مجلة “قضايا معاصرة” تستكتب الباحثين حول “آفاق الليبرالية في العالم العربي”

Annonce

مجلة “قضايا معاصرة” تخصص عددها الثاني لموضوع: “آفاق الليبرالية في العالم العربي”، وتستكتب الباحثين للمساهمة بالمقالات والدراسات في هذا العدد.

تضرب جذور الليبرالية في القرن السادس عشر، حيث جاءت كمخاض لفترة اتسمت بالصراعات الطاحنة بين بوادر مؤسسات وقيم الحرية، التي برزت في العصر الوسيط من جهة وبين النزعات التسلطية والاستبدادية التي سادت القرنين السادس عشر والسابع عشر من جهة ثانية. وقد أنتجت الثورة الليبرالية من ضمن ما أنتجته الأسس السياسية لدولـة القانون، وحماية فعالة لحقوق الملكية، وتسامح ديني والتأسيس لثقافة حرية التعبير، وحكومة مركزية بسلطات محدودة بدقة على شاكلة ما عرفته الدولة الهولندية حينداك. تجربة كانت بمثابة منعطف تاريخي غير مجرى البنية الفكرية الأوروبية وبعدها الفكر والممارسة السياسيين في أوروبـا برمتها وخاصة في إنجلترا. وكانت الثورة الليبرالية بمثابة منصة انطلاق وأرضية لابتكار إصلاحات هيكلية جديدة شملت البنى المجتمعية والذهنيات والأنساق الفكرية والهياكل الاقتصادية والسياسية مما مهد الطريق للثورة الإنسية وعصر الأنوار وما جاء كمحصلة كالثورة الصناعية والطفرات العلمية وازدهار المجتمعات الأوروبية.

أما المجتمعات العربية فقد شهدت بروز بعض ملامح الانفتاح خلال النصف الأول من القرن العشرين، وظهور ثقافة اتسمت بتقبل نسبي لقيم الليبرالية وروح التسامح والانفتاح بعد الاستفادة من علوم وأفكار اللبرالية الغربية وقيمها، التي مكنت الغرب من الخلاص من قبضة التسلطية. لكن الحركة الليبرالية العربية بدأت بالانحسار والانكسار بعدما عرفت أوجها على أيدي الرواد الأوائل في مصر مثل رفاعة الطهطاوي، ومحمد عبده، وطه حسين وغيرهم من طلبة البعثات الذين أكملوا دراساتهم في الغرب.

لكن ساهمت عدة عوامل بعد ذلك، في انحسار القيم الليبرالية، عوامل منها الانتشار الكبير للاديولوجيات الاشتراكية والشيوعية الشعبوية، بعد النجاح المتوالي للانقلابات العسكرية ذات الأيديولوجية القومية العروبية في عدد من البلدان المفصلية في العالم العربي كمصر والعراق وسوريا. ومما سارع أيضا في تراجع الطرح الليبرالي تصاعد مد الإسلام السياسي المتشدد، الرافض للثقافات الأخرى ولقيم الليبرالية وروح التسامح وحق الاختلاف وتقبل الفكر الآخر المختلف.

كما أن الشيطنة الممنهجة والممأسسة ساهمت في تقديم صورة مشوهة عن الليبرالية وقدمتها باعتبارها تتعارض وتتصادم بشكل مباشر مع الدين وتعاليمه، وأن الفرد الحر لا يعرف معنى للالتزام الأخلاقي، وأن الليبرالية لا بُعد اجتماعي وإنسي لها. في حين أن الليبرالية لا تعني بالضرورة الابتعاد عن الدين أو نفيه أو رفضه بل تمنح الفرد حرية ممارسة عقائده بدون قسر أو إكراه كما نراه في عدد من المجتمعات التي تحترم حرية المعتقد كانجلترا وأمريكا الشمالية. كما أن الليبرالية لم تكن مرادفا لغياب الأخلاق والانحلال الاجتماعي في مجتمعات كاليابان أو كوريا الجنوبية التي يحترم فيها جل أفراد المجتمع الأحرار قيمهم وأخلاقياتهم وعاداتهم. كما أن أكبر المنظمات الخيرية التضامنية الاجتماعية حاضرة وفاعلة بقوة في عدد من الدول الليبرالية.

وقد لعبت سياسات الخوصصة الاقتصادية المرتجلة دورا كبيرا في تشويه الشق لاقتصادي لليبرالية. خوصصة ساهمت في بروز قطاع خاص عربي “جبان” أو ما يصطلح عليه ب “رأسمال المحاباة” و”الرأسمال الزبائني” من خلال تحقيقه للربح السريع عبر تغلغله واستغلاله لجهاز إداري دولاتي بيروقراطي مترهل فاسد. هذا الأخير كان بمثابة الأرضية الخصبة لانبثاق وخلق قطاع خاص مشوه طفيلي يعتاش على الصفقات والأرباح التي يحققها ثماراً لتحالفات غير مشروعة أخلاقيا ولكن مشرعنة على الأرض عبر قوانين وسياسات “حمائية” أفرزتها تلك العلاقات الملتبسة بين المال والسلطة لفترات طويلة. ما أدى إلى إفراز نسيج اقتصادي هش وأسواق إنتاجية ممسوخة غير ابتكاريه أو تنافسية. أسواق بقيت حكرا على بعض المنتجين المحابيين للسلطة المركزية والقادرين على استغلال الأسواق وفرض هوامش ربحية مرتفعة. وبرز بالمقابل قطاع من الشركات المتوسطة والصغرى تتلقف البقايا والفتات، شركات محصورة الأفق وغير قادرة على خلق دينامية إنتاجية قادرة على خلق فرص العمل وأسباب الثروة. وقد ساهمت سياسات الخوصصة في زيادة نفوذ الرأسمال الزبائني وتحكمه في مفاصل الاقتصاد كما شهدناه في تسعينات القرن المنصرم وبداية القرن الحالي في مصر وتونس والأردن والمغرب. خوصصة كانت في واقع الأمر بمثابة تفويت ممتلكات كان تحتكر تدبيرها ومخرجاتها سلطة مركزية بيروقراطية، سلطة قامت بتفويتها إلى احتكارات مشابهة وإن بوجه مغاير. فانتقلت عدد من الشركات من الاحتكار العمومي إلى احتكار خاص في غياب أبسط بديهيات الخوصصة كتلك المتعارف عليها والمعمول بها في الدول الرأسمالية: كدولة الحق والقانون وحياد الجهاز التنفيذي وانفصاله التام عن القضائي وجود بنية اقتصادية تنافسية تعددية مسبقا وغيرها من شروط أو أسباب نجاح عمليات الخوصصة.

إن التطلعات التي حملها الحراك العربي في تحقيق شعوب المنطقة حُلمها وأملها في الحرية والكرامة في التحرر والانعتاق من الفساد والاستبداد أعادت إلى الواجهة أهمية الطرح الليبرالي باعتباره عنوانا للتخلص من القيود التسلطية وتحقيق ثالوث الربيع العربي “عيش حرية كرامة إنسانية”. وقد منح هذا الحراك فرصة تاريخية لنقد ومسائلة التراكمات المجتمعية بكافة أشكالها السياسية والاقتصادية والاجتماعية ومحاولة الانخراط في مسلسل التحديث المجتمعي والديمقراطية الليبرالية والتنمية الاقتصادية الشاملة المستدامة. وبانتفاضة عدد من أطياف الشارع العربي وفي طليعتها الشباب، أكد المواطن قدرته على الفعل وتحطيم القيم الانسحابية السلبية كالخوف والاستكانة والاتكالية والخضوع التي أدت بالمجتمعات إلى شلل دام لمدة قرون. سالكا بذلك منعطفا يكمن أن يؤسس لبداية عصر التحول الشامل والحقيقي في العالم العربي القائم على الحرية والمسؤولية التي طالما أسست لها المدرسة الليبرالية.

ومنه يحاول العدد الثاني من مجلة “قضايا معاصرة” تسليط الضوء على التحديات الكبرى التي يواجهها الطرح الليبرالي في العالم العربي الراهن، ويحول تسليط الضوء على الإشكالات التالية:

1.            هل توفرت الشروط الموضوعية لنجاح الفكرة الليبرالية في العالم العربي بعد الحراك؟

2.            ما هي الاختلالات الكبرى التي اكتنفت مسيرة تطبيق الليبرالية في الدول العربية وكيف يمكن تجاوزها؟

3.            ما مدى اتساق البنى الفكرية والمجتمعية والقيمية العربية مع الطرح الليبرالي بعد الحراك؟

4.            هل يمكن المواءمة بين الفكر والممارسة الليبرالية والتدين في العالم العربي الإسلامي الحديث؟

5.            ما هي أهم العوائق التي تقف أمام انتشار وترسخ الفكرة الليبرالية في العالم العربي الحديث؟

6.            ثنائية الليبرالية والحمائية والانعزالية في العالم العربي ما بعد الثورة: أي نهج لتحقيق التقدم الاقتصادي؟

مجلة “قضايا معاصرة” فصلية فكرية محكمة يصدرها “المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية“.

للإطلاع على شروط النشر

آخر أجل لاستلام المساهمات هو 30 سبتمبر 2014.

تبعث المساهمات إلى البريد الإلكتروني للمركز: [email protected]

Share Button

الكاتب: