.
3- تعثر الوظيفة الاجتماعية والاقتصادية للتعليم العمومي سواء بالنسبة للتشغيل أو حتى لجودة التحصيل حيث تم تسجيل نوع من الانحدار في مجال التحصيل المعرفي في القراءة والكتابة الاساسية المهنية والتقنية، بل يعرف التقرير بمرارة بمحدودية الفعالية الاجتماعية للمدرسة العمومية وضعف قدرتها على ترسيخ قيم المواطنة والانفتاح والرقي وحرية الفكر والتحصيل واكتساب الفكر النقدي، وذلك ليس فقط بسبب بقاء البرامج بدون تحيين بل أيضا بسبب وجود ميول تطرفية لدى شرائح من المدرسين وتأطيرها من طرف بعض الهيئات الإيديولوجية والسياسية (ص109) مما يدفع إلى التساؤل عن دور نظامنا التعليمي في تغذية الحقل السياسي وإعداده في اتجاه معين.
4- استفحال ظاهرة الهدر المدرسي والتسرب بدون تأهيل.
5- تدبدب السياسة اللغوية بين التعريب والفرنسية إضافة إلى المشاكل المتعلقة بتدريس الإنجليزية تنضاف إليها اليوم المشاكل المتعلقة بالأمازيغية.
– بمعنى أن المبادئ الاساسية التي تم الإجماع بشأنها في بداية الاستقلال وهي التوحيد والتعميم والمغربة لم تجد طريقها إلى التطبيق الكامل؟
يمكن أن نظيف إلى هذه اللائحة العديد من مظاهر الاختلال التي لم يوردها تقرير الخمسينية والمتمثلة في العناصر التالية:
- صعوبات التعميم الكامل للتعليم والتطبيق الفعلي لإلزامية التعليم بين 7 و15 سنة.
- عدم قدرة التعليم الخصوصي على سد الخصاص الملحوظ حيث لم تتعد مساهمة 8,77 في المائة في الابتدائي و4 في المائة في الثانوي.
ومشاكل التعليم لا تقف عند الحدود الكمية والإحصائية بل تطال كذلك مناهج وبرامج التدريس التي عكست بدورها هذه التلكؤات والترددات من المشاكل المضمونية التي تعاني منها تعليمنا مسألة التنافر القيمي المواكب للتحولات المجتمعية وهي مسألة حللها الباحث السوسيولوجي محمد الصغير جنجار، ويقصد بها المفارقة المتمثلة في المسافة أو التفاوت القائم بين إيقاع التحديث البنيوي في المجتمع (في البنيات التحتية والمؤسسات الإدارية والتصنيع وتنظيم المدن وأنماط العيش والاستهلاك) ووتائر تطور الحداثة من حيث أن هذا المصطلح يتعلق أساسا بالفكر والتمثلات والقيم والعقليات على أساس بقاء الحداثة أقل وأبطأ سرعة من إيقاع التحديث البنيوي.
لقد شهد المجتمع المغربي منذ مطلع القرن العشرين تحولات بنيوية عميقة تتمثل ديمغرافيا في تزايد عدد الساكنة، وحضريا في ارتقاء نسب التعمير، وتقنيا في تزايد المؤسسات الصناعية والتقنية واستعمال المنتجات، واجتماعيا في الانتشار التدريجي للفرد كفاعل ينسج بالتدريج استقلاليته، والتقدم في تنظيم الزمن والعمل ووظائف وأدوار الفئات وذلك بتواز مع ارتفاع وتيرة التمدرس، والتراجع النسبي لدرجة الأمية، لكن هذه التحولات الكمية والكيفية لم تحدث تناسقا وتناغما بين التحديث والحداثة، بل كما لاحظ الصغير جنجار فإن المدرسة العمومية -انطلاقا من مصادرة أن مهمة المدرسة في إطار الدولة- الأمة هي تيسير التناغم والتناسق بين دينامية التحديث ودينامية الحداثة، وانتزاع الأطفال من وسطهم الاصلي ومحيطهم الأسري اقتصاديا وثقافيا والارتقاء بهم نحو ثقافة أعلى وأوسع أفقا أي نحو ثقافة تتجاوز المحيط المحلي المباشر (الأسري، القبلي، والجهوي…) نحو أفق كوني وتزويدهم بقيم حرية والمسؤولية الضررية والحقوق التي تشكل الأساس الفكري للمدرسة في تصورها الحديث بل لقد ظلت المدرسة المغربية تعاني صراعا داخليا حادا بين هاتين المنظومتين.
ولعل التعليم العالي لا يخلو بدوره من مشاكل خاصة، فبالرغم من توسعه التدريجي النسبي فإنه ظل يعاني من تعثر الأسباب والسيولة حيث أن %10 لا يحصلون إلا على الدوك، أضف إلى ذلك ظاهرة بطالة الخريجين التي أصبحت معضلة اجتماعية كبيرة في بلادنا.
نستنتج من كل هذه المؤشرات أن الرهانات الضخمة التي كانت معقودة على التعليم باعتباره المكسب الأساسي الذي استفاد منه المغاربة بعد الاستقلال وراهنوا على نتائجه والذي جسدته المبادئ الأساسية لطموحات الحركة الوطنية في المبادئ الأربعة: التوحيد-التعميم-التعريب-المغربة لم تتحقق بالشكل المأمول.
ولاشك أن المرتبة العالمية للمغرب في مجال التنمية البشرية تعكس إلى حد كبير هذه المعطيات الخاصة بالتعليم في بلادنا حيث يقع تضيفه في المرتبة 126 ضمن 177 بلدا.
هذه الوضعية السلبية تعود إلى مجموعة كبيرة من العوامل بعضها ديمغرافي ومالي وبعضها اجتماعي، وبعضها إيديولوجي…الخ وذلك أن المدرسة المغربية تعكس إلى حد كبير الوضعية العامة للمجتمع وترتبط بوتيرة تطوره وبصراعاته المختلفة، ويعترف تقرير الخمسينية أن المدرسة المغربية ظلت لفترة طويلة حقلا للاستقطاب الإيديولوجي والسياسي، وفضاء للتعبير الحاد عن الصراعات السياسية والتوترات الاجتماعية (ص13) خاصة وأن الصراع السياسي الحاد الذي اندلع في المغرب مباشرة بعد الاستقلال تحول إلى صراع مركزي انعكست آثاره وأصداؤه على كافة القطاعات الاجتماعية وعلى رأسها التعليم الذي تحول بدوره في بعض الفترات غلى أداة صراع لنصرة ودعم اتجاه ضد آخر.
وهذا ما طبع السياسة التعليمية بالكثير من التعثر والتردد سواء حول الشكل أو حول المضمون نفسه كما تدل على ذلك عملية اختيار وزراء التعليم. لكن الدولة لم تكن الفاعل الرئيسي الوحيد في السياسة التعليمية إذ رافق تدخلها تدخل العديد من الهيئات الدولية المالية (البنك الدولي) أو التربوية (اليونسكو) أو الحقوقية (بالمصادقة على المواثيق والعهود الدولية) أو البيئية أو غيرها.
ومثلما عانت السياسة التعليمية من انعكاسات الصراعات السياسية والإيديولوجية والحزبية والشخصية والمهنية عليها فقد عانت أيضا من تضارب التصورات حول مفهوم المدرسة والمؤسسة التعليمية عامة أهمها:
– التصور المركانتيلي الذي يود أن يلحق المدرسة والجامعة بالسوق باعتبارها مؤسسة هدفها تزويد أسواق المال والتجارة والإدارة بما تحتاجه من أطر.
– التصور الوضعي أو التقني: الذي يود أن يجعل الجامعة في خدمة المعامل والصناعات المختلفة عن طريق التركيز على العلوم والتقنيات.
– التصور الإيديولوجي بمنظوره التقليداتي والتحديثي.
وهي تصورات ظلت تتصارع في قلب كل مشروع تعليمي.
لاشك في أن للدولة مسؤولية كبرى فيما يخص أزمة المدرسة المغربية، لكن لابد من الاعتراف بأن أطرافا أخرى تقاسمها المسؤولية في ذلك: المجتمع عامة والمجتمع المدني والأحزاب والنقابات والمؤسسات والانتلجنسيا.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: