آليات العقل الإيديولوجي في كتابات ناصيف نصار

p16_20111027_pic1

تشكل مسألة الإيديولوجيا محورا أساسيا بل مركزيا ضمن اهتمامات د.ناصيف نصار الفكرية. وهذا الاهتمام المركزي لم يكن ناتجا عن مجرد ترف فكري بقدر ما كان استجابة لمقتضيات الواقع الاجتماعي اللبناني والعربي. فالصراعات الإيديولوجية بمختلف تلويناتها السياسية والفكرية والاجتماعية هي صراعات مركزية وحادة قد تبلغ أحيانا حدود الاحتراب بالسلاح. ولعل من بين أكبر القضايا التي شدت تفكير نصار هي مسألة الطائفية بما تتضمه من ولاءات وعداءات وتحيزات. فالتفكير في الظاهرة الإيديولوجية هو تفكير في الواقع الاجتماعي والسياسي والفكري اللبناني والعربي.

وقد أدى هذا الاهتمام عبر المسار الفكري للأستاذ ناصيف نصار إلى تبلور نظرية متكاملة واستيفائية تقريبا حول الإيديولوجيا. العناصر الكبرى لهذه النزرية هي:

- تعريف الإيديولوجيا

- أصناف الإيديولوجيا عربيا وكونيا

- التمييز بين الإيديولوجيا والعلم والفلسفة والدين والسياسة

- وظائف الإيديولوجيا

- الأنساق الإيديولوجية

- الإيديولوجيا والعقل

- آليات العقل الإيديولوجي

- نظرية الواقعية الجدلية

بعض هذه العناصر ذات طابع منهجي، يتعلق بتعريف الإيديولوجيا وتمييزها عن الفلسفة والسياسة والعقيدة والعلم، وبتصنيف الإيديولوجيات السائدة عربيا وكونيا، وبعضها يصب في تحليل آليات فعل ما يسميه بالعقل الإيديولوجي وبعضها الآخر يندرج في سياق التحليل العيني لبعض الإيديولوجيات العربية أو الكونية.

ينطلق نصار من تعريف واف ومتعدد العناصر للإيديولوجيا من حيث هي منظومة افكار اجتماعية مرتبطة أصلا بوجود جماعة تاريخية معينة، وهي منظومة موضوعة للدفاع عن هوية تلك الجماعة وعن مصالحها، ومن أجل تحديد أساليب فاعليتها في مرحلة تاريخية معينة.

من أهم عناصر هذا التعريف تأكيد نصار على فكرة المنظومة بمعنى بنية الافكار المترابطة بينها بعلاقات تعطيها طابعا منظما ومنسقا بصفة كلية. وهذا التعريف ينفي عن الإيديولوجيا طابع التناثر والعشوائية أو التلقائية الفجة. كما أن هذا التعريف يلح على ارتباط التصورات والأفكار بقاعدة اجتماعية معينة من حيث أن هذه الأفكار تعبير عن هوية وواقع ومصالح هذه الجماعة. ولفظ الجماعة هنا مطاط فهو يشمل الطبقة والأمة والطائفة الدينية والطائفة أو الشريحة الاثنية…

وبعد ذلك يبذل د.نصار جهدا فكريا كبيرا في حصر معنى ودلالة الإيديولوجيا، وذلك بالتمييز بين أنماط من التفكير متقاربة فيما بينها لكنها متمايزة: التفكير الديني والتفكير الفلسفي والتفكير الإيديولوجي والتفكير الأسطوري والتفكير الطوباوي والتفكير الأدبي.

الفروق بين أنماط الفكر هي فروق منهجية في طريقة التناول لكنها أيضا فروق في موضوعات وزوايا الاهتمام، فالتفكير الفلسفي يتميز عن التفكير الإيديولوجي من حيث أن الأول يعني بالإنسان عامة بغض النظر عن لونه وعرقه وزمانه وانتمائه الاجتماعي، في حين تهتم الإيديولوجيا بالإنسان المخصوص ضمن جماعة محددة وفي نطاق تاريخ محدد. كما أن الفارق المنهجي بينهما يتجلى في الطابع النقدي للفكر الفلسفي وفي الطابع اليقيني وشبه العقدي للإيديولوجيا. وهو ما يجعلها من زاوية أخرى ذات بعد يقيني وعقدي وربما لاعقلي أي كمسلمة لا تقبل وربما لا تصمد أمام البرهنة العقلية.

يورد نصار أمثلة كثيرة لإبراز الطابع العقدي ومن ثمة الديني في كل منظومة إيديولوجية. فالماركسية تتضمن الاعتقاد بل الإيمان بالرسالة الخلاصية للبروليتاريا، والنازية تصادر على الإيمان بالرسالة الحضارية للعرق الجرماني، والقومية البعثية العربية تصادر على الإيمان برسالة الأمة العربية الخالدة، والصهيونية تؤمن إيمانا أعمى برسالة الشعب اليهودي المختار.

فالإيديولوجيات هي أصناف وأشكال من الإيمانات السابقة على العقل والمعبرة عن إرادات ومشاعر ومصالح فئات اجتماعية معينة في فترات تاريخية معينة.

وانظلاقا من هذه الارتباطات يدافع نصار دوما عن “خلود” الإيديولوجية ويمج فكرة نهاية الإيديولوجيا باعتبارها هي ذاتها فكرة إيديولوجيا. وبذلك يميز بين نهاية إيديولوجيا معينة استنفذت مهامها التاريخية وبين نهاية الفكرة الإيديولوجية ذاتها لأنها تشكل استجابة لحاجات تاريخية وبشرية عميقة. نعم إن تاريخ العالم وخاصة العالم الحديث هو تاريخ انبثاق وبزوغ وانطفاء أو أفول الإيديولوجيات وليس تاريخ أفول الإيديولوجيا ذاتها أو نهاية عصر الإيديولوجيا كما تقول بذلك الفلسفات والاتجاهات الفكرية الوضعية (Positivistes).

وراء دفاع نصار المستميت عن بقاء وربما خلود الإيديولوجيا تصور فكري قوامه أن الإيديولوجيا، كالدين وكالفلسفة بدرجة أقل، هي تعبير عن حاجة أو عن حاجات اجتماعية بالمعنى الواسع (أي نفسية وثقافية وسياسية… واقتصادية وتربوية وإعلامية) وأنه لا غنى عنها في المجتمعات الحديثة. فالإيديولوجيا هي إلى حد ما ديانات العصر الحديث وإن لم يوف نصار الطابع الدهري للإيديولوجيات الحديثة المتماسكة شكلا وطقسا مع العقيدة والمتباينة عنها من حيث المحتوى والمضمون، ما يتطلبه من مغامرة فكرية، وبخاصة النازية والفاشية والاشتراكية والقومية.

الإيديولوجيا تضرب بجذورها في أعماق النفس والوعي واللاوعي لأن “الخطاب الإيديولوجي -كما يقول د.نصار- لا يكتفي بالحدس الاعتقادي، ولا يرتاح إلى مجرد تكرار (واجترار) صحة الاعتقاد، بل يستنفر كل القوى النفسية: الفكرية والوجدانية وتعبئتها لنصرة الإيديولوجيا، والانضواء تحت رايتها” (الإيديولوجيا على المحك ص39).

هذه الأبعاد المختلفة للإيديولوجيا كما يلامسها ويلاحقها د.نصار هي تعبير عن تصور شمولي للإيديولوجيا أي عن الإيديولوجيا كظاهرة اجتماعية كلية أي متعددة الأبعاد والجذور.

وحتى إن لم توف تحليلات د.نصار هذه السمة ما تستحقه من تفصيل فإنه من حيث المنظور الكلي يتحدث عن الإيديولوجيا كمنظومة أو نسق يميز فيه بين عدة بنيات أو أنساق:

- نسق المقومات أو المكونات

- نسق العلاقات والارتباطات

- نسق العوامل الفاعلة العلية وغير العلية

- نسق الوظائف

وفي تقديري أن هذا الملمح المنهجي والتصوري المتميز إضافة إلى اجتهاداته النظرية الجدلية الواقعية تمثل صلب أو نواة مساهماته الفكرية التجديدية في نظرية الإيديولوجيا ويمكن أن يشكل قاعدة نظرية ومنهجية لدراسة أية إيديولوجيا.

ضمن هذه المساهمات التجديدية تندرج كذلك ملامسات نصار المستمرة لآليات الفعل الإيديولوجي أو ما يسميه أحيانا “العقل الإيديولوجي” والتي نخص منها -على سبيل التمثيل لا الاستيفاء- الهجوم والمواربة والتشويه، والتمويه، والتضليل (على المحك ص81)، والتلطيف، والتمرين (من المرونة) ولعبه الإظهار والحجب أو الإخفاء (على المحك ص6).

والخلط بين الوظائف الوصفية والإخبارية من جهة والتصورات والأحكام التقيمية (على المحك ص25) أي الخلط أو المزج الرفيع بين المعرفي والنفسي أو التعبيري (على المحك ص25) أو الرمزي.

تشخيص وملامسات آليات الفعل الإيديولوجي متناثرة قي كتابات نصار، ولعل المصطلح الذي يجمع هذا الشتات هو مصطلح “العقل الإيديولوجي” بمعنى آليات الفعل الإيديولوجي يكمل مساهماته الأخرى في تحليل الإيديولوجي.

والعقل الإيديولوجي (وهو مصطلح نصارى مائة بالمائة) هو عقل منحاز، انتقائي (دفاعا وهجوما) يسخر العقل لخدمة المعتقد الجماعي، لكنه ينزلق بسرعة وبسهولة نحو ممارسات شبه عقلية أو غير عقلية تقوده إلى الضلال وتغذية الأوهام وإذكاء النزاعات وتغذية التعصب والتزمت. ومن الآليات المألوفة للعقل الإيديولوجي الاختزال والتمويه والتبرير والإسقاط والطمس والاصطفاء، والخلط بين الوصف والتقييم، وتنظيم الأفكار والمقولات ضمن خط أو لون إيديولوجي واحد وكذا بعض الوظائف المعيارية المتمثلة في تقديم حجج ومبررات مؤيدة للمعتقد الإيديولوجي والمبررة له ولو بالتضخيم أحيانا وبالتقليص أحيانا أخرى…

غير أن نصار يقدم استدراكا تمييزيا هاما بدعوته إلى التمييز بين الإيديولوجي عندما تكون في موقع السلطة والقرار والإيديولوجيا عندما تكون في وضعية دونية أو حالة خضوع. في الحالة الأولى تتحول الإيديولوجيا إلى سلطة أو إلى سلطة بديلة تمارس الرقابة الصارمة والكبت القوى والمنع والقمع القاسيين والاضطهاد السافر (ص50) بينما تميل إلى المسكنة وخطاب المظلومية في حالة المحكومية.

أختم بالإشارة إلى نظرية الواقعية الجدلية التي تشكل الأساس الفلسفي النظري القوي لنظرية الإيديولوجيا عند نصار والتي تقوم على أساس استقلالية الواقع العيني وثانوية العقل النظري (على المحك ص85). وهي نظرية تحاول أن تحل التعارض التقليدي بين ما هو تجريبي وما هو عقلاني عن طريق القول بأان تعقل الواقع وتملك الحقيقة الموضوعية هو مشروع يتجدد دوما.

كما أن هذه النظرية لا تحصر الوعي العقائدي في إطار الزيف أو الوهم أو الاغتراب، بل في إطار منظور معرفي أوسع يتداخل فيه الصدق والزيف، الصحيح والزائف، الحقيقي والمموه، الحسي والقبلي، الواقعي والمثالي، الحاضري والمستقبلي، العرضي والجوهري، المرحلي والأبدي، بحيث لا يتم رده كليا إلى مبدأ واحد كمبدأ اللاوعي الفردي أو الجماعي، أو كمبدأ الاستغلال الطبقي (على المحك ص88-87).

إن مساهمات د.نصار في تحليل الظاهرة الإيديولوجية وفي تحليل آليات العقل الإيديولوجي تشكل مساهمة متميزة للفكر العربي في التحليل الفلسفي والسوسيولوجي للظاهرة الإيديولوجية بل إن مساهماته في هذا الباب تنتصب لتندرج في سياق الفلاسفة والسوسيولوجيين الغربيين الذين شرحوا موضوعة الإيديولوجيا مثل كارل ماركس وكارل مانهايم ولويس ألتوسير وبيار أنسار ورايمون بودون وجوزيف غابل الذي هو أكثرهم قربا من تحليلات الدكتور ناصيف نصار وأخيرا مثل ع.العروي في كتابيه “الإيديولوجيا العربية المعاصرة” ومفهوم الإيديولوجيا.

Share Button

الكاتب: