بين خلق فرص العمل وخلق الثروة

People use computers at an internet cafe in Changzhi

درجت العادة على تقييم السياسات الحكومية على أساس عدد فرص العمل التي تخلقها، كما ينظر إلى الحد من الاستيراد كطريقة لحماية فرص العمل المحلية وخلقها، وتساق الأعذار في تبرير اللجوء إلى التفضيلات والثغرات الضريبية باعتبارها من الطرائق التي تزيد فرص العمل في النشاط الاقتصادي المرغوب. وليس من الغريب أن نجد الرؤساء وهم يشيرون بافتخار إلى عدد فرص العمل التي تم خلقها أثناء إدارتهم للبلاد، ولا تكاد تجد برنامجا للإنفاق الحكومي لم يقم مؤيدوه بالإشارة إلى أنه (يخلق فرص العمل)، حتى أن هنالك من ينظر إلى الحروب باعتبارها تنطوي على جانب إيجابي هو (خلق فرص العمل).
لا بد أن نذكر أولا بأنني لا أعترض على (خلق فرص العمل)، فالعمل في وظيفة من الوظائف هو طريقة مهمة لخلق الثروة، لذلك فإنني أتفهم التشديد على خلق فرص العمل، لكن ما يجب أن يقال هنا هو أنه من السهل على الناس أن ينسوا بأن خلق المزيد من الثروة هو ما نحتاج إلى تحقيقه فعلا، وأن فرص العمل ليست إلا وسيلة لتحقيق هذه الغاية؛ وعندما ينسون هذه الحقيقة الجوهرية فإن من السهل خداعهم بحجج ترفع قضية (خلق فرص العمل) إلى مستوى تكون فيه غاية بذاتها، وعلى الرغم من أن هذه الحجج تبدو مقنعة نوعا ما، فإنها تستخدم لتدعم سياسات تؤدي إلى تدمير الثروة بدلا من خلقها، وسأتناول في ما يلي بعضا من الأمثلة المحبطة.

المشكلة ليست في خلق فرص العمل

إن هدف أي نشاط حكومي يتمثل في إنتاج أكبر ما يمكن من القيمة باستخدام الموارد النادرة (بما فيها الجهد البشري)، لكننا مهما ابتعدنا في تقليص مستوى الندرة فإنها لن تزول تماما، فالندرة ستبقى إلى الأبد مانعا يحول دون حصولنا على كل ما نتمناه، وسيكون هنالك على الدوام أمور ينبغي إنجازها تتجاوز بكثير ما تم إنجازه من قبل، ولذلك فإن خلق فرص العمل ليس هو المشكلة، وإنما تكمن المشكلة في خلق فرص عمل يستطيع الناس من خلالها إنتاج القيمة الأعلى. إن هذا الاستنتاج هو العبرة التي نخلص إليها من قراءة تلك القصة الشهيرة عن المهندس الذي زار الصين وشاهد حشدا هائلا من العمال الذين يبنون سدا بالمعاول والمجارف اليدوية، فذهب إلى المشرف وقال له بأن من الممكن إنجاز العمل في غضون أيام قلائل، وليس شهورا عديدة، باستعمال الجرافات، فأجابه المشرف بأن الآلات ستؤدي إلى زوال العديد من فرص العمل، فرد عليه المهندس: “عفوا، لقد كنت أعتقد بأنك مهتم ببناء السد؛ فإذا كانت فرص العمل هي ما تهتم به فلماذا لا تجعل عمالك يستخدمون الملاعق بدلا من المجارف؟!”.
وكما أقول دائما لطلبتي في جامعة جورجيا، فإنني على استعداد لتوظيف كل شخص من سكان المدينة التي تقع فيها كليتنا إذا كانوا يتقاضون أجرا منخفضا بما فيه الكافية (خمسة سنتات في الشهر مثلا)، بل إن هذا الأجر إذا انخفض أكثر فسيكون بإمكاني توظيف كل سكان ولاية جورجيا، وسيمكّنني هذا الأجر المنخفض من تحقيق الأرباح عبر بناء السدود باستخدام الملاعق. ولا شك في أن طلبتي يدركون أن هذا العرض يفتقر إلى الجدية، فهم يستطيعون جني أجر أكبر بكثير من خلال العمل لدى أرباب عمل آخرين، وهذا يعكس السبب الأهم في عدم جدية العرض الذي تقدمت به، وهو أنه يركز على عدد فرص العمل بدلا من التركيز على القيمة التي تنتج عن العمل (أو التي لا تنتج عنه)، فهنالك قيمة أكبر تنتج عن فرص العمل التي تدفع أجرا أكبر بالمقارنة مع العمل لدي. إن من المنافع الكبيرة التي نلاحظها في أجور سوق العمل المفتوح: أنها لا تجتذب الناس إلى العمل في أية فرص عمل تتاح هنا أو هناك، وإنما تدفعهم نحو فرص العمل ذات القيمة الأعلى.
وهنالك منفعة أخرى لسوق الأجور، وهي أنه يجبر أرباب العمل على أخذ (تكلفة الفرصة) بالحسبان عند توظيف عاملين تبرز قيمتهم في وظائف أخرى، وعلى البقاء متنبهين باستمرار للسبل التي يمكن من خلالها تقليص الوظائف عبر خلق القيمة نفسها بتوظيف عاملين أقل. إن التقدم الاقتصادي بكافة أشكاله ينتج عن التمكن من تقديم السلع والخدمات نفسها، أو نسخ مطورة عنها، باستخدام عدد أقل من العاملين، وهكذا فإن التخلص من بعض الوظائف وإطلاق القوة العاملة الزائدة يؤدي إلى زيادة الإنتاج من خلال فرص عمل جديدة أكثر إنتاجية؛ وإن العجز عن فهم هذا المورد من موارد زيادة الازدهار هو الذي يشرح سبب التعاطف الواسع مع السياسات العمومية المدمرة.

نسف الطريق إلى المزيد من فرص العمل

في أربعينيات القرن التاسع عشر، أطلق أحد السياسيين الفرنسيين دعوة جدية لنسف السكك الحديدية في مدينة بوردو الفرنسية، والتي تمر بها السكك الحديدية للقطارات التي تنقل المسافرين بين باريس ومدريد، وذلك من أجل خلق المزيد من فرص العمل في هذه المدينة؛ فوفق هذا الإجراء ينبغي نقل الأمتعة من قطار إلى آخر، ويتوجب على المسافرين قضاء ليلتهم في فنادق المدينة، وهذا كله يعني مزيدا من فرص العمل لسكان بوردو.
إن هذا المقترح يبدو أكثر سخفا من العرض الذي اقترحته بتوظيف الناس مقابل خمسة سنتات في الشهر، فعلى الأقل سيؤدي عرضي إلى توظيف الناس في عمل ينتج شيئا ذا قيمة عوضا عن الإصلاح الجزئي لضرر ما كان ينبغي التسبب به أصلا. ومع الأسف، فإن سخافة المقترح لا تمنع السياسات المدمرة اقتصاديا من طرحه وتطبيقه، فعندما يستخدم أحدهم مبرر (خلق فرص العمل) يندفع السياسيون إلى سن تشريعات تزيد من الجهد الذي يلزم بذله لخلق مقدار معين من القيمة.
ومن الحجج التي تطرح للحد من الاستيراد أن هذا الإجراء يؤدي إلى خلق (أو حماية) فرص العمل المحلية؛ وإذا كان هذا الطرح صحيحا فمن الصحيح أيضا القول بأن نسف جزء من السكك الحديدية يؤدي إلى خلق فرص محلية أيضا؛ فما يجمع بين الاثنين هو أن قيود الاستيراد تزيد تكلفة الحصول على منتجات قيمة، فالسبب الوحيد الذي يلجئ البلاد إلى الاستيراد هو أن هذه هي الطريقة الأرخص للحصول على هذه المنتجات، كما إن عددا أقل من الأيدي العاملة يلزم للحصول على السلع المستوردة عبر التجارة الخارجية إذا قارنا الأمر بالعدد اللازم لإنتاجها بشكل مباشر. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار التجارة بمثابة تقدم تكنولوجي يحرر العاملين ويسمح لهم بزيادة إنتاج السلع والخدمات المتاحة للاستهلاك. وإذا قبلنا بأن قيود الاستيراد تخلق فرص العمل فإنه يمكن خلق فرص العمل أيضا بنسف السكك الحديدية، وتفجير المصانع، وإجبار العمال على استخدام المجارف اليدوية بدلا من الآلات. ولذلك يجب علينا أن لا ننسى بأن خلق فرص العمل يمثل وسيلة من وسائل الغاية الأساسية للنشاط الاقتصادي، وهي: خلق الثروة.

خلق فرص العمل الحكومية

بما أن الناس يميلون إلى الاعتقاد بأن الوظيفة غاية لا وسيلة فمن السهل خداعهم وإقناعهم بدعم البرامج الحكومية على أساس أنها ستؤدي إلى خلق فرص العمل؛ وليس هنالك من لم يسمع أحدهم وهو يؤيد إقامة القواعد العسكرية وشق الطرق السريعة وفرض الضوابط البيئوية على المشاريع القائمة بناء على هذا الادعاء. وإذا أرادت الوكالات الحكومية تبرير حجم إنفاقها فستقوم بدراسات لحساب المنفعة والتكلفة وتدرج فيها عدد فرص العمل التي تم خلقها باعتباره من المنافع، وهذا أشبه بحساب ساعات عملك من أجل اكتساب المال لشراء سيارة واعتباره أحد منافع هذه السيارة. إن فرص العمل التي يخلقها المشروع الحكومي تمثل إحدى تكاليف المشروع (تكلفة الفرصة)، فالعاملون في النشاطات الحكومية ربما يمكنهم إنتاج قيمة من خلال العمل في مجال آخر، والسؤال الذي يجب طرحه هنا لا يتعلق بما إذا كان المشروع الحكومي يؤدي إلى خلق الثروة، وإنما بما إذا كان العاملون في هذا المشروع ينتجون قيمة تفوق قيمة عملهم في مجال آخر؛ لكن الداعين إلى البرامج الحكومية لا يرغبون بطرح هذا السؤال، ولو كان هنالك اهتمام بهذا السؤال لكنا نرى عددا أقل من الوظائف الحكومية ذات الإنتاجية المنخفضة، وعددا أكبر بكثير من الوظائف ذات الإنتاجية العالية في القطاع الخاص.

دوايت لي أستاذ في كلية تيري لإدارة الأعمال في جامعة جورجيا وزميل مساعد في مركز دراسات الاستثمارات الأمريكية في جامعة واشنطن سانت لويس.

ترجمة: علي الحارس

حقوق المؤلف محفوظة “للمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية” ومشروع “منبر الحرية”.
يرجى ذكر المصدر عند إعادة النشر.

Share Button

الكاتب: