أحمد الصادقي: قراءة تحليلية نقدية لكتاب نظرية العدالة لجون راولز (الجزء الأول)

ATheoryofJustice

إن الغرض من هذا المقال هو أن نفحص من جهة النظر الفلسفي المهتم بالإشكالات الأخلاقية والسياسية، الأسس التي يقوم عليها بناء مجتمع عادل، والتي تمكن الإنسان بأن ينعم بالحياة السعيدة القائمة على مبدأ الإنصاف. تطرح هذه الأسس في بعدها النظري مسألة الأولوية التي يقيم عليها المهتمون أطروحاتهم لتحليل الممارسة السياسية والأخلاقية في المجتمع: هل تعطى هذه الأولوية للمنفعة والمصلحة أم أن هذه نفسها تقوم على العدالة باعتبارها هي الأول، وأن المصالح لا تستقيم في الممارسة السياسية إلا إذا قامت على مبادئ أخلاقية مثل مبادئ الإنصاف والحرية والمساواة في الحقوق والواجبات والتوزيع العادل للموارد والثروات الاقتصادية والاجتماعية، إن على مستوى الأفراد أو الجماعات، وليس على مبدأ المنفعة، مفهوما كمبدأ وحيد لهذه الممارسة؟هل نحن هنا أمام أولوية واحدة أم أمام أولويات، أي أمام نقط انطلاق مختلفة كل واحدة منها تقيم لنفسها منطقا وحججا تزعم لنفسها الحياد والموضوعية؟ هل فرضية الوضع الأصلي للعدالة كإنصاف فرضية تجعل الحقل السياسي حقلا منفصلا عن الفلسفة أم أن السياسة لا تقوم كسياسة بالفعل إلا إذا وجدت لنفسها أسسا لها في الفلسفة؟ نقول بعبارة أخرى: هل استقلال الحقل السياسي يستوجب انفصاله عن الميتافيزيقا وعن الدين كما يرى ألان تورينAlain Touraine ؟ هل الحديث عن عدالة المؤسسات هو بنفسه حديث عن العدالة في المجتمع؟ إلى أي حد يمكن القول: هل ينبغي للفرضيات الأخلاقية والسياسية أن تبتعد عن المتعالي، أم أن هذا البعد ملازم بالضرورة لهذه الفرضيات؟ هل تنظيم المجتمع يقتضي بناءه على نظريات شمولية تزعم لنفسها الإحاطة بجميع حاجيات الأفراد والجماعات في المجتمع أم أنه يتعذر على مثل هذه النظريات أن تلبي هذه الحاجيات التي هي في عمقها تختلف من فرد إلى آخر ومن جماعة إلى أخرى الأمر الذي يقتضي الابتعاد عن هذه النظريات ذات البعد الصوري إلى نظريات صغرى أو وسيطية تتعلق بعمليات القرب المختلفة وذلك مثل حديثنا اليوم عن التنمية المستدامة بدل الحديث عن التنمية اللامتناهية المستنزفة للموارد الطبيعية المتناهية وهي تنمية تقوم على النظريات الكبرى؟
طبعا لن يتمكن هذا العرض الذي أقدمه إلى القارئ من الإجابة عن كل هذه التساؤلات، وإنما سوف يقتصر على كتاب نظرية العدالة للمفكر الأمريكي جون راولز John Rawls، وهو كتاب يجيب عن بعضها، ويتعرض للنقد في بعضها الآخر. فهي نظرية لا تسلم من انتقادات، مثل أية نظرية أخرى، وهي انتقادات تصب في جوهرها على فرضية الوضع الأصلي للعدالة والإنصاف، يعني أولوية العدالة على جميع القيم الأخلاقية والسياسية الأخرى، بحيث يتم النظر إليها وكأنها قيمة كل القيم. ، وفيما إذا كانت هذه الفرضية مؤسسة لاستقلالية الحقل السياسي عن النظر الفلسفي أم أن هذه الاستقلالية نفسها حاصلة بالضرورة عن الفلسفة، باعتبار هذه الأخيرة فكرا لا يقوم كفكر إلا إذا كان مستقلا عن الميول، وعن كل ما هو إمبريقي ليقيم نفسه على فكر نظري خالص من جهة النظر، وعلى أخلاقيات الواجب من جهة العمل وهي أخلاقيات تتجاوز ما هو إمبريقي ونفعي لتبحث في الوجود الإنساني من حيث هو غاية في ذاته كما يرى كانط عن المبادئ المؤسسة للعدالة والحرية والمساواة. فهذه المبادئ كما يرى ميكايل ساندل Michael Sandel في كتابه ” الليبرالية وحدود العدالة ” يمكن النظر إليها من ناحيتين: فمن الناحية الأولى تظهر لنا نظرية العدالة، ومن الناحية الثانية يظهر لنا بحث في الذات الأخلاقية. في الناحية الأولى نرى هذه المبادئ وفي الثانية نرى انعكاسا لذواتنا الأخلاقية على هذه المبادئ، وهذا يعني أن النظرية السياسية تقوم في جوهرها على أسس معرفية وأخلاقية تقوم على قوانين الإرادة وعلى قواعد العقل العملي الأخلاقي، فتتجاوز بذلك الميول والأغراض الإمبريقية. ومن المعلوم عند الفلاسفة أن المبادئ المؤسسة لقوانين الإرادة هي مبادئ قد سافرت من العقل الخالص باعتبارها موضوعات لهذا العقل، إلى العقل العملي كي تشكل أسسا لأخلاقيات الواجب عند كانط.
لقد صارت نظرية العدالة، بفضل جون راولز، على ما هي عليه اليوم في الفلسفة السياسية والأخلاقية كما يقول أمارتيا سنAmartya Sen في كتابه “فكرة العدالة”، ومعه قامت العدالة على مقتضيات مبدأ الإنصاف، وليس على مقتضيات المنفعة وحدها، إذ تم تصور الإنصاف، في هذه النظرية كما لو كان أساسا قبْليا لكل تفكير في العدالة والحرية والمساواة، وتوزيع الثروات والخيرات الاقتصادية والاجتماعية، الخ
يتجه كتاب نظرية العدالة Theory of Justice(1971) من البحث النظري في العدالة إلى تحققها في المؤسسات الاجتماعية، وذلك ضمن البنية الأساسية للمجتمع. كما يتوزع مضمونه من حيث الشكل إلى تسعه فصول. كل فصل من هذه الفصول يتوزع إلى وصلات تحليلية يصل عددها إلى سبع وثمانين وصْلة.
يهتم راولز في هذا الكتاب بالعدالة باعتبارها إنصافا، موضحا مفهوم العدالة ودورها والمبدأ الرئيسي لنظرية العدالة وكذلك وجهة نظره بصدد فرضية الوضع الأصلي الذي يقوم على حجاب الجهل، كما ناقش النزعة النفعية الكلاسيكية والنزعة الحدسية، والنزعة الإتقانية، والنظريات الغائية، ونظرية أخلاقيات الواجب، فيربط مبدئي العدالة بالمؤسسات الاجتماعية مقدما تأويلا لهما على أساس هذه الفرضية، مبرزا معنى العدالة الشكلية، والمساواة الديموقراطية، فاحصا التأويلين الليبرالي والديموقراطي للحرية وللحقوق الطبيعية، الخ. غير أنه لا يقتصر على هذه الجوانب المفهومية؛وإنما يسعى إلى الكشف، عبر تحليله لهذه الفرضية، فرضية الوضع الأصلي، عن سياق تطبيق العدالة في مجال الاقتصاد السياسي والإلزامات الشكلية لهذه الفرضية وطبيعة الحجاج الذي تقتضيه، فضلا عن فحصه للعلاقة بين توزيع الثروات وبين الحقوق والواجبات وقضايا أخلاقية مثل الواجب والالتزام. ولم يقتصر على هذا الحد، وإنما سار بتحليله أيضا إلى مفهوم الغايات قصد التعمق في دلالة العدالة عبر تحليل آخر يتعلق بأخلاقيات السلطة والجماعة والأخلاقية القائمة على المبادئ، وخصائص الوعي الأخلاقي، والذات الأخلاقية، والعلاقة بين المواقف الأخلاقية والمواقف الطبيعية. وكل ذلك دفعه إلى الحديث عن العدالة ليس من حيث هي أمر سياسي فحسب، وإنما من حيث هي أيضا خير، فاحصا الاختلافات القائمة بين العدل والخير، ومقدما الأول على الثاني من حيث نزعته الليبرالية، باحثا في معنى الاستقلالية والموضوعية والسعادة، الخ.
إن الإشكال الجوهري الذي يسعى راولز إلى معالجته هو بأي معنى تعطى الأولوية إلى قيمة العدالة كأساس لجميع القيم الأخلاقية والسياسية الأخرى ؟ وهذا الإشكال، يطرح صعوبات من طراز إبستمولوجي كما يرى ميكايل ساندل Michael Sandel في كتابه “الليبرالية وحدود العدالة”. أهم هذه الصعوبات بتمثل في الإحراج التالي: إذا كانت العدالة هي من بين القيم الأخرى في المجتمع فمن أين أتتها هذه الأولوية؟ كيف تكون لها صلاحية أعلى من هذه القيم المنتشرة في المجتمع؟ كيف يمكن والحالة هذه أن تقيم وجهة نظر نقدية لهذه القيم أن ظلت من بين هذه القيم؟ هل ينبغي للعدالة أن تكون فوق هذه القيم كي تقيم لنفسها هذه النظرة النقدية ويكون معيار حكمها على هذه القيم خارجها، وكأنها بنية قبلية سابقة على هذه القيم، فتشرط العدالة الوجود الضروري والكلي لهذه القيم كما تشرط مقولات الفاهمة الفاهمة عند كانط قيام معرفة ضرورية وكلية بالموضوعات الخارجية ؟ إن هذا الإحراج مرتبط بالكيفية التي يمكن بها لقيمة ما أن تحكم على القيم الأخرى؟ وإن شئت قلت: إنه مرتبط بالإشكال المتعلق بالتمييز بين معيار الحكم وموضوع الحكم، يعني إشكال يتعلق بالسعي إلى ردم الهوة وتقليص المسافة التي تفصل بين المعيار والموضوع، وهو حقا إشكال إبستمولوجي بامتياز قبل أن يكون إشكالا أخلاقيا أو سياسيا.
إن راولز مثل كانط يسعى إلى الكشف عن أن العدالة أول فضيلة اجتماعية، وأنه بفعلها يتم تقييم المؤسسات والتحولات الاجتماعية المختلفة، وأنه بفعلها يمكن المصالحة بين مختلف القيم المتنازعة فيما بينها. غير أن العدالة عنده ليست بقيمة ميتافيزيقية ذات بعد ترانسندتالي، ليست مثل المفاهيم والمبادئ القبلية في العقل التي يصعب إيجاد موضوعات تطابقها في الواقع، وإنما هي قيمة موضوعية لإمكان قيام مجتمع عادل. وبهذا المعنى تكون أولوية العدالة عند راولز قائمة على أسس سياسية لا فلسفية أو ميتافيزيقية كما يرى ألان تورين في كتابه نقد الحداثة. لكن اعتبار العدالة فضيلة اجتماعية معناه أن تحول دون فقدان البعض لحريته كي يستفيد منها البعض الآخر. فلا ينبغي للقليل من البشر أن يضحي في سبيل الأغلبية. لذلك لا يمكن للمساواة في الحقوق المدنية والسياسية وكذلك حرية الجميع أن يكونا موضوعا لمتاجرة سياسية ولا لحسابات المصالح الاجتماعية. فالظلم لا يكون مسموحا به إلا من أجل تجنب ظلم أكبر.
على أساس هدا التعريف فإن العدالة ليست فضيلة فردية وإنما هي بالأحرى فضيلة اجتماعية تقتضي قيام قواعد ضمن التعاون الاجتماعي.
إن هذه الأولوية المعطاة للعدالة آتية في جزء منها من النقد الذي وجهه راولز إلى النزعة النفعية الكلاسيكية التي تمنح للمنفعة القيمة الأولى. والحال أنه إن كانت المنفعة أكثر ارتباطا بالفرد، فإن العدالة تراعي كثرة البشر واندماجهم، واحترامهم المتبادل فيما بينهم، وإلا تم انتهاك هذه الاحترام إذا ما اعتبرنا المنفعة هي الأول. كما أن هذه الأولوية آتية من كون جون راولز ليبرالي غير نفعي، إنه ليبرالي يقيم نزعته هذه على أخلاقيات الواجب المستفادة من كانط. إن أخلاقيات الواجب التي فصل كانط القول فيها هي ضد الميول وأخلاق اللذة والسعادة. فأخلاق الواجب غير إمبريقية. ومفاهيمها تقوم على قوانين الإرادة وعلى مبادئ العقل العملي. غير أن راولز لم يكن هدفه إنقاذ مبادئ العقل الخالص ؛وإنما كان، وهو تحت تأثير أخلاقيات الواجب، إبعاد الميول والمنافع الشخصية عند تأسيس مبادئ العدالة، وهذا هو ما حصل عنده في فرضية الوضع الأصلي وفكرته المتعلقة بحجاب الجهل. فلا يمكن لأحد أن يحصل على ما يريد بناء على ميوله، لأن وجود الآخرين يحول دون ذلك. غير أن أمارتيا سن يوجه النقد إلى راولز في هذه المسألة، يتمثل في كون أن هذا الأخير اعتبر فرضية الوضع الأصلي هي الفرضية الوحيدة التي يمكن أن نستدل بناء عليها على قيام مؤسسات عادلة، وأنها النمط الوحيد الذي يسمح بالاستدلال المحايد القادر على تحقيق مبدأ الإنصاف. وهذا ما يجعل من نظرية العدالة كإنصاف أن تكون ترانسندنتالية في نظر سن، لأنه كيف تسمح الكثرة في مسارات العدالة بأن تختزل في مبدأ واحد أو اختيار واحد هو اختيار العدالة ؟.
ليست هناك نقطة انطلاق واحدة تعتبر نفسها محايدة، في نظر أمارتيا سن، تقطة انطلاق واحدة يمكن على ضوئها بناء حجج لقيام العدالة الاجتماعية، وإنما هناك نقط انطلاق مختلفة تزعم كل واحدة لنفسها هذا الحياد الذي إذا ما نظرنا إليه نجده قائما على نفس المستوى من الاستدلال، ويقدم لنا على ذلك مثالا يتعلق بالأطفال الثلاثة الذين يتنازعون فيما بينهم أحقية كل واحد منهم في امتلاك آلة الناي. الواحد فقير، والثاني يحسن العزف، والثالث هو صانع الناي. كل واحد من هؤلاء الثلاثة يبني منطقا سليما ويجد هذا المنطق سندا له في الاقتصاد السياسي، وفي الأخلاق. فالطفل الفقير الذي لا يملك أية لعبة له الحق في هذا الناي بناء على النزعة التي تقول بضرورة محو الفروق الاقتصادية بين الأفراد، والطفل الذي يحسن العزف يحد لمنطقه سندا عند أصحاب المتعة واللذة. أما صانع الناي فيجد السند في حق امتلاكه لهذا الناي عند “الإباحي” أو المتحرر من كل قيد le libertarien. ( فكرة العدالة، ص 38-39). ويترتب عن ذلك أنه يتوجب عند اختيار مبادئ العدالة أن تلبي جميع المطالب، أي كما يقول طوماس سكنلون Thomas scanlon أن تلبي ما لا يستطيع الآخرون أن يرفضوه ( نفسه، ص40).
يستهدف كتاب “نظرية العدالة”، إذن، بناء نظرية في العدالة ووصف وظيفتها ضمن التعاون الاجتماعي. يعرض الفكرة التي بحسبها يؤدي مفهوم العدالة من حيث هي إنصاف إلى التصور التقليدي لنظريات العقد الاجتماعي، عقد رفعه راولز إلى مستوى أعلى من التجريد إذا ما قورن بهذه النظريات. ولكي يحقق هذا الغرض قام بفحص نقدي للتصورات الكلاسيكية، النفعية والحدسية، المهيمنة على التراث الفلسفي للعدالة.
إن العدالة كإنصاف هي مثال لنظرية العقد الاجتماعي. فلما كان من الممكن قول الكثير عن مفهوم العقد عندما يطبق على النظريات الأخلاقية؛فإنه كي نفهمه ينبغي أن نستحضر في ذهننا مستوى من التجريد يحمله هذا المفهوم، ولاسيما مفهوم الاتفاق، حتى ولو لم يكن متحققا في مجتمع معطى، ومن دون أن يتبنى شكلا من الحكم. وهذا التجريد يجعل الاتفاق حاملا لبعض المبادئ الأخلاقية والإلزامات التي هي افتراضية خالصة، وهي التي يتم قبولها ضمن وضع بدئي للمساواة محدد بصورة جيدة. وهذا الوضع يتطابق مع حالة الطبيعة في نظرية العقد الاجتماعي التقليدية كما هي عند لوك وروسو وكانط واسبينوزا. هذا التطابق يتمثل في كون أن حالة الطبيعة غير مدركة كوضعية تاريخية واقعية أو كشكل من أشكال الثقافة، وإنما هي وضع افتراضي يسمح بالتفسير وبتكوين نظرية في العدالة الاجتماعية. . ويمكن القول أن اعتبار حالة الطبيعة فرضية لتفسير الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة هي التي كانت وراء تأسيس الإتنولوجيا كما يرى كلود ليفي ستروس. غير أن هذا ليس هو موضوعنا. كما أن التمييز بين حالة الطبيعة والحق الطبيعي، وبينهما وبين حق الطبيعة غير داخل في هذا الموضوع. إنما نريد أن نبين بهذا الصدد أن مقاربة راولز لمفهوم العدالة لا يتنافى مع التراث بصورة مطلقة، ولكنه أقام بينه وبين هذا التراث مسافة كي يفكر فيه. فليس هناك أي نزاع بينه وبين الفكرة التقليدية للعدالة، إلا أنه سعى في نظر بعض الباحثين إلى فصل السياسة عن الميتافيزيقا باحثا عن الكيفية التي بها يكون الشأن السياسي مستقلا عن ما ليس بسياسي.
تكمن مفاهيم العقد والاتفاق والميثاق في كونها ترفع مبادئ العدالة إلى اختيار عقلاني من طرف أشخاص هم أيضا عقلانيون، بحيث يبرر هذا الاختيار تصوراتنا للعدالة، حيث تصبح نظرية العدالة جزءا من الاختيار العقلاني. ففي عمليات توزيع الخيرات مثلا يوحي مفهوم العقد إلى الشروط الملائمة لتوزيع المكاسب والامتيازات بصورة يتوافق فيها هذا التوزيع مع المبادئ المقبولة من طرف جميع المشاركين. كما أنه مفهوم يحمل طابع العمومية التي تشكل شرطا لهذه المبادئ. وبالطبع؛فإن نظريات العقد تتسم بإلحاحها على هذه الخاصية العمومية للمبادئ السياسية.
غير أن فرقا قائما بين نظرية العدالة كإنصاف ونظريات العقد يكمن في كون أن الأولى ليست نظرية كاملة للعقد، إذ من الممكن للعقد أن يمتد ليشمل عملية اختيار نظام أخلاقي يضم جميع الفضائل ومن بينها فضيلة العدالة نفسها. والحال أن نظرية العدالة تهتم بفضيلة العدالة وبعض الفضائل المرتبطة بها فحسب. فهي لا تهتم بعلاقة الإنسان بالطبيعة، وإنما بعلاقة البشر فيما بينهم. ، يعني بالمؤسسات. فالمؤسسة هي موضوع العدالة. فمبادئ العدالة هي التي تقرر بصدد المؤسسات العادلة، ولذلك يرى بأن موضوع العدالة هي المؤسسة والبنية الأساسية للمجتمع. فلقد أقام راولز فرضيته على عقد أو اتفاق اجتماعي تتقرر من خلاله عدالة المؤسسات، وهذا يمارس، في نظر أمارتيا سن Amartya Sen أثرا عميقا على الأفراد، على رغباتهم ومشاريعهم ومعتقداتهم ومنظوراتهم للمستقبل( فكرة العدالة، ص 98-99)

تندرج العدالة عند راولز، ضمن الفضيلة مثل أفلاطون وأرسطو وغيرهما من الفلاسفة حتى ظهور ميكيافللي الذي ربط في كتابه الأمير الفعل السياسي بالمكر والحيلة، وفن التظاهر، وليس بالعدالة مفهومة ضمن الفضيلة السياسية. أما أرسطو فتصوره للعدالة كفضيلة اجتماعية يأخذ بعين الاعتبار عددا من المطالب مثل العدالة التوزيعية والعدالة التعويضية، وهما معا ضمن العدالة الجزئية بخلاف العدالة الكلية التي تتوافق مع “الحق الطبيعي” عنده، وهذه الأشكال تندرج عنده ضمن مفهوم أعم هو مفهوم الفضيلة. مع راولز تتعلق فضيلة العدالة بالمؤسسات الاجتماعية، مثل تعلق الحقيقة بالأنساق المنطقية. ما ذا يعني ذلك؟إنه يعني أن السؤال الذي يطرحه مفهوم الحق والعدل يقتضي إجابة كونية عنه من طرف المشرع، وليس البقاء عند القوانين التي يضعها بلد معين أو عصر معين كما يقول كانط في كتابه: ميتافيزيقا الأخلاق، 2، مذهب الحق ومذهب الفضيلة، تماما مثلما يقتضي سؤال الحقيقة إجابة كونية عنه من طرف رجل المنطق، أي عدم الوقوف عند الحقيقة الجزئية التي تختص بمادة معينة، غير أن هذه الإجابة الكونية ليست عند كانط صورية خالصة، وإنما هي ترانسندنتالية، يعني أنها كونية شارطة لكل حقيقة جزئية. نقول بعبارة أخرى: لا يمكن الوصول إلى معيار كوني للعدالة انطلاقا من تصورات العدالة، ومن القوانين الخاصة بعصر أو شعب معين، أو للحقيقة انطلاقا من الحقائق الجزئية؛لأن هذا المعيار الكوني ليس قائما في ما هو جزئي وإمبريقي سواء فيما يتعلق بالحق أو بالحقيقة، إذ أن هذا المعيار قائم في عقلنا بصورة قبلية. فلقد تساءل كانط حول سؤال الحق والحقيقة، الحق في مجال القضاء والحقيقة في مجال المنطق، موضحا الفرق بين الحقيقة المادية والحقيقة الصورية على اعتبار أن الأولى جزئية تلتصق بعلم وموضوع معينين، والثانية كونية هدفها هو الصلاحية الصورية أو عدم تناقض الفكر مع ذاته أيا كان الموضوع الذي يهتم به. والقصد من ذلك هو أنه بإمكان الفكر أن لا يتطابق مع موضوعه في الخارج دون أن يتناقض مع ذاته، ولكن لا يمكنه أن يتناقض مع ذاته، ويكون في نفس الوقت مطابقا لموضوعه الواقعي، وهذا يعني أن الحقيقة الصورية هي أساس كل حقيقة، غير أنها حقيقة ليست في معناها المنطقي الأرسطي، وإنما تأخذ شكلا ترانسندنتايا. وبالمثل تتحول العدالة عند راولز إلى حقيقة سياسية وأخلاقية لها هذا الطابع الكوني من دون أن تكون صورية أرسطية أو ترانسندتالية كانطية، وبدون أن تكون حصيلة النظر في قوانين مجتمع بعينه، وكأننا أمام عدالة تكتسب قيمة كونية لها مضمون واقعي. نقول: لا ينبغي البحث عن العدالة في التصورات التي لدينا عنها، وإنما ينبغي البحث عن أساس كوني ينبغي افتراضه، وهذا الأساس هو فرضية الوضع الأصلي، وضع يتعالى عن كل المعلومات التي ورثناها عن العدالة، وذلك من أجل إقامة أسس جديدة لها هي المسماة بمبادئ العدالة عند راولز.
غير أن مبادئ العدالة في نظر راولز ليست موضوعا للبحث الفلسفي حول العدل والظلم بناء على مبادئ ميتافيزيقية كما هو الحال، مثلا عند أرسطو الذي أسس تصوره السياسي للمجتمع على ضوء هذه المبادئ، مثل مبدأ الغائية ومبدأ الأفضلية؛وإنما على العكس من ذلك قام بتحليلها في علاقتها بالبنية الأساسية للمجتمع، أو بشكل أدق اهتم بالكيفية التي تقوم بها المؤسسات الاجتماعية الهامة التي هي النظام السياسي أو الدستور، والبنيات الاقتصادية الرئيسية بتوزيع الخيرات والامتيازات المستفادة من التعاون الاجتماعي، فضلا عن الحماية المشروعة لحرية الفكر والضمير، ووجود أسواق متنافسة، والملكية الخاصة لوسائل الإنتاج، والأسرة النووية، الخ. إن هذه المؤسسات، منظورا إليها كنسق، هي التي تحدد الحقوق والواجبات، وتؤثر في منظورات الناس إزاء الحياة، إزاء ما يستطيعون فعله، وكذلك حظوظهم في النجاح. فآثار البنية الأساسية للمجتمع على الحياة الاجتماعية، هي إذن بنية عميقة، وهذا هو ما يجعلها تشكل الموضوع الأول للعدالة عند راولز، طبعا دون إهمال الدور الذي يقوم به الفرد لاسيما وأن مبدأ الإنصاف يتعلق به أكثر من تعلق هذا المبدأ بهذه البنية.
ينطلق راولز من اعتبار أساسي كان وراء فرضية الوضع الأصلي وهو أن الناس يولدون ضمن مواقع مختلفة داخل البنية الأساسية للمجتمع، فتتكون لديهم تصورات مختلفة للحياة تتحدد في جزء كبير منها بالنسق السياسي وبالظروف السوسيو- اقتصادية للمجتمع. وهذه المواقع المختلفة توفر نقط انطلاق مختلفة تضر الواحدة منها بالأخرى. فمن الواضح أن كل شخص يجد نفسه، منذ الولادة، في موقع خاص يؤثر في منظوراته اللاحقة وهذا يعني إننا أمام اختلافات عميقة حاضرة في كل مكان وتطبع حظوظ الناس في الحياة منذ البداية. لقد أراد أن يقوم بمسح طاولة هذه الاختلافات والحظوظ الاجتماعية بهذه الفرضية، لأن نظرية العدالة تبين أن ليس هناك ما يبرر اللجوء إلى مفاهيم الاستحقاق والقيمة والتوزيع، الخ بناء على هذه الاختلافات والفروق الطبيعية والاجتماعية، وهي وفروق لا يمكن تجنبها، مع ذلك، في البنيات الأساسية للمجتمعات.
ما يقترحه جون راولز هو أن تطبق مبادئ العدالة الاجتماعية على هذه اللامساواة الطبيعية وعلى أشكال التفاوت الاجتماعي في لحظة أولى، ثم تحدد هذه المبادئ اختيار نظام سياسي والعناصر الرئيسية للنسق السوسيو- اقتصادي، في لحظة ثانية. فعدالة نموذج اجتماعي ما تابعة لكيفية توزيع الحقوق والواجبات والإمكانيات الاقتصادية والشروط الاجتماعية في مختلف القطاعات الاجتماعية.
إن اهتمام راولز بالعدالة الاجتماعية قد تم بطريقتين؛الأولى هي الاكتفاء بصياغة تصور معقول للعدالة يتكيف مع البنية الأساسية للمجتمع التي يتم تصورها، هنا، كنظام معزول عن المجتمعات الأخرى، فهو مثلا لا يهتم، في هذا الكتاب، بعدالة القانون الدولي العام، ولا بالعلاقات بين الدول. إن الانطلاق من تصور عدالة البنية الأساسية للمجتمع يسعى إلى معالجة وتقديم حلول لأسئلة أخرى تتعلق بالعدالة. والطريقة الثانية هي الاكتفاء بمبادئ العدالة باعتبارها قواعد لمجتمع منظم، مجتمع يفترض أن يتصرف فيه كل فرد بعدل، ويساهم في تدعيم المؤسسات العادلة. ومن تم يمكن التساؤل حول طبيعة مجتمع عادل تماما. وفي هذا الصدد يذكر راولز نظرية الطاعة كنظرية تضبط هذه المبادئ، بخلاف نظرية الطاعة الجزئية التي تهتم بالمبادئ التي تحكم سلوكنا إزاء الظلم، مثلا نظرية العقوبات، نظرية الحرب العادلة، والثورة الخ. وكذلك مساءل العدالة التعويضية. وباختصار؛فإن نظرية الطاعة الجزئية تهتم بأمور مستعجلة وإكراهية.
ما يجعل راولز يبدأ بنظرية الشروط المثالية للعدالة هو أنها شروط تمدنا بالأساس الوحيد الذي يسمح بفهم المشاكل الأكثر استعجالا، كما تسمح بفهم أعمق للطبيعة وأهداف مجتمع عادل بشكل كامل. فهذا الفهم جزء أساسي من نظرية العدالة. وهو إذا كان يهتم بالعدالة في إطار البنية الأساسية للمجتمع؛فإنه لا يرى بوضوح أية مؤسسات وأية وظائف تشكل جزءا من هذه البنية. وهذا ما دفعه إلى دراسة مبادئ العدالة وتوسيع عملية تطبيق هذه المبادئ على عناصر هذه البنية.
فكرة راولز الموجهة هي أن مبادئ العدالة التي تصلح بالنسبة إلى البنية الأساسية للمجتمع هي موضوع اتفاق أصلي، مبادئ يتفق حولها أشخاص أحرار وعقلانيون من أجل مصالحهم المشتركة وهم في وضع بدئي من المساواة، كما قلنا، ، مبادئ مؤسسة لتجمعهم، وتشكل قاعدة لجميع اتفاقاتهم اللاحقة، وتميز أشكال التعاون الاجتماعي وكذا أشكال الحكم التي يمكن أن تقام. هذه المبادئ هي التي يطلق عليها راولز نظرية العدالة كإنصاف.
يختار الأشخاص الأحرار والعقلانيون ضمن الوضع الأصلي وبفعل جماعي واحد، المبادئ المثبتة للحقوق والواجبات الأساسية، وتحدد عملية توزيع الامتيازات الاجتماعية، ويقررون بشكل مسبق، القواعد التي يحاكمون بها مطالبهم المتبادلة وما سيكون عليه القانون المؤسس للمجتمع. كما أن كل فرد منهم يقرر بشكل عقلاني خيره، وما يكون عدلا وما ليس بعدل في أحضان الجماعة. هاهنا اختيار تقيمه كائنات عاقلة، وهذا الاختيار يتم في وضعية افتراضية من المساواة في الحرية. إنهم يختارون مبدأين للعدالة مختلفين؛لأن الأول يفترض المساواة والثاني يفترض التفاوت والاختلاف أو”اللامساواة”، المساواة في الحقوق والواجبات الأساسية و” اللامساواة” السسيو-اقتصادية. غير أنه هاهنا ملاحظة هامة وهي أن هذا التفاوت في الثروة والسلطة لا يكون عادلا إلا إذا كان يوفر الخيرات للجميع ولاسيما لأولئك الذين هم أقل حظا في المجتمع. كذلك ليس من الظلم أن يحصل عدد قليل من الناس على امتيازات أعلى من المتوسط، شريطة أن يزيد هذا في تحسين وضعية الأقل حظا. فالوضع الأصلي للعدالة يقوم على الحياد اللازم لمبدأ الإنصاف. ولقد دافع راولز في كتابه “الليبرالية السياسية” ( 1993) عن الكيفية التي يشتغل بها هذا المبدأ؛لأنه على الرغم من عدم توافق المشاركين في الوضع الأصلي حول معتقداتهم الدينية، فإن المناقشات الدائرة بينهم تدفع في إطار التحليل الراولزي إلى الطريقة التي ينبغي بها الأخذ بهذه الاختلافات بعين الاعتبار، دون أن تؤدي هذه الاختلافات إلى تقويض الإجماع حول مبادئ العدالة كما يرى أمارتيا سين ( فكرة العدالة، ص 85)
هذا الوضع الأصلي يتميز بعدد من السمات أهمها هو كما يلي:
1- السمة الأولى تتعلق بكون أن اختيار مبادئ العدالة يتم خلف حجاب من الجهل؛يعني ذلك أن لا أحد بإمكانه أن يوجد في موقع يكون أفضل من موقع الآخر عند اختيار هذه المبادئ. ففي حجاب الجهل تقصى الصدفة الطبيعية، كما تقصى احتمالات الظروف الاجتماعية في عملية الاختيار هذه. فجميع الناس يجدون أنفسهم، في الوضع الأصلي ضمن وضعية متشابهة. وهذا يشير إلى أن مبادئ العدالة لا تصاغ ليستفيد منها البعض فقط، فهي نتاج اتفاق يقوم على الإنصاف. في إطار هذا الوضع الأصلي تكون العلاقات بين المشاركين في صياغة هذه المبادئ علاقة إنصاف بين ذوات أخلاقية وعقلانية لها القدرة على تحديد معنى العدالة. وهنا بالضبط تكون العدالة مماثلة تماما للإنصاف. غير أنه ينبغي، كما يقول جون راولز، الانتباه هنا إلى مسألة المماثلة فعندما نقول، مثلا، بأن الشعر مثل الاستعارة، فإن هذا لا يعني أنهما يشكلان هوية واحدة. هذا أمر يمكن للقارئ أن يدركه في ثنايا هذا العرض.
تبدأ العدالة أولا باختيار المبادئ التي تحدد جميع الانتقادات والإصلاحات اللاحقة المتعلقة بالمؤسسات، تم بعد اختيار تصور للعدالة يكون من الضروري اختيار دستور أو عمل تشريعي من أجل وضع القوانين، في توافق مع المبادئ وفي توافق مع القواعد التي كانت موضوع اتفاق في الوضع الأصلي. إن وضعية اجتماعية ما تكون عادلة حين يكون نسق القواعد العامة الذي يحدد هذه الوضعية حصيلة سلسلة من الاتفاقات الافتراضية. فعندما تكون المبادئ محددة في الوضع الأصلي وضمن حجاب الجهل؛فإن تحقيق هذه المبادئ نفسها في المؤسسات الاجتماعية يجعل المشاركين يشعرون بأنهم، حقا، أشخاص أحرار ومتساوون، كما يحسون بأن العلاقات القائمة بينهم هي علاقات قائمة على الإنصاف، وأن مصالحهم يتم تلبيتها مع وجود إكراهات معقولة تكون مقبولة من طرفهم جميعا، وهي إكراهات أو إلزامات حاصلة عن أفعالهم الإرادية وذلك بخلاف الواجبات الطبيعية.
إن الوضع الأصلي الذي يتحدث عنه راولز هو أكثر قربا من النظام التعاوني القائم على الإرادة، والحرية في اتخاذ قرار بصدد الاتفاق حول مبادئ تأسيسية تقوم قبل كل شيء على الإنصاف بحيث تكون الإلزامات التي يخضع لها هؤلاء المشاركون في هذا الوضع منهم أنفسهم.
2-السمة الثانية للعدالة باعتبارها إنصافا تتعلق باعتبار المشاركين في الوضع الأصلي كائنات عقلانية لا تحركهم المصالح الشخصية ما دام الاتفاق حول المبادئ يحصل داخل وضعية من المساواة. ومن تم فإن راولز يرى بأن المبدأ النفعي لا يتلاءم مع تصوره للتعاون الاجتماعي الذي يقوم بين أشخاص متساوين يتعاونون في سبيل مصالحهم المتبادلة. داخل الوضع الأصلي، إذن، يتم الاتفاق حول مبدأين. ويقدم راولز صيغا كثيرة لهما يعرضها في أكثر من موقع من كتابه هذا. يقول عن العرض الأول لهما
“العرض الأول لهذين المبدأين هو التالي: في مستوى أول ينبغي أن يكون لكل فرد حق مساو للنسق الأكثر امتدادا للحريات الأساسية التي يتساوى فيها الجميع، حق يكون منسجما مع نفس النسق بالنسبة إلى الجميع. وفي مستوى ثان ينبغي تنظيم التفاوتات الاجتماعية والاقتصادية بكيفية تمكننا من أن نتوقع بصورة عقلية ماذا ستكون نتائجها بالنسبة إلى فائدة كل واحد وفي نفس الوقت تكون مرتبطة بمواقع ووظائف مفتوحة على الجميع” (91)
يتضح لنا أن المبدأ الأول يتحدث عن الحق والحرية والمساواة، وهي قيم تتناسب مع نفس النسق المفتوح للجميع، ويضم المبدأ الثاني التفاوت والفروق ضمن عدم المساس بمصلحة أي واحد. فكيف يمكن الجمع بين مبدأين يقر أحدهما بالمساواة والآخر بالتفاوت ضمن نظرية واحدة للعدالة؟ بل كيف يمكن الجمع بين الحرية والمساواة ضمن نظرية سياسية واحدة؟. هذا أمر سنتركه إلى حين. غير أننا نتوقف هنا، ونحن نتابع تحليل راولز لهذا المبدأين عند عبارتين هما”امتياز كل واحد” و”مفتوح للجميع”، وسيقدم راولز الترجمة النهائية لهذين المبدأين بناء على هاتين العبارتين في الفرع السادس والأربعين من هذا الكتاب، وذلك عندما يتحدث عن الأولوية أولوية الحرية والعدالة على أولوية الفعالية والرفاهية. فالمبدأ الأول للعدالة يعطي لكل فرد الحق في المساواة وفي الحرية التي يتساوى فيها الجميع. والمبدأ الثاني للعدالة، مبدأ الاختلاف هو الذي يحسم في تطبيق العدالة في الحالات الخاصة. يعني ذلك أن الذي له القدرة على الاندماج والحياد اللازمين لبعض الوظائف يمكنه أن يستفيد من الامتيازات التي توفرها هذه الوظائف شريطة أن لا تلحق الضرر بمن ليست له هذه القدرة، فلا يتضرر مبدأ الحرية والمساواة بمبدأ الاختلاف والتفاوت في القدرات والمؤهلات.
لاحظ راولز أن عبارة المبدأ الثاني “امتياز كل واحد” وكذا عبارة “مفتوحة للجميع”بأنهما عبارتان غامضتان. ولذلك قام بتحليلهما انطلاقا من عنصرين في المبدأ الثاني، ولكل عنصر منهما معنيين، وهذا ما يجعلنا أمام أربع دلالات ممكنة. ثم أنه بافتراض أن المبدأ الأول يبقى دوما هو هو، أي المساواة في الحرية بالنسبة إلى الجميع، نحصل على تأويلات أربعة لمبدأي العدالة، ولاسيما المبدأ الثاني. فالامتياز الذي يكون لكل واحد يتفرع إلى مبدأين هما مبدأ الفروق ومبدأ الفعالية. هذا الأخير المطبق على المؤسسات الاجتماعية وعلى البنية الأساسية للمجتمع يقوم على نظام الحرية الطبيعية الذي يتحول في المجتمع إلى المساواة الليبرالية، ومبدأ الفروق الذي يرتبط بالأرستقراطية الطبيعية مثله في ذلك مثل مبدأ الفعالية المرتبط بنظام الحرية الطبيعية، وهما معا ينفتحان على المساواة في المناصب القائمة على المواهب، كما ينفتح مبدأ الفروق على المساواة الديموقراطية التي هي مساواة في الحظوظ مثلها في ذلك مثل المساواة الليبرالية القائمة على مبدأ الفعالية.
إن المبدأ الثاني للعدالة الذي يتفرع عنه مبدآ الفروق والفعالية يشير إلى أن امتياز كل واحد هو أيضا نسق اجتماعي مفتوح، ومن ثمة يضم هذا النسق نوعين من المساواة: مساواة في المناصب المفتوحة على المواهب ومساواة في الحظوظ، أي العدل. ، يعني أننا أمام الحرية التي يتساوى فيها الجميع، غير أن هذه الحرية تتعلق بنظام السوق الحرة مع إمكانية وجود وسئل إنتاج خاصة، لأن نسق الحرية الطبيعية يجعل المواقع مفتوحة على أولئك الذين يكونون قادرين على بذل الجهود من أجل الحصول على هذه المواقع، ولكن بصورة تؤدي إلى توزيع عادل لها. يتضح أن هذا يستلزم الحاجة إلى تفسير مبدأ الفعالية.
يرجع هذا المبدأ الأخير إلى المفكر الإيطالي باريتو، وهو مبدأ يتعلق بالنظام الاقتصادي. مضمون هذا المبدأ هو أن نظاما اقتصاديا يكون فعالا إذا كان من غير الممكن تعديله بكيفية يؤدي فيها هذا التعديل إلى تحسين ظروف البعض، على الأقل فرد واحد، دون أن يزيد في تدهور ظروف البعض الآخر، حتى ولو كان فردا واحدا. يعني ذلك أن تحسين الظروف الاقتصادية لا ينبغي أن يكون على حساب إلحاق الضرر بظروف اقتصادية أخرى داخل نفس النظام الاقتصادي. غير أنه من الممكن أن يؤدي نظام اقتصادي إلى تحسين ظروف البعض دون أن يلحق الضرر بظروف البعض الآخر، غير أن هذا المعنى الأخير لا يرتبط بمبدأ الفعالية كما صاغه باريتو، وإنما هو تعديل راولزي له.
إذا كان هذا هكذا بالنسبة إلى توزيع الخيرات بين المستهلكين بناء على مبدأ الفعالية، فإن هذا المبدأ نفسه يصدق على الإنتاج الاقتصادي. فالإنتاج الفعال هو ذاك الذي لا يتوفر على أية وسيلة تمكن من تعديله بحيث يسمح هذا التعديل بإنتاج كمية أكبر من بضاعة ما دون أن يؤدي ذلك إلى النقص من أنتاج بضاعة أخرى، لأنه إذا ما استطعنا كما يقول جون راولز ” إنتاج مزيد من خيرات ما بدون التقليص من إنتاج خيرات أخرى، يمكن استعمال كم الخيرات لتحسين ظروف بعض الأشخاص دون التقليص من تحسين ظروف عيش الآخرين. ” ويقدم لذلك مثالا يتعلق بتوزيع ادخار ثابت بين شخصين مستنتجا المميزات التالية:
1- إن مبدأ الفعالية ضروري ليكون هناك توزيع فعال، غير أنه لا يكفي، إذ لا بد أيضا من حضور مبدأ العدالة، لأن مبدأ الفعالية لا يكفي وحده لتطبيق مبدأ العدالة.
2- لا تعطى الأولوية لاعتبارات تتعلق بالفعالية في التوزيع الفعال، وإنما تعطى هذه الأولوية لمبدأي العدالة القائمين على نظرية العدالة باعتبارها إنصافا.
3- يكون تنظيم التوزيع فعالا إذا لم تكن هناك أية وسيلة لتعديله بشكل يزيد في منظورات البعض دون أن يقلص من منظورات البعض الآخر. في هذه الحالة يكون التنظيم الفعال تنظيما عادلا.
4- يكون تنظيم الحقوق والواجبات في البنية الأساسية للمجتمع فعالا إذا وفقط إذا كان من المستحيل تعديل القواعد، وإعادة تحديد نسق الحقوق والواجبات بكيفية تزيد في انتظارت فرد واحد دون أن تقلص من انتظارات فرد آخر في هذه البنية، مع ضرورة أن يتوافق هذا التعديل مع مبادئ أخرى، كأن لا ينتهك مبدأ الحرية أو ينتهك مطلب المحافظة على المواقع المفتوحة أمام الجميع. فما يمكن تعديله هنا هو كيفية توزيع مواقع السلطة والمسؤولية وعملية توزيع الموارد والثرة فقط.
قلنا إن مبدأ الفعالية لا يكفي كي يتم تطبيق مبدأ العدالة. ففي نسق الحرية الطبيعية مثلا يتحدد التوزيع الفعال بالتوزيع البدئي للموارد والثروة والمواهب الطبيعية، ومنه يتم التوصل إلى نتيجة فعالة. غير أن قبول هذه النتيجة كنتيجة عادلة، إنما يتعلق بالمساواة الشكلية. فأن تكون هذه النتيجة عادلة لا بد من قبول أن هذا التوزيع البدئي المحدد باستعدادات قائمة في فكرة المهن المفتوحة على المواهب يفترض مسبقا المساواة في الحرية بالنسبة إلى الجميع، أي أن الجميع لهم نفس الحقوق في بلوغ مواقع اجتماعية مختلفة. لكن هذا التوزيع البدئي يكون بالضرورة متأثرا بالمصادفات الطبيعية والاجتماعية، وحصيلة تراكم توزيعات سابقة لخيرات طبيعية، توزيعات تتأثر بالمصادفات الحسنة والسيئة كما تيسر لها ذلك في الماضي، كما يقول جون راولز،
سوف يقوم راولز بتصحيح هذا العيب القائم في نسق الحرية الطبيعية عن طريق القيام بتأويل ليبرالي له. فهذا التأويل يضيف إلى شرط المهن المفتوحة على المواهب شرط الإنصاف والمساواة في الحظوظ. فالمواقع في نسق الحرية الطبيعية لا تكون بناء على هذا التأويل مفتوحة بصورة شكلية إذ تكون للجميع حظوظا لبلوغها. وإن الذين لهم قدرات متشابهة يتوفرون على حظوظ متشابهة، ولهم نفس المنظورات في النجاح بغض النظر عن مواقعهم البدئية في النسق الاجتماعي
هذا التأويل الليبرالي لنسق الحرية الطبيعية يستهدف إلغاء التأثير الحاصل من طرف المصادفات الطبيعية والاجتماعية على عمليات التوزيع، ومن ثمة فهو تأويل يفرض على النسق الاجتماعي شروطا بنيوية منها على سبيل المثال: موضعة السوق الحرة ضمن مؤسسات سياسية مشروعة، تقوم بتنظيم القنوات الرئيسية للحياة الاقتصادية، وتحافظ على الشروط الاجتماعية الضرورية للمساواة في الحظوظ. غير أنه لما كان من باب الصعوبة التطبيق الكامل لمبدأ الإنصاف في الحظوظ ضمن نسق الحرية الطبيعية فإنه عند التطبيق يستحيل ضمان المساواة في الحظوظ بالنسبة لأولئك الذين يتشابهون في المواهب وذلك عندما تتم عملية تبني المبدأ الذي يلغي اليانصيب الطبيعي. لذلك سيقوم راولز بتأويل آخر لهذا النسق عند البحث في المساواة الديموقراطية، بعد أن وقف عند مسألة الأرستقراطية الطبيعية. ففي هذه الأخيرة لا تخضع المصادفات الاجتماعية لأية مراقبة، بحيث إن الذين يتمتعون بمواهب طبيعية يقومون بتحسين شروط الفئات والقطاعات الفقيرة في المجتمع. هذا يعني أن تطبيق النموذج الأرستقراطي على النسق المفتوح يكون عادلا من الناحية الشرعية وذلك فقط في الحالة التي يتلقى فيها من هم في الأسفل ما هو أقل إذا منح لمن هم في الأعلى ما هو أقل. هذه هي فكرة النبل الملازمة للأرستقراطية الطبيعية.
وهكذا، فإنه سواء تعلق الأمر بالتصور الليبرالي للحرية الطبيعية أو التصور الأرستقراطي لهذه الحرية، فإنهما معا يتأثران بالمصادفات الطبيعية والاجتماعية، وهما من هذه الجهة تعسفيين أخلاقيا، ومن ثمة يرى راولز ضرورة تجاوز كلا التصورين إلى التصور الديموقراطي لهذه الحرية، وهو تصور يقوم على مبدأ الفروق أو الاختلاف.
لا يكون لمبدأ الفعالية أي موقع خاص تصدر منه أحكام بصدد أشكال التفاوت السوسيو-اقتصادية للبنية الأساسية للمجتمع عندما يتعلق الأمر بالتأويل الديموقراطي الذي يجمع بين مبدأ الفروق ومبدأ المساواة العادلة. فهذا التأويل الديموقراطي ينطلق من الأسس التي تقوم عليها المؤسسات الضرورية للمساواة في الحرية السياسية بالنسبة إلى الجميع والمساواة في الحظوظ بحيث لا تكون انتظارات من هم في الأعلى عادلة إلا إذا وفقط إذا كانت تعمل على تحسين انتظارات من هم في المواقع الدنيا للمجتمع. فالنظام الاجتماعي لا يوجد كي يضمن انتظارات الأكثر حظا إلا إذا كان يزيد بذلك في تحسين انتظارات الأقل حظا. ويوضح جون راولز ذلك من خلال جداول بيانية إحصائية انطلاقا مما يطلق عليه اسم النسق العادل تماما، النسق الذي يزيد في تحسين وضعية الأقل حظا، ومن هنا، فإن تعميق الفوارق بين الطبقات الاجتماعية يزيد في انتهاك مبدأ الامتياز المتبادل ومبدأ المساواة الديموقراطية. غير أن مبدأ الفروق يكون متلائما مع مبدأ الفعالية حين يزيد في تحسين شروط البعض دون أن يؤدي ذلك إلى إفساد شروط البعض الآخر، في التصور الديموقراطي. وهذا يعني إمكان تعريف العدالة بصورة تتوافق فيها مع مبدأ الفعالية، لكن أذا تم تقليص انتظارات الأقل حظا؛فإن العدالة آنذاك لن تتوافق مع مبدأ الفعالية في هذا التصور. أما إذا ما تمكن كل واحد من استخلاص ما يزيد في تحسين وضعيته من مبدأ الفروق مقارنة بالوضع البدئي للمساواة؛فإن ذلك سوف يقود إلى مصالح مشتركة بين الجميع، وتكون المواقع والوظائف مفتوحة على الجميع. وإذا كانت سلطة القضاة والمشرعين تزيد في تحسين وضعية الأقل حظا، فإنها بذلك تزيد في تحسين وضعية المواطنين عموما. وإنه في إطار هذه المساهمات الإيجابية الحاصلة من امتيازات الأوفر حظا، يكون لمبدأ الفروق نتائج مشابهة لمبدأ الفعالية داخل التصور الديموقراطي.
يشكل مبدأ المساواة ومبدأ الاختلاف، في نظر راولز، قاعدة للإنصاف؛لأنهما يحولان دون استعمال المواهب الطبيعية والظروف الاجتماعية كامتياز من أجل الحصول على امتياز سياسي واجتماعي، بعبارة أخرى إنهما مبدآن يحولان دون اللامساوة الطبيعية من أجل بناء وضع أصلي للمساواة، المساواة في الحريات الأساسية التي تنبع منها أيضا أشكال من التفاوت والفروق والاختلافات الاجتماعية التي لا تلحق الضرر بالأشخاص الأقل حظا في المجتمع. إنهما مبدآن تتم عملية اختيارهما ضمن وضع يكون فيه الجميع محروما من معلومات تؤسس لأحكام مسبقة، فحجاب الجهل يقوم بالحيلولة دون تدخل هذه المعلومات في عملية احتيار مبادئ العدالة. هنا تقوم المساواة بين كائنات حرة وعقلانية، تجهل كل الامتيازات التي ترجع إلى الطبيعة والمجتمع.
ينطبق هذان المبدآن على الواجبات والحقوق، ويحددان توزيع الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية. ففي منظور نظرية العدالة يتم تقسيم البنية الاجتماعية إلى جزأين متميزين تقريبا، حيث يحيل المبدأ الأول على الثاني والثاني على الأول منطقيا. وهكذا يتم التمييز بين مظاهر النسق الاجتماعي التي تضمن المساواة في الحريات الأساسية بالنسبة إلى كل واحد والمظاهر التي تقيم أشكال التفاوت الاجتماعية والاقتصادية. من الأساسي أن نلاحظ أنه من الممكن إنشاء لائحة من الحريات الأساسية والتي من بينها أكثر أهمية هي الحريات السياسية مثل حق التصويت، واشتغال منصب عمومي، حرية التعبير، والتجمع وحرية التفكير والوعي، وحرية الشخص التي تضم الحماية من الضغط السيكولوجي ومن التعذيب الجسدي،، والحماية ضد التوقيف والاعتقال التعسفيين، وحق الملكية الشخصية، الخ هذه الحريات ينبغي أن يتساوى فيها الجميع تبعا للمبدأ الأول. وهذا يعني أن المساس بالحريات الأساسية التي يحميها المبدأ الأول لا يمكن تبريره أبدا، ولا يمكن تعويضه بالامتيازات الاقتصادية والاجتماعية للعدد الأكبر. فهذه الحريات لا يمكن أن توضع موضع سؤال إلا إذا كانت في نزاع مع الحريات الأساسية الأخرى
لكن من الصعب جدا إعطاء تعريف كامل لهذه الحريات في استقلال عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية والتكنولوجية لمجتمع معطى، فهو يذهب إلى القول إن سؤال الحرية ليس يتعلق بالمناقشات والخصومات الدائرة حول تعريفها؛وإنما يتعلق بالقيم النسبية لكثرة الحريات عندما تدخل في صراع فيما بينها. وهو يرى أنه إن كان بنيامين كونسطان Benjamin Constant قد ميز بين حرية المحدثين وحرية القدماء على اعتبار أن الأولى أكثر قيمة من الثانية؛فإنه لا ينبغي التضحية بالحرية الشخصية والحريات المدنية من أجل المساواة والمشاركة في الشؤون السياسية، وأن هذا السؤال الذي يخص الفلسفة السياسية ينبغي لنظرية العدالة أن تجيب عنه، على اعتبار أن تعريف الحرية ليس له إلا دور ثانوي، لذلك يربط راولز تفسيره للحرية بثلاثة عناصر قام بتفصيل القول فيها وهي الفاعلون الذين يتمتعون بالحرية، وحدود حريتهم، وما هم أحرار في فعله وما ليسوا فيه أحرارا ليفعلوه.
لكن راولز وهو يفسر المبدأ الأول يميز بين الحرية والمساواة، وبين الحرية وقيمة الحرية. فالحريات التي يتساوى فيها الجميع تكون مقيدة بالحدود المعبر عنها بهذه الحرية التي يتساوى فيها الجميع ككل، وكنسق واحد وتبعا لمبدي العدالة، وهنا تكمن قيمتها. مثال ذلك أن قيمة حرية التعبير مقيدة ببعض القواعد التي تضع النظام في حوار ما، وإلا فقد هذا الحوار قيمته كما تفقد حرية التعبير هذه قيمتها. كما أن قيمة الحرية التي يتساوى فيها الجميع، هي قيمة تتعلق بالنسبة إلى الأشخاص والجماعات بقدرتهم على بلوغ غاياتهم. فالبعض له قدرة أكبر لبلوغ أهدافه، وأن قيمة شكل ما للحرية تكون تابعة لتعريف شكل آخر لها. هذا يعني وجود اختلاف بين تنظيم الحرية وتقييدها. فالتنظيم يتعلق بالنسق الكلي، والتقييد يتعلق بالحدود التي تخضع لها الحريات المختلفة داخل هذا النسق وهي حدود حاصلة من هذه الحريات نفسها. فبحسب أولوية الحرية يقوم جون راولز بتصنيف مبادئ العدالة تصنيفا قاموسيا حيث الحريات الأساسية لا تكون محدودة إلا باسم الحرية وهاهنا حالتين
1- تقليص الحرية ينبغي أن يقوي النسق العام للحريات الموزع على الجميع
2- ينبغي للتفاوت في الحريات أن يكون مقبولا من طرف أولئك الذين يتمتعون بحرية أقل. لكن بحسب أولوية العدالة يكون مبدأ الحريات سابقا على مبدأ الفعالية وعلى الحصيلة العامة للامتيازات. كما أن المساواة العادلة في الحظوظ تكون سابقة على مبدأ الاختلاف. وهنا نسجل أيضا حالتين:
1- أن التفاوت أو الاختلاف في الحظوظ ينبغي أن يزيد في تحسين حظوظ الأقل حظا.
2- ثم ينبغي أن تلعب حصيلة الادخار دورا في التخفيف من ثقل أولئك الذين يتحملونه
نستطيع أن نتخيل الشكل العام للائحة مثل هذه وبمزيد من الدقة من أجل دعم تصور للعدالة. هناك غياب لحريات من هذه اللائحة مثل حرية التملك، مثل وسائل الإنتاج وحرية التعاقد مثلما هو الحال في مذهب “ّدعه يعمل”، لأن هذه ليست من الحريات الأساسية، ولذلك لا تكون محمية بالمبدأ الأول. وحسب المبدأ الثاني، ينبغي لتوزيع الموارد والثروات ومواقع السلطة والمسؤولية أن يتلاءم مع الحريات الأساسية ومع المساواة في الحظوظ. وهنا يمكن القول: إنه من الممكن توزيع جميع القيم الاجتماعية مثل الحرية والإمكانيات الممنوحة للأفراد وكذا الثروة والموارد والأساس الاجتماعي لاحترام الذات بالتساوي أيضا، أو على الأقل أن لا يكون التوزيع اللا متكافئ لهذه القيم، في مصلحة البعض دون البعض الآخر. وعلى هذا يرى راولز أن الظلم، هو بكل بساطة، يأتي من التفاوت الذي لا يستفيد منه الجميع. لكن هذا الأمر يحتاج إلى تفسير.
لنفترض وجود تنظيم اجتماعي فيه تتوزع الاختيارات الاجتماعية الرئيسية مثل الحريات، والحقوق، واحترام الفرد، وحفظ الصحة، والعقل، الخ، بكيفية متساوية بحيث يكون لكل واحد حقوق وواجبات متشابهة وفي نفس الوقت يكون توزيع الثروات بشكل غير متكافئ. يشكل هذا الافتراض نقطة مرجعية لتقويم التحسينات التي ستحدث: فإذا كانت العلاقات اللا متكافئة في الثروة وفي السلطة تساهم في تحسين وضعية كل واحد بالمقارنة مع الوضعية المفترضة؛فإن هذا التفاوت يكون متوافقا مع التصور العام للعدالة، وإذا لم يساهم في تحسين أوضاع الأقل حظا في المجتمع فليس بموافق لتصور العدالة. ولنفترض أن هناك أفرادا يبدون رغبتهم في أن يتخلوا عن بعض الحقوق السياسية في سبيل أرباح اقتصادية، فالنتيجة هي أن هذا الافتراض لا يندرج ضمن العدالة ومبدأيها. إنهما مبدآن يحولان دون استبدال الحريات الأساسية بالأرباح السوسيو-اقتصادية وهما مرتبان بحسب النظام القاموسي. وعلى هذا يرى راولز ضرورة الانتباه إلى الشروط التي تحدد ما هو نسبي وما هو مطلق في الأهمية المعقولة للامتيازات الاجتماعية والاقتصادية. إن التمييز بين الحقوق والحريات الأساسية من جهة والامتيازات الاجتماعية والاقتصادية من جهة أخرى، يكشف عن الاختلاف بين الخيرات الاجتماعية الأولى داخل النسق الاجتماعي.
غير أن أمارتيا سن وهو يتحدث عن المشاكل التي تعترض أولوية الحرية في نظرية العدالة كإنصاف، وهي مشاكل تقبل الحل داخل تصور راولز نفسه يرى أن هذه الأولوية مبالغ فيها، لأنه من الممكن أن تعطى الأولوية مثلا للجوع وسوء التغذية، الخ، بحيث تكون أكثر أهمية من انتهاك حرية شخصية ( فكرة العدالة، ص 96). طبعا يرى أن للحرية أولوية ما، ولكنها ليست مطلقة إذا ما قورنت بعدد من الآليات المتعلقة بضرورة التوازن بين قوى متعاكسة حيث يتم السماح بإعطاء امتياز جزئي لانشغال ما على آخر.
فيما يتعلق بالمبدأ الثاني، مبدأ الاختلاف قام راولز بتقييم الإمكانيات الممنوحة للأفراد بناء على الوسائل التي يتوفرون عليها، دون أن يأخذ بالاعتبار، كما يرى أمارتيا سن التنوع الكبير في القابلية أو الاستعداد المتعلق بتحويل هذه الخيرات الأولية، ومن بينها الحرية، إلى حياة تلبي حاجيات الأفراد المختلفة. فالمرأة الحامل، مثلا، تحتاج إلى تغذية جيدة أكثر من غير الحامل، الخ، وهذا يعني أن حاجيات الناس مختلفة، وان استعداداتهم لتلبية هذه الحاجيات ليست على نفس المستوى من القدرة.
في إطار العلاقات الاجتماعية يتعرف الأفراد على قواعد للسلوك كقواعد إلزامية، ينبغي عليهم أن يتصرفوا في توافق معها، إذ أنها هي التي تحدد النظام التعاوني الذي يستهدف تحقيق الخير لهم. غير أن المجتمع لا يتسم بالتعاون وحده وإنما أيضا بصراع المصالح، فالناس أثناء عمليات التوزيع، توزيع ثمار مساهماتهم، يفضلون الحصول علي جزء أكبر من الامتيازات. لذلك يكون المجتمع في حاجة إلى المبادئ لتوزيع الخيرات وإلى اتفاق حول توزيع سليم لها. تلك هي مبادئ العدالة التي بحسبها يتم تثبيت الحقوق والواجبات داخل المؤسسات الاجتماعية وتبين التوزيع الملائم للأرباح وللمسؤوليات داخل التعاون الاجتماعي.
إن المجتمع المنظم هو مجتمع يسمح بالتوزيع العادل للثروات. لكن ناذرا ما تكون المجتمعات منظمة بهذا المعنى ؛والسبب في ذلك يعود إلى تصورات الناس للعدالة، بمعنى أن ما هو عدل وما هو ظلم غالبا ما يكون موضوع نقاش. فالناس، بهذا المعنى، لا يتفقون عادة حول المبادئ التي ينبغي أن تحدد المصطلحات، المفاهيم والتصورات التي تؤسس تجمعهم واجتماعهم. لكن بالرغم من عدم الاتفاق حول المصطلحات وحول تصور واحد للعدالة، فإن الناس يحسون الحاجة إلى ضرورة قيام مبادئ تسمح بتثبيت الحقوق والواجبات الأساسية وتحدد ما يعتقدون أنه توزيع ملائم للخيارات وللمسؤوليات داخل التعاون الاجتماعي. ومن هنا يميز جون راولز مفهوم العدالة عن تصورات العدالة: إن الناس الذين لهم تصورات مختلفة عن العدالة يمكنهم، مع ذلك أن يتفقوا حول المؤسسات العادلة، وهي تلك التي لا تقيم أي تميز تعسفي بين الأشخاص في تثبيت الحقوق والواجبات الأساسية وبالتالي تقيم توازنا ملائما بين المطالب المتنافسة بصدد امتيازات الحياة الاجتماعية.
إن هذا التمييز بين مفهوم العدالة وتصورات العدالة يساعد على تحديد الدور الذي تقوم به. فبالإضافة إلى مسألة الاتفاق حول تصورات العدالة، هناك مساءل أخرى تتعلق بالتعاون الاجتماعي، وهي مسألة التنسيق،، مسألة الفعالية، ومسألة الاستقرار. إن مشاريع الأفراد مثلا تحتاج إلى تنسيق يمكِّن أنشطتها من أن تتوافق بشكل يقود إلى ما هو خير بدون أن تكون التوقعات المنتظرة من هذه المشاريع معرضة للفشل. وهذه المشاريع في تحقيقها لبعض الأهداف الاجتماعية تحتاج إلى وسائل تكون في ذات الوقت فعالة ومتلائمة مع العدالة، كما تقتضي أن يكون هناك استقرار في نظام التعاون الاجتماعي، إذ ينبغي أن تكون هذه المشاريع متوافقة مع قواعده الأساسية. حينما تحدث تصدعات ما، مثلا، ينبغي أن تتدخل عوامل الاستقرار لتعيد إلى النظام استقراره وتحول دون وقوع انتهاكات في المستقبل.

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية” ومشروع “منبر الحرية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: