الدين في الليبرالية الغربية

notre_dame

كان الدين ولا يزال محط صراعات تاريخية، على من يتبناه ويتولى تدبير شؤونه، هذه المكانة الاعتبارية يستمدها الدين كمورد مركزي في عملية الشرعنة. كل من تملك زمام أمور الدين كلما كانت له الحظوة والمكانة البارزة على رأس المجتمع. لهذا شكَل الدين آلية ناجعة في استحواذ رجال الإكليروس المسيحي في عهد ظلمات أوروبا ومظاليمها، على عقول الناس وأبدانهم، فكان مجرد أن تقرر الكنيسة في شأن ما حتى تنصاع كل أطراف المجتمع لقراراتها؛ فكلام رجل الدين مقدس كلما تم الامتثال لأوامره كلما تم التقرب أكثر للرب. ووصل الأمر إلى درجة بيع صكوك الغفران لمن يريد التكفير عن ذنوبه، فقط أن تدفع للكنيسة فأنت داخل في دائرة رضى الله.

هذه المكانة السامقة للكنيسة أدخل المجتمعات الأوربية في حالة استلاب تجاه رجل الدين، وأضحت مجالات تحركه محدودة بما ترسمه الكنيسة لحيز الفرد في التعبير والعمل والابتكار والتعلم، فجرم من يبحث في دوران الأرض وفي شكلها؛ ومن تحدث عن جاذبيتها وحتى من فكر في سبل تطور المجتمع وتقدمه. هذه السيطرة الدينة أدخلت أوروبا في براثين التخلف، وكبح جماع الفرد داخل المجتمع، فرجل الدين هو مركز الكون في نظره حيث يجب أن تدور عليه باقي المكونات، فله وبه ترجع الأمور. لما لا وهو بيده أهم موارد المشروعية التي تبرر كل أفعاله وأقواله.

لكن مع بزوغ فجر القرن السابع عشر سيطرح النقاش الفكري، عن مكانة الدين في الفضاء العام وسلطة رجال الدين عن الفرد والمجال. فكان الحل بعد صراع مرير مع رجال الكنيسة واندلاع ما سمي بالحروب الدينية والمحارق وانطلاق ثورة الإصلاح الديني والثورتين الإجليزية والفرنسية، بمراجعة دور الدين في الحياة العامة، في تدبير أمور المجتمع والسياسة. فتراجعت سلطة رجل الدين، لتفسح المجال نحو الموضوعية والعلم في ابتكار الحلول الناجعة في تدبير حاجيات الفرد داخل تنظيم محكم هو شكله وأساسه هو الدولة.

فدخل المجتمع الأوروبي نحو عصر الليبرالية والحداثة بمكوناتها الديمقراطية والعقلانية، باعتبارها الطريق الوحيد نحو السعادة والتقدم المدني. وأضحى المجال الديني مجالا محفوظا بعيد عن المجال العام، ولا دخل له في تدبير أمور المجتمع. لكن هذا التصور لا يعني أن الليبرالية الغربية ألغت الدين بشكل عام، بل هي جعلت مكانته بعيدة عن الصراع السياسي والتوظيف المخل بمبادئ الديمقراطية والتعددية. فالدين ينظم العلاقة العمودية بين الله والفرد، في حين أن المجال اليومي المشترك هو من اختصاص بشري. وأدى هذا الفهم إلى إفراز أشكال متعددة من علاقة الدولة بالدين في المجال الغربي، بين الإلغاء التام عن الفضاء العام كالنموذج الفرنسي، وبين علاقة التعايش كالحالة البريطانية والأمريكية. بمعنى أن من يطرح مسألة الدولة والدين في المجتمعات اللليبرالية، يجب أن يحدث تمييزا بين مختلف الحالات القائمة.

إن مكانة الدين في الليبرالية كمذهب وكشكل من أشكال التدبير المؤسساتي للدولة الديمقراطية؛ سواء على مستوى الأفكار أو القوانين التشريعية، لا يعني إلغاءه تماما أو إحداث شكل من أشكال القطيعة الابستيمولوجية معه. بل بالعكس هي تبعده عن التوغل في السياسة كمجال مفتوح للمنافسة، حتى لا يصبح سندا لمن يدعي أنه يملك الحقيقة المطلقة بتبنيه للشعارات الدينية. إن الليبرالية بهذا الشكل تحفظ للدين قداسته ومكانته البارزة، وهو ما سهل عملية الانتقال من سلطة الكنيسة ورجل الدين على المجال السياسي، إلى سلطة المؤسسة والقانون. وترك الدين كمجال محفوظ للفرد يمارسه داخل أماكن العبادة التي تلتزم الدولة بإقامتها وضبط مجال اشتغالها.

إن البحث في مكانة الدين داخل اللليبرالية الغربية، يجب أن يمتد نحو تاريخ الصراع حول من يقود المجتمع، هل بسلطة رجل الدين والاستمرار في الاستلاب والتبعية للكنيسة كسلطة دينية، والاستمرار في إنتاج تخلف وظلمات القرون الوسطى. أم بالانتقال إلى سلطة العقل حيث لا تبعية إلا لما تقرره الأغلبية داخل المجتمع؛ وفق تشريعات ليبرالية تضمن العيش المشترك للأفراد. مع الإبقاء على الدين كديانة تتبناها العديد من الدساتير الغربية، وتحظى برتبة شرفية بارزة داخل مؤسسات الدولة، كملكة إنجلترا التي تعتبر رئيسة الكنسية الانجليكانية وتمنح لقب حافظة الإيمان للبريطانيين، والرئيس الأمريكي الذي لا يتوانى في التعبير عن تبعيته الدينية وممارسة طقوس التعبد. ويبقى ذلك مجالا داخلا في فلسفة اللليبرالية، التي تضمن للأفراد ممارسة وحرية اعتقاداتهم. وبالتالي الحديث عن أطروحة “موت المقدس” كموت رمزي في الفكر الليبرالي الغربي، هو من قبيل القراءة التجزيئية لهذا الفكر، ومن قبيل إبعاد المقدس كمكون من مكونات الحريات الفردية التي تعتبرها الليبرالية أساسا لها.

لقد أخرج عصر النهضة الأوربية المسيحية من سطوتها على المجال والفرد، وأفرز منظومة تشريعية مركزها وضعي وعقلاني في تدبير حياة المجتمع. لكن الصيرورة التاريخية لهذا الشكل الجديد للمجتمع، أفرز أشكالا متعددة لعلاقة الدولة بالدين في إطار الدولة المعاصرة، بين نموذج من التعايش وأشكال من إبعاد الدين من الفضاء العام، لكن الليبرالية الغربية لم تلغ يوما الدين أو دعت لإقصائه من حياة الفرد.

Share Button