دعوة للخلاص من نسيان الذات في أدبيات الجماعات الإسلامية

Couder_-_Le_Serment_du_Jeu_de_Paume,_20_juin_1789تناولنا في العدد الماضي من قضايا إسلامية معاصرة موضوع: “دعوة للخلاص من نسيان الإنسان في أدبيات الجماعات الإسلامية”1، وفي هذا العدد نتناول موضوع: “دعوة للخلاص من نسيان الذات في أدبيات الجماعات الإسلامية”؛ ولا نعني  بـ “الذات” هنا؛ الذات المشتركة،أي الذات القومية، أو الذات  الحضارية، أو ذات  الأمة، أو ذات الجماعة، وإنما نريد بها؛ “الأنا الحاصة”، و”الذات الفردية”، و”الهوية الشخصية”، التي هي قوام الحياة الباطنية للكائن البشري، فمن دونها يفتقد كل انسان ذاته، ويصير نسخة مكررة متطابقة مع نموذج محدد، مصاغ سلفاً، وتجري “نمذجة” الجميع في سياق صفات ذلك النموذج وسماته وخصائصه، وكأن الجميع يسكبون في قوالب متماثلة، تُلغى فيها اختلافاتهم وتمايزاتهم، وتُمحى البصمة الشخصية لكل منهم. هنا يتنازل الفرد عن ذاته، ولا يكون سوى بوق يتردد فيه صدى أصوات الآخرين، فيما يختفي صوته الخاص.

الذات البشرية بطبيعتها؛ باطنية، داخلية، عميقة، تنطوي على أسرارها، وتتخصب وتغتني بمنابع إلهامها، وديناميكيتها الجوانية، وتتحقق على الدوام حين تشرع بوجودها وتجاربها الخاصة. ولا يمكن لنا اختراق هذه الحياة واكتشاف مدياتها، إلا بحدود ما تبوح به هي.

يولد الإنسان بمفرده، ويحيا بمفرده، ويموت بمفرده، ويتألم بمفرده، ويشعر بالخطيئة بمفرده، ويؤمن بمفرده، ويستفيق ضميره بمفرده، ويجتاحه بمفرده أيضا؛ القلق، واليأس، والاغتراب، والضجر، والسأم، والألم، والحزن، والغثيان، وفقدان المعنى، وذبول الروح، وانطفاء القلب، والجنون…الخ.

لا تبدأ الحياة الإنسانية الحقيقية إلا عندما تتحقق وتوجد الذات الشخصية، وهذه الذات لا تتحقق من دون الفعل، فالوجود الإنساني لا يصل الى الامتلاء إلا  بالفعل وحده. الذات البشرية وجودها وصيرورتها الحرية، حيث لا حرية تنطفئ الذات. والحرية ليست أمرا ناجزا، قبل أن نشرع  باستعمالها، وجود الحرية يعني ممارستها. والحرية لا تتحق بعيدا عن مسؤولية الفرد تجاه ذاته. لحظة تنتفي الحرية تنتفي الذات، ولا تغتني الذات وتتسع وتتكامل إلا بالحرية.

غير أن أدبيات الجماعات الإسلامية تتجاهل كل ذلك، وتتعاطى مع الفرد من حيث هو عضو في الجماعة، ليس له وجود حقيقي مستقل خارج إطارها، وتشدد في مقولاتها وشعاراتها وتربيتها على أن مهمة كل شخص مسلم في الحياة هي؛ التنكر لذاته، والذوبان في الجماعة، والكف عن أية محاولة لاستبطان الذات، واكتشاف فضاءات ومديات عالمها الجواني. أما قيمة الفرد، ومكانته، وحاجاته الذاتية؛ الروحية، والعاطفية، والوجدانية، والعقلية، فلا أهمية لها إلا في سياق تموضعها في إطار الجماعة ومتطلباتها.

وعادة ما تجري في تقاليد التربية والتثقيف الخاص للجماعة عملية “تنميط”، للأعضاء من؛ الناشئة والشباب والكهول،أناثا وذكورا، يتمحور الـ “تنميط” على صهر الذات في المجموع، ومحو ما يشي بخصوصيتها، وهويتها المتميزة، فكل شيء لا بد أن يتشابه، ويتكرر، ويُلزم به الجميع، من ؛الطقوس”حتى في غير الفرائض”، النصوص المقروءة، أسماء الكتاب والمؤلفين، التدريب، الأنشطة والفعاليات الدورية، البرنامج اليومي، السلوك الشخصي، العادات، الهوايات، الاهتمامات، الأزياء، الطعام والشراب، بل كل ما في حياة عضو الجماعة، وكل ما هو من حوله، ينبغي أن يتظافر على التطابق بين هذا الإنسان ومجموع الأعضاء. فيمسي الأفراد مخلوقات متماثلة مبتذلة، من دون أن نعثر على سمات وخصائص فارقة، تحيل الى طبيعتهم البشرية المختلفة، وهوياتهم الشخصية الخاصة. حتى كأنهم أشخاص بلا ملامح خاصة، كأنهم أشياء متعددة كماً، متحدة كيفاً ونوعاً، تنتمي إلى النموذج نفسه، فيفضي ذلك الى؛ الغفلة عن الذات، وطمسها، وسبات العقل، والعودة في عملية التفكير وصياغة الآراء، والقرارات والموقف، سواء كانت عادية أو هامة، الى ما تمليه تعاليم الجماعة، وتحكيه مفاهيمها، كما يفضي ذلك إلى هشاشة الإرادة، والعجز عن اتخاذ أي قرار أو موقف شخصي، بعيدا عن مواقف الجماعة وتوصياتها.

وربما ينتهي تجاهل الأعضاء لحياتهم الداخلية، وتكتمهم على عالمهم الباطني، إلى تورطهم في ارتداء أقنعة شتى، تعلن عن سلوك خارجي لشخصية تجسد ما تمليه تعاليم الجماعة، فيما تخفي هذه الشخصية داخلها قناعات ومعتقدات ورؤى؛ تنفي ما يتبدى من سلوك لها، وتفشي في المحطات الخاصة ومجالس السر شيئا مما أخفته وتكتمت عليه. وكل من عايشوا هؤلاء الأعضاء، وتوغلوا في حياتهم الشخصية، يسمعون ويعثرون على ما يتجلى في سلوكهم من ازدواجية ونفاق.

واللافت للنظر أن هذه الجماعات تهتم بكل شيء خارج الذات، فيما تعتبر الانهمام بالذات أنانية وتفاهة، ومروقا عن الجماعة، وانحرافا عن الوظيفة الرسالية العظمى، في إنقاذ الجماهير وخلاصها.

 وتستبعد الجماعة من صفوفها كل شخص يستفيق، فيعود إلى ذاته ويتعرف على: يأسها، قلقها، خوفها، حزنها، غرائزها، حاجاتها، أحلامها، تطلعاتها، همومها، آلامها، غضبها، فرحها، ترحها، مرحها، مرضها، سقمها، صحتها، حياتها، موتها..الخ.

وتحرص أدبيات هذه الجماعات على مناهضة ورفض الثروة الفلسفية، ومدونة التصوف والعرفان في الإسلام، وتتهمها بالهرطقة والخروج عن الدين، وتحذر أتباعها من الاطلاع عليها والنظر فيها، وهو موقف تتضامن وتلتقي فيه تلك الجماعات بأسرها، لا تشذ عنه أية جماعة. ذلك أنها تدرك ما تنطوي عليه الثروة الفلسفية من الحث على؛ النظر والتدبر والتفكير والتأمل، وبعث العقل، وما تفيض به مدونة التصوف والعرفان من؛ إيقاظ للروح، وإشعال للقلب، وإثراء للوجدان، وتكريس للتجربة الروحية الفردية، والحث على سبر أغوار الحياة الشخصية، واكتشاف الذات، واستبطان العالم الجواني، والحفر في سراديب النفس وانفعالاتها وتوتراتها وعنفها وبراكينها.

ويسود منابر ووسائل إعلام هذه الجماعات ضجيج، تغرق به الصحف والمطبوعات، والفضائيات، وكل ما هو مرئي ومسموع، يستنزف وقت المجتمع، ويرهقه بخطابات، لا تقول معنى جديدا، ولا تمنح الناس فرصة للتفكير والتعبير عن ذواتهم، وإنما تغرقهم بفائض لفظي، وشعارات تعبوية، وضوضاء صوتي، يقودهم إلى حالة تنويم اجتماعي شاملة، ويتحولون الى بشر مسطحين، شخصياتهم مجوفة، لا تستطيع أن تعثر على بصمتها الخاصة، وصوتها الخاص. وقتئذ يغيب هؤلاء عن ذواتهم، وواقعهم، وعصرهم الذي يعيشون فيه. وتعلق كافة مشكلاتهم على مشجب جاهز، يختزل كل ذلك في أعداء خارجيين، ولا يبوح بالجذور التاريخية الداخلية لتلك المشكلات، ونمط السياقات الدينية والثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية المولدة لها. وغالبا ما يتشبع ذلك الفائض اللفظي بكلمات ومصطلحات وعبارات كراهية قاسية، تنعت الآخر بمختلف ألوان الهجاء، متكأة على تفسير تآمري جاهز لكافة الأزمات والصراعات، يسعى لترحيل بواعث كافة المشكلات إلى الآخر، من دون أن يرشد إلى جذور وعناصر التخلف والانحطاط المترسبة في طبقات الماضي، والثاوية في أعماق تاريخ المجتمع.

عندما يغيب الوعي الفردي، تُطمس تبعا له الهوية الشخصية، وتتلاشى الذات في الجماعة، في هذه الحالة تختفي الشخصية الحقيقية الأصيلة، ويسود نموذج الشخصية النيابية المستعارة. ويفضي هذا الى سيادة روح الجمهور، وشيوع منطق الجمهور وأحكامه الجاهزة، وتتبدل معه معايير الحقيقة والحق والقيم، بنحو تمسي معه الحقيقة والحق والقيم منحصرة بما يقتضيه منطق الجمهور، أي إن ما كان أصيلا وحقيقيا لا محل له في معايير وأحكام الجماعة.

ويؤول ذلك الى تفشي التعصبات، والنزعات الفاشية، لأن أية جماعة بشرية خارج إطار هذه الجماعة، لا تتبنى القيم السائدة في معتقدات وسلوك الجمهور،  لن تجد من يقبلها، وتُنفى معتقداتها وقيمها. مضافا إلى ما ينجم عن ذلك من اضمحلال القدرة على الخلق والإبداع، والتي هي فردية دائما، أما النسخ المتشابهة من البشر، فإنها عاجزة عن اختراق السائد، وابتكار أي شئ خارج ما هو مألوف.

في هذه المناخات لا يستفيق وعي الناس، ولا يستطيعون مواجهة ذواتهم، ويغطون في حالة من الذهول عن حاضرهم ومصيرهم. وينخرط الناس في أزمات ومعضلات ومتاعب المجتمع، ولا يكفون عن الاستغراق فيها كل يوم، والتورط في كل ما هو خارج ذواتهم، فيما تغيب الذات، وربما تُمحى؛ فلا أثر واضح يشير اليها، ويتوهم الجميع أن سعادتهم لا تعني ذواتهم، ولا يتنبهون التفكير في السؤال؛ مافائدة أن يغدو العالم سعيدا إن لم أكن أنا قبل ذلك سعيدا؟!، وما فائدة أن يغدو العالم جميلا إن لم أكن أنا قبل ذلك جميلا؟! “ما فائدة أن تربح العالم وتخسر نفسك”، حسب السيد المسيح؟!

 وحتى الكلام الكثير عن الدين والتبشير به، وتحشيد كتائب عددية من البشر، من أجل تلقينهم الإيمان، سيفضي إلى نتائج منافية لروح الإيمان والضمير الديني العميق. فإن “الانهيار الديني ناجم عن كثرة الكلام في الدين”2 كما يشدد على ذلك كيرككورد.

الإيمان جوهرة روحية متسامية ليست حسية، الايمان جوهرة روحية كيفية لا تخضع لقياسات كمية مادية، انه جوهرة روحية فردية لا جماعية، تتحقق عبر استبطان الذات، والشروع في رحلة كدح ذاتي للعروج نحو الحق. الإيمان كما يقول كيرككورد: “ليس في مجمله علفا يقدم للسذج من الناس، لأنه لا يمكن أن يكون فكرا”3. وحينما لايحيا الإيمان بوصفه صلة حية متوثبة بالله، وانما يقدم بوصفه معتقدات ومقولات ومفاهيم وأفكار وشعارات، يجب أن يعتنقها الكل، ويحفظها الكل، ويتطابق فيها الكل، فلن يرتوي القلب عندئذ بلذة وصال الحق، وإن كان العقل يحتفظ بمجموعة مفاهيم، هي بمثابة مومياءات محنطة خاوية، مفرغة من أية روح متقدة. الإيمان خلافا للفهم والمعرفة لايتحقق بالنيابة، في عملية الفهم يمكن أن يتلقى الإنسان معارفه من شخص آخر، أو يقلد غيره في آرائه، لكن الإيمان تجربة ذاتية تنبعث في داخل الإنسان، إنه صيرورة تتحق بها الروح وتتكامل، ونمط وجود يرتوي به الظمأ الأنطولوجي للقلب، وهو من جنس الحالات، و”قوالب الألفاظ والكلمات لا تتسع لمعاني الحالات”، حسب تعبير الشيخ محيي الدين بن عربي.

 

الهوامش

  • كلمة تحرير العدد الجديد من مجلة قضايا إسلامية معاصرة،ع 55 – 56 صيف وخريف 2013؛ تُنشر بالتزامن مع صدور العدد.

1-      قضايا إسلامية معاصرة، ع53 – 54 “شتاء وربيع 2013″.

2-      ميخائيل، فوزية أسعد. سورين كيركجورد: أبو الوجودية. تقديم: أنور مغيث. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، ط2، 2009، ص

3-      محمد، د. علي عبد المعطي. سورين كيركجارد: مؤسس الوجودية المسيحية. الإسكندرية: منشأة المعارف، 2000، ص46.

اللوحة: للفنان الفرنسي جاك لويس دافيد، رسمها ما بين الأعوام 1790 و1794، غذاة الثورة الفرنسية (1789) في ظروف من الأحداث العظيمة والصراع ضد السلطة السياسية والدينية في تلك الفترة. تجسد اللوحة لحظات الاجتماع الذي انعقد في قاعة في فرساي وأقسم فيه ممثلو الشعب على الوحدة الوطنية، إلا نائبا رفض رفع يده للتصويت. وتجسد هذه اللوحة أن احترام فردانية وإرادة كل شخص هي أساس الوحدة الوطنية.

Share Button