الأحزاب المغربية: نجاح في التحديث التنظيمي وصعوبات في الحداثة السياسية

DSC04373

أجمع المشاركون في ندوة “الأحزاب السياسية بين التقليد والتحديث” التي احتضنها المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية أمس السبت أن اختلالات الممارسة الحزبية سببها عوامل ذاتية وموضوعية، كما  أشاروا إلى أن التحديث التنظيمي للأحزاب لم يوازيه تبني للحداثة السياسية في بعدها الفلسفي الشامل بما تعنيه من مركزية الإنسانية وعقلنة الفعل السياسي والاحتكام إلى إرادة التعاقد. الندوة التي شارك فيها  كل من محمد الساسي وعبد الحي المودن وفوزية الأبيض وعبد السلام الطويل وأدارها محمد سبيلا ومحمد تملدو قاربت الظاهرة الحزبية والأحزاب  السياسية  في ظل مناخ الحراك الذي تشهده المنطقة.

عبد الحي المودن: تدبير الاختلاف هو الأساسي وليس من يحتكر الحداثة

DSC04369

 اعتبر عبد الحي المودن أن السؤال الأساسي الذي يجب أن يتصدر التفكير ليس من يحتكر الحداثة ولكن السؤال ماذا نفعل عندما نختلف وكيف ندبر هذا الاختلاف، لأن تدبير الاختلاف واقع حداثي جديد، وترسخ بشكل كبير بعد أحداث الربيع العربي وتواجد المجتمع لأول مرة ليس في مواجهة الدولة فقط بل في مواجهة المجتمع وفاعليه  لبعضهم البعض.

ودعا المحاضر إلى ضرورة تفادي تدخلات قوى من خارج المجتمع في توجيه دفة الأمور حيث اعتبر أن الصراعات الدموية التي تشهدها سوريا والتشنجات التي تعيشها مصر سببها وجود قوى لا تريد أن تعترف بشرعية ما يقرره المجتمع.

وفي السياق ذاته اعتبر عبد الحي المودن أن المجتمع لم يكن مؤهلا بالشكل الكافي ليدبر اختلافاته، وهذا ما يفسر الصراعات الدموية التي انتهى إليها الربيع العربي بعدد من البلدان والصراعات المتشنجة بمصر. وأضاف أن واقع غياب الأجوبة ذات البعد الشامل أصبح واقعا جديا يمكن أن نسميه  بواقع ما بعد حداثي حيث  تتشتت وتتنوع الإشكالات، وليست لدينا أطروحات كبرى بفعل وجود واقع تعددي، هذا الواقع التعددي يدخلنا في صلب التعددية، ولا يمكن معالجته في المغرب إلا من خلال الاعتراف بمشروعية هذا التعدد.

ويقتضي التعدد، حسب المحاضر، تلافي المقاربات المطلقة التي تدعي امتلاك طرف ما للحقيقة إذ “لا وجود لحزب يمتلك الحقيقة “. وفي سياق فرضياته لتدبير الاختلاف، قال المودن أننا لا نملك جوابا نهائيا خاصة وأن تجربة الانتخابات واعتبارالأصوات الفاصل تعرف صعوبات من خلال النموذج المصري بسبب وجود قوة خارج التعبير السياسي للمجتمع والتي تعتبر أن صناديق الاقتراع ليست هي المؤهلة للحسم في الأمر، ليخلص إلى “أن تدخل سلطة من خارج المجتمع يعني فشل الديمقراطية”.

وفي معرض تحديده لمعالم سياسة التحديث سواء بالنسبة للمنظومة السياسية المغربية في عموميتها أو بالنسبة للفاعل الحزبي قال المحاضر أنه من الناحية النظرية فالحزب السياسي هو شكل تنظيمي حديث وعصري. لكن  إلى أي حد يستجيب الحزب السياسي لماهيته الأصلية وإلى أي حد تجرفه المحددات التقليدية. وللجواب عن هذا السؤال أقر المودن أن التفكير في طبيعة النظام السياسي المغربي والتي تقسم بين دولة تقليدية وأحزاب حداثية تواجهه العديد من الإشكاليات.

 ولعل الإشكالية الأولى، يقول المحاضر، تتمثل في أن الواقع يثبت أنه وبرغم  استمرار التحولات الحداثية من قبيل التمدن وانتشار التعليم وتزايد الطبقة الوسطى، فإن المؤسسة الملكية تمكنت من ترسيخ نفسها فيما يستمر تراجع هذه الأحزاب. إنه السؤال الذي لا زال يواجه الفكر الحداثي، يؤكد المحاضر، والجواب أن المخزن رسخ فكرة التقليد وعلى رأسها القبيلة الانقسامية والفكر التقليدي وإعادة ترسيخ التقاليد والمؤسسات الديينية وتقوية المؤسسات التقليدية.

أما الإشكال الثاني فيتعلق بطبيعة الأسباب التي أدت إلى ضعف الاحزاب الحداثية واستمرار انشقاقه وتفتت قوتها وضعف وجودها المجتمي. وهنا شدد المتدخل على ضرورة إعادة قراءة الواقع لأن الأحداث السياسية تتطور بشكل بالغ السرعة. وفي هذا السياق أشار المودن إلى أن واقع ما بعد الربيع العربي أفرز تراجع الصراع ما بين الأحزاب والدولة لفائدة ظهور الأحزاب الدينية. وفي هذا الصدد يعتبر المودن أن تراكم الأبحاث أبرزت إجابات مختلفة ولا تشير بالضرورة علامات على كون هذه الاحزاب الدينية تقليدية بل تحمل علامات حداثية على عكس ما كان سائدا من أفكار تعتبر الحداثة احتكار على بعض الاحزاب دونها.

الساسي : الأحزاب ناجحة في التحديث التنظيمي ومندحرة في الحداثة السياسية

DSC04382

اعتبر محمد الساسي في ندوة الشهر بالمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية أن الأحزاب المغربية تعرف تحديثا تنظيميا لا يمكن إنكاره، لكنها بالمقابل تعرف تراجعا للحداثة السياسية بما تعنيه من مركزية الإنسان والارتكان لإرادته واعتبار التعاقد الاجتماعي أساس تدبير الحكم وحل مشاكل الناس.

وقال محمد الساسي أستاذ العلوم السياسية بالرباط في ندوة أمس السبت أن التحديث التنظيمي واقعة لا يمكن إنكارها في الحياة الحزبية المغربية نظرا للتطورات التنظيمية التي شهدتها الاحزاب المغربية بدون استثناء. مضيفا أن هذا التحديث يحمل العديد من المفارقات ولم ينكر في الوقت ذاته وجود تحديث تنظيمي على مستوى الدولة أيضا.

وحول مناحي هذا التطور التنظيمي قال عضو المكتب السيسي للحزب الاشتراكي الموحد أن ماضي الممارسات الحزبية التي كانت تتسم بالمنحى الرئاسي وبتحكم الجهاز التنفيذي وتراكم المسؤوليات الحزبية، ورفض الاختلاف، وتعطيل تداول النخب وغيرها لم يعد ممكنا. وتعود أسباب هذا التحديث إلى ما سماه الساسي، قوانين الطبيعة والموت الذي غيب قادة  ما يسمى الشرعية التاريخية بالإضافة إلى ضغط القاعدة، وانتظام الانتخابات التي تشكل لحظة حرية، بالإضافة إلى ظهور وافدين جدد وصراع المصالح بعد أن صارت المهام العمومية مدرة للدخل، و كثرة الأحزاب وما رافقه من نشوء التنافسية. ولذلك يقول الساسي “لاوجود لحزب قادر على تجاوز المد العام”.

في هذا الصدد ميز الساسي بين أحزاب الأعيان وأحزاب المناضلين قبل أن يستطرد لكن المفارقة هو أن أحزاب الأعيان أصبحت تستعير الأليات الديمقراطية كما أن أحزاب المناضلين صارت تستعير آليات الأعيان. وسجل الساسي من جهة أخرى مفارقة التحديث التنظيمي والتي تتمثل في أن الدولة وعبر أداتها الأكثر صلابة هي التي أرغمت الاحزاب على تحديث تنظيماتها إذ أن “التحديث التنظيمي ناتج عن مباردة مخزنية تنظيمية، فوزارة الداخلية هي التي حررت قانون الأحزاب، وأقرت ضروة التدبير الديمقراطي للاحزاب و الإختيار الديمقراطي للمرشحين وألزمت الجميع بضرورة التوفر على برنامج مكتوب”.

وبمقابل هذا التحديث التنظيمي سجل المحاضر تراجع الحداثة السياسية بما تعنيه من مركزية الإنسان على المستوى الفلسفي والتعاقد الإجتماعي على المستوى السياسي. وأرجع الساسي  تراجع الحداثة السياسية إلى كونه وقعت بطريقة قسرية. وقال في هذا الصدد أن التحديث أمر واقع أما الحداثة السياسية بما تعنيه من تتثمين لإرادة الإنسان والعقل وإرادته والشرعية الصاعدة إلى الأعلى وسلطان الإرادة، والعقد شريعة المتعاقدين.

أضاف في هذا الصدد أن لا حداثة سياسية دون أن يكون مصدر القانون هو التعاقد، والإيمان بأن البشر قادرون على حل مشاكلهم بنفسهم عن طريق العقد الاجتماعي الذي يمثل إرادة الشعوب التي تشكل مناط سلطة الحكم. هذه الأسس هي التي تسمح بالانتقال إلى دولة المؤسسات من أجل رفض السلطة المطلقة، بحيث يجب أن تنتصب أمام كل سلطة سلطة مضادة. وفي سياق مفارقات الحياة الحزبية المغربية، سجل الساسي اندحار الحداثة السياسية لدى عدد من الاحزاب اليسارية حيث أن “أضعف المذكرات الدستورية هي المذكرات التي قدمتها الأحزاب اليسارية وهو اندحار للحداثة وقبول للوصاية والطاعة “، يقول الساسي.

الجلسة الثانية من الندوة

 عبد السلام الطويل :العدالة والتنيمة حزب علماني و”مشاركته في السلطة بأي ثمن أمر سيء”

DSC04390

قال عبد السلام الطويل في ندوة الشهر التي نظمها أمس السبت المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية أن حزب العدالة والتنيمة يقبل فكرة العلمانية الجزئية وأن موقفه من العلمانية يرتكز على اجتهادات محمد عابد الجابري وعبد الوهاب المسيري.

وأضاف الباحث في العلوم السياسية في ذات الندوة التي احتضنها مقر المركز بالرباط أن “الحزب يرفض فكرة العلمانية الصلبة ويقبل العلمانية الجزئية لذلك يمكن القول بأن هناك بعد علماني في موقف الحزب في حين يتم التحفظ على الخلفيات المرجعية المادية لمشاريع التحديث. وهكذا يضيف المحاضر، نجد في الأدبيات المؤسسة للحزب وعيا بمختلف المدارس الكبرى للعلمانية حيث يرفضون النموذج الجاكوبي الفرنسي ويتفهمون النموذج الأكلوساكسوني الأمريكي”.

اعتبر عبد السلام الطويل أن موقف العدالة والتنمية من عدد من القضايا ومن بينها قضية الملكية لم يكن وليد اللحظة، بل تأسس عبر مجهود كبير بذلته مجموعة من النخب للتمييز بين العرش والجالس على العرش. وأضاف الطويل” أن العدالة والتنمية لا يشكل خطرا أو تحديا بل “كان بردا وسلاما على الجميع”.

من جهة أخرى، أضاف المحاضر أن خلاصة بحثين كان قد أجراهما قبل مدة حول مواقف الفاعلين الأساسيين بالحزب أثبتت أن هناك توجها عاما واستعدادا للمشاركة في السلطة وتوجها عاما لدى رموز الحزب بأي ثمن و”كان ذلك بالنسبة لي سيئا”.

وفي إطار تحليله لنجاح الحزب في التحول إلى قوة سياسية أساسية قال الطويل أن التنظيم استفاد من مآلات الحركة الإسلامية في السودان، و سوريا ومصر والجزائر كما أن قوة اليسار الإيديولوجية فرضت على الحزب مراجعات كثيرة. غير أن ما نعانيه فعلا يقول الطويل، هو غياب بدائل حقيقية حيث تظل الفاعلية للمؤسسة الملكية من خلال مبادراتها.

وفي هذا السياق قال المحاضر لا يمكن للأحزاب السياسية أن تنعزل عن الشمولية الاجتماعية في كل سياقها .لأن الاحزاب تظل خاضعة لنفس الميكانيزمات المجتمعية الموسومة بالتراثية والحداثية في نفس الوقت خاصة وأن فرض التحديث على المجتمع المغربي تم بقوة الشروط الموضوعية.

وحول الشروط الأساسية اللازم توفرها في الحزب السياسي قال الطويل إنه” لا يمكن لأي حزب سياسي أن يقدم نفسه كنموذج إلا إذا حاز على نصابين: أن ينجح في معالجة إشكالية الحداثة والموقف من التراث، وأن يؤسس لحد أدنى من الاستقلالية. لكن حزبا سياسيا عاجز أن ينجح جريدة يومية أشك في إمكانية نجاحه في تدبير بلد، لأن الحزب يجب أن  يكون محضنة لفكرة الانتاج وفكرة الفعالية والإبداعية، ولا يجب أن يكون مشجبا للسلطة تراهن عليه لحل الأزمات”.

وفي تحليله لبنية الأحزاب المغربية توقف الطويل عند ما سماه “معوقات البنية الاجتماعية التقليدية، ومعوقات النشأة، في كنف الجماعة الوطنية. واعتبر في هذا السياق أن الانقسام العلماني الديني معركة خاسرة ولن تفضي إلا إلى التشرذم ، كما تحدث عما سماه “عائق الوصم” والذي يعني إطلاق التصنيفات الجاهزة. وأشار إلى أن الصراع الوجودي مع النظام فرض تبني سياسة الاختراق والإفساد وما ترتب عن ذلك من جماعات طفيلية الامر الذي عطل مفعول شرعية الأداء الحزبي. لم يتردد المحاضر في التحذير من الدخول في سجالات ذات طابع هوياتي لا يمكن حسمها بصراع وسجالات.

 فوزية الأبيض : الليبرالية جنبت المغرب الحزب الوحيد

 DSC04391

وفي سياق آخر توقفت فوزية الأبيض في مداخلة بعنوان “الأحزاب المغربية بين الحداثة والليبرالية “عند بعض مظاهر الاختيارالإيديولوجي الليبرالي لدى بعض الاحزاب المغربية وحول مدى تجذر وتجسد هذا الاختيار ومدى اندراجه الفعلي في أفق التحديث السياسي. وأشارت المتدخلة إلى مساهمات الأحزاب الليبرالية المغربية في ضمان التعددية الحزبية بعد أن ناهضت التوجه نحو نظام الحزب الوحيد. غير أن المتدخلة استطردت قائلة بأن الليبرالية على المستوى الاقتصادي ظلت دون تطبيق فعلي. وفي سياق حديثها عن حزب العدالة والتنمية قالت الأبيض أن الحزب يعيش تناقضات داخلية بين المتشددين فيه والتيار العلماني.

يذكر أن المركزالعلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية المنظم للندوة، مؤسسة بحثية علمية عربية تأسست بالرباط من طرف ثلة من الباحثين حيث تمكن المركز في غضون السنة الأولى من تأسيسه من تنشيط الحركية الثقافية المغربية من خلال احتضانه عددا من المحاضرات والندوات المحلية والدولية كان أبرزها سلسلة آفاق الدولة المدنية بالعالم العربي في أربع نسخ بالإضافة إلى استضافة عدد من وجوه المشهد الثقافي العربي من تونس والجزائر وسوريا وفلسطين والعراق وغيرها.

Share Button

الكاتب: