التسامح والحرية وحقوق الانسان

Les-Annonces-de-la-Seine-18-2012

تقديم

ما هي دلالات التسامح؟ وما هي أسسه وسياقاته ومجالاته؟ كيف تأسست أخلاقيات التسامح في السياق الليبرالي الغربي وفي منظومة حقوق الإنسان في بعدها الكوني؟ وهل للتسامح حدود؟ أم أن هناك ما يمكن التسامح معه وما لا يمكن؟ وهل نعثر في الثقافات غير الليبرالية كالثقافة العربية تحديدا وفي ثراتها الديني واللغوي ما يفيد معنى التسامح؟ أم أن هذا المفهوم لم يتشكل إلا داخل الثقافة الليبرالية في أوروبا مع بداية القرن 16م و18؟ وهل يمكن للتسامح أن يساهم في الحد من الصراعات والعنف والكراهية؟ هذه جملة من التساؤلات التي نود من خلالها مقاربة التسامح كإشكال فلسفي يطرح بعض المفارقات وكقيم أخلاقية غدت مطلبا في عصرنا وفي مجتمعاتنا بحكم انتشار مظاهر اللاتسامح من عنف وتعصب وعدم الاعتراف بالأخر واختلافاته وحرياته ومعتقداته، فثمة إذن حاجة للتسامح مما يبرر أهميته وضررورته من أجل بناء مجتمعات مدنية متسامحة تسود فيها الحرية والتعايش بدون خوف أو إكراه. فما هي إذن معاني التسامح ودلالاته؟

1-           في معاني التسامح ودلالاته

في الاشتقاق اللغوي الفرنسي لكلمة tolérance آتية من الفعل tolérer. الذي يعني التحمل supporter أما في اللغة العربية فنجد أن كلمة التسامح التي تتداول كترجمة لكلمة توليرانس تحمل معاني السماحة والجود والمساهلة والعطاء الخ … وهي معاني أخلاقية لصيقة بالمجتمع العربي القديم وقيمه القبلية، وقد نحت أحد مفكري النهضة العربية وهو فرح أنطوان مصطلحا رأى أنه أقرب إلى لفظ توليرانس وهو مصطلح “التساهل”.

 أما في المدلول الفلسفي، فيعني التسامح كما في معجم لالاند الفلسفي “الاحترام الودي لمعتقدات الاخرين” وهو أيضا “ميل فكري وقاعدة للسلوك تتأسس على السماح لكل فرد بحريته في التعبير عن أرائه وان كنا لا نتفق معه” وفي معنى أخر”التسامح لا يقوم على التخلي على القناعات أو الامتناع على إعلانها والدفاع عنها ونشرها ولكن على منع وتجنب كل الوسائل العنيفة التي تؤدي إلى فرض تلك الآراء”

وفي تضاد وتعارض مع التسامح يرد مصطلح اللاتسامح والتعصب، والتعصب في اللسان العربي من العصبية وهو سلوك كان سائدا في نطاق المجتمعات القبلية بما فيها المجتمع العربي ويقوم على التحيز والانتصار لأبناء القبيلة أو العشيرة التي ينتمي إليها الشخص ولو كانت ظالمة، فهو آلية من آليات التضامن وحماية تماسك الجماعة أو الطائفة وخزان منتج للعنف والإقصاء. وإذا كان من نتائج التسامح الضمنية تعددية الحقيقة ونسبيتها فإن منطق التعصب واللاتسامح يكرس أحادية الحقيقة في ارتباطها بالجماعة مما يؤدي إلى القضاء على التسامح.

وإجمالا فثمة معاني ودلالات متعددة للتسامح، فهناك من يرى أنه يعني الصفح والتساهل مع من يختلفون عنا في الدين والمعتقد أو الأفكار أو السلوك حتى وإن كان منحرفا عن سلوك الأغلبية، وهناك من يعني عنده اللامبالاة بما يقوم به الآخرون ويبقى الثابت والجوهري في هذه المعاني وغيرها الترادف بين التسامح والحرية بل وتطابقهما من جهة، ونسبية الحقيقة من جهة أخرى، إضافة إلى ما يحمله التسامح من بعد غيري تبادلي يتم فيه استحضار الآخر مما يعطي للمفهوم محتوى قيمي أخلاقي أو بالأصح اتيتيقي. من هنا تتداخل في التسامح وتتقاطع الفلسفة والأخلاق والحقوق بمرجعيتها الكونية من خلال وعبر الإعلانات والمواثيق الدولية وصكوكها فما ذا تقول منظومة حقوق الإنسان عن التسامح؟

2-           التسامح من خلال منظومة حقوق الإنسان وصكوكها

إذا كان التسامح كما أسلفنا يتطابق مع الحرية فهذا يفيد أن كل الإعلانات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تنص وتقر بالحق في الحرية وضمان احترامها هي ضمنيا تؤكد على التسامح بما هو حق كل شخص في أن يتمتع بحريته في الرأي والاعتقاد. نجد ذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، إما بشكل مصرح به، فهناك إعلان المبادئ الخاص بالتسامح الذي صدر عن منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة بباريس سنة 1995 والذي قدم تصورا كونيا للتسامح في ارتباطه بالسلم والسلام بين الأجيال والشعوب كما سبق للجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 30 ديسمبر 1993 أن قررت إعلان سنة 1995 سنة عالمية من أجل التسامح. وعهدت لمنظمة اليونسكو بإعداد وثيقة إعلان مبادئ حول التسامح. مع إقامة لقاءات ومؤتمرات وندوات حول الموضوع. كما تقرر انطلاق حملة تحسيسية حول أشكال اللاتسامح الجديدة في العصر الحديث بهدف تعزيز التفكير الأخلاقي للمساهمة على نحو أفضل في تجنب الآثار السلبية للحداثة والتحديث التي ظهرت في الثقافات والمجتمعات الحديثة.

ويتأسس الخطاب الأممي حول التسامح على مبادئ حقوق الإنسان العالمية حيث ورد في البند الأول من وثيقة إعلان المبادئ حول التسامح. (Déclaration de principe sur la tolérance) الصادرة عن اليونسكو في 16 نوفمبر 1995 بصدد معنى التسامح بكونه:

أولا: الاحترام والقبول بتنوع واختلاف ثقافات عالمنا، وهو ليس مجرد واجب أخلاقي ولكنه أيضا ضرورة سياسية وقانونية وهو فضيلة تجعل السلام ممكنا عالميا وتساعد بالتالي على استثباب ثقافة السلام.

وثانيا: اعتبار التسامح ليس تنازلا أو مجاملة للآخر. بل هو قبل كل شيء موقف يقوم على الاعتراف بالحقوق العالمية للشخص الإنساني. والحريات الأساسية للآخر. ولذا فإن التسامح ينبغي أن يطبق من طرف الأفراد كما من طرف الجماعات والدول.

وثالثا: فإن التسامح هو مفتاح حقوق الإنسان والتعددية (بما فيها التعددية الثقافية) والديمقراطية ودولة الحق.

ورابعا: فإن تطبيق التسامح يعني ضرورة الاعتراف لكل واحد بحقه في حرية اختيار معتقداته والقبول بأن يتمتع الآخر بنفس الحق. كما يعني أيضا أن لا أحد يعمل على فرض آرائه على الآخر.

وواضح من هذه المعاني الغنية والمتعددة الأبعاد أنها تؤسس لتصور جديد للتسامح يربطه علاقة ضرورية بين حقوق الإنسان والديمقراطية والسلم. مما جعل بالتالي الاستعادة العالمية الراهنة لمفهوم التسامح يتجاوز النطاق الديني والفردي ليصبح حقا ينبغي الدفاع عنه وحمايته قانونيا ككل حقوق الإنسان الأخرى.

كما أنها ربطت ما بين التسامح والسلم على أساس أن هذا الأخير لن يترسخ كثقافة إلا بوجود الأول، وكما قال المدير العام لليونسكو فدريكو مايور “التسامح شرط ضروري للسلم ما بين الأفراد كما بين الشعوب، وهو لازم لكل ثقافة للسلام”.

لكن إذا كان التفكير الراهن في التسامح ينحو هذا المنحى فهذا لا يعني بالضرورة أن التسامح كان دائما بهذا المعنى، إذ عرف في مساره كفكرة وكتقليد تحولات انتقلت به من معنى إلى آخر بدءا من ولادته في موطنه الأصلي في أوربا إلى أن أصبح ما هو عليها الآن، فهو ظاهرة تاريخية بشرية مما يجعل مساءلته عن أصوله وشروط ميلاده جزء من التفكير النقدي فيه. وذلك قبل التساؤل عن مكانته ومدى حضوره في الثقافات الأخرى غير تلك التي عرف ولادته داخلها، خاصة الثقافة العربية الإسلامية التي تعرف مثقفوها على مفهوم الحرية الليبرالية، الديمقراطية … إلخ منذ بداية ما يعرف بالنهضة العربية.

3-           التسامح والحرية عند رواد الفكر الليبرالي

نقرأ في معجم لالاند حول النشأة التاريخية لكلمة “توليرانس” وتطورها بأنها ولدت في القرن 16 م إبان الحروب والصراعات الدينية التي عرفتها أوربا ما بين الكاثوليك والبروتستانت وانتهى الكاثوليك بالتسامح مع البروتستانت وبشكل متبادل، ثم أصبح التسامح يمارس اتجاه كل المعتقدات والديانات. وأخيرا وفي القرن 19 انتشر ليشمل مجال الفكر وحرية التعبير، ولم يكن ليحدث هذا التحول والانتقال إلا بعد حروب وصراعات دينية طويلة عاشتها دول أوربا في ألمانيا وهولندا وانجلترا واسبانيا وفرنسا، وكان الكاثوليك خلال هذه الحقبة المظلمة يرفضون التسامح إزاء الاجتهادات الدينية، ويعتبرون التسامح بدعة بل سما دسه في عقول العامة مفكرون ملاحدة، ولذا كتب جون لوك منذ سنة 1689 رسائله في التسامح ضمنها موقفه العلماني الداعي إلى الفصل بين الدولة والدين أو ما أسماه بين “مهام الحكم المدني وبين الدين”. ومن ثمة دعا إلى ضرورة تأسيس حدود فاصلة بينهما. وهذا يعني أن التسامح كفكرة ولد كرد فعل على التعصب والصراعات الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت التي أنهكت أوربا ولم يكن من حل أمام مفكريها وفلاسفتها ومصلحيها الدينيين، إلا البحث عن حل لهذه المعضلة الدينية بالدعوة إلى التسامح المتبادل والاعتراف بالحق في الاختلاف وإباحة حرية الاعتقاد الديني، وبهذا يكون التسامح في هذا السياق التاريخي يحمل نزعة لائكية وهو “وليد حركة الإصلاح الديني الأوربي ونشأ ليعبر عن تغير في الذهنية ناتج عن علاقة جديدة وهي علاقة الاعتراف المتبادل بين القوى التي استمرت تتصارع (…) لقد حدث انشقاق داخل الدين الواحد ثم حدث تجاوزه بالاعتراف بالحق في الاختلاف في الاعتقاد، ثم في حرية التفكير بوجه عام”.

لكن ما الذي جعل مفهوم التسامح لا يبقى سجينا للحقل الديني وأصبح مقترنا بالفكر الليبرالي ورواده و بحرية التفكير بوجه عام؟

بدأ ذلك في القرن 18م. وتحديدا في القرن 19 وذلك مع بروز ملامح الحداثة الأوربية ومظاهرها، وبفعل توفر عدة شروط ثقافية وسياسية منها على الخصوص وجود دولة القانون والمجتمع المدني والعلمانية وثقافة فلسفية نقدية وقانونية. وكان هذا كله نتاج فلسفة وفكر الأنوار التي بدأت إطلالتها منذ القرن 18م وما حملته معها من قيم ومفاهيم وأفكار جديدة حول العقل والفردانية والحرية والمساواة والحقوق الطبيعية وفكرة التقدم والفصل بين الديني والدنيوي إلخ، وسيكون فكر الأنوار منشغلا بالتسامح كفضيلة أخلاقية فردية تخص مجال حرية الرأي والفكر والتعبير بصفة عامة. وستظهر في هذه الفترة عدة مؤلفات حول التسامح خاصة ما كتبه جون لوك في رسالته عن التسامح عام 1689 وبعده فولتير، الذي يعتبره الكثيرون فيلسوف التسامح بامتياز، لأنه ارتفع بالتسامح واقترب به من المعنى المعاصر إذ جعله هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة ولحقوق الإنسان يقول: “كلنا ضعفاء وميالون للخطأ لذا دعونا نتسامح مع بعضنا البعض بشكل متبادل وذلك هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة، المبدأ الأول لحقوق الإنسان كافة “

وعموما فإن الفكر الفلسفي والأنواري للقرنين 18 و 19 ساهما في وضع أسس التسامح على مرجعية عقلية تؤول به إلى الحق الطبيعي كالحق في الحرية والمساواة، وهذا ما سيمهد لاحقا ليصبح للتسامح معناه الحقوقي والقانوني وسيجد ترجمته في الإعلانات والمواثيق الدولية حول حقوق الإنسان منذ الإعلان العالمي سنة 1948 الذي نص في المادة 18 على أن لكل شخص الحق في حرية التفكير والضمير والدين … إلخ.

وقد وجد التسامح بهذا المعنى أرضيته وجذوره في الفكر الليبرالي ومفاهيمه الإنسانية كمفهوم الحرية الفردية الذي يشمل حرية الرأي والتعبير والضمير والاعتقاد والتصرف وفي هذا السياق نفسه كما عند “جون ستيوارت ميل” الذي ألف كتابه “عن الحرية” 1859 وجعل من التسامح أحد مستلزمات الحرية إذ دافع ميل عن التسامح لكونه يضمن حماية الحرية الفردية ضد مختلف السلط بما فيها سلطة الجماعة والدولة من كتب ميل أنه لا “ينبغي صب الأفراد في قالب واحد بل ينبغي احترام تنوعهم واختلافاتهم” من هنا تأتي أهمية وضرورة التسامح عنده لغاية واحترام تعددية وتنوع الاختيارات وتفاديا للاستبداد بأي شكل كان. وهناك رائد آخر من رواد اللبرالية من القرن 19، دو توكفيل يقول: “إن معنى الحرية الصحيح هو أن كل إنسان نفترض فيه أنه خلق عاقلا يستطيع حسن التصرف يملك حقا لا يقبل التفويت في أن يعيش مستقلا عن الآخرين في كل ما يتعلق بذاته وأن ينظم كما يشاء حياته الشخصية.” ويتضح من هذه الآراء لبعض رواد الفكر الليبرالي كيف يتداخل التسامح عندهم مع الحرية والاستقلالية الفردية ويرفضون بالتالي أي تدخل في هذه الحرية خاصة حرية الضمير بأوسع معانيها وتشمل حرية الرأي والدين إلخ لكن الاهتمام بالتسامح في علاقته بالحرية لم يخل من بعض المفارقات والإشكالات تتعلق أساسا بحدود التسامح وهو إشكال ناقشه بعض مفكري اللبرالية كما عند كارل بوبر في كتابه “المجتمع المفتوح وأعداؤه” تسائل فيه عن محدودية التسامح وهل يمكن للتسامح اللامحدود أن يؤدي إلى القضاء على التسامح؟ حيث يقول “اذا كنا متسامحين بشكل مطلق حتى مع المتعصبين وإذا كنا لا ندافع عن المجتمع ضد هجماتهم فإنه سيتم القضاء على التسامح والمتسامحين في آن معا” هذه إذن إحدى المخاطر المترتبة عن التسامح إذا كان بدون حدود حسب بوبر وهذا الرأي يشاطره إياه ليبراليون آخرون ممن يدافعون عن المجتمعات الحرة كما عند نايجل أشفورد الذي يعتبر أن التسامح (كما كتب في كتابه “مبادئ لمجتمع حر” ترجمة منبر الحرية) أحد الملامح الأساسية للسلوك المتحضر وأنه من مقومات الحضارية للمجتمعات التعددية التي تحترم فيها الحقوق والحريات لكنه مع إشادته بالتسامح فهو يضع حدودا له أي ما ينبغي عدم التسامح معه منها : التحريض على العنف، والاغتصاب وهذا ما يعني أن التسامح لا يعني التنازل أو التساهل المطلق وبدون حدود أمام نزعات التعصب والعنف واللاتسامح خاصة تلك التي من شأنها إشاعة الكراهية والعنف والإجهاز على حرية الفكر والضمير والتعددية وحقوق الإنسان.

وإذا كنا لحد الآن قد تتبعنا مسار فكرة “التسامح” وتحول معانيها ضمن مرجعيتها الأوربية وعند بعض رواد الفكر اللبرالي فذلك لكي نصل إلى أن الفكرة كانت وليدة حاجات نابعة من المجتمعات الأوربية وثقافتها، وكانت بالتالي فكرة ضمن منظومة فكرية متكاملة لها أسسها المعرفية والفلسفية (الليبرالية، الفردانية، الحرية، العلمنة، فصل الدين عن السياسة، الديمقراطية، والتعددية، النسبية… إلخ).

والسؤال بعد هذا هو كيف تعامل الخطاب العربي الإسلامي الحديث والمعاصر مع فكرة التسامح؟ وما هي الأسئلة التي طرحها منتجو هذا الخطاب من مفكري الإصلاح وهم يفكرون في التسامح؟ وبالتالي ما هي الإشكالية المركزية التي انشغلوا بها ضمن هذا الموضوع؟ وذلك في محاولة منا لاستجلاء تمثلهم لهذه الفكرة ذات المرجعية الغربية الليبرالية، علما بأن الخطاب العربي الحديث عموما عمد إلى البحث عن كل مفهوم “من المفاهيم الليبرالية الأوربية عما يوازيه أو يقاربه في الفكر العربي الإسلامي “القديم”. إذا فما هو المفهوم أو المفاهيم التي اعتمدوها للمطابقة بينها وبين مفهوم التسامح؟

اللوحة: المؤتمر الكاثوليكي البروتستانتي الذي انعقد في بواسيي بمملكة فرنسا سنة 1561 بريشة الفنان الفرنسي ريمي ريبيير سنة 1835.

Share Button