في اختتام أشغال المؤتمر الدولي للحقوق الطبيعية بالرباط: التنمية رهينة بالحرية والمنافسة وسلامة المؤسسات

ABD_8934
اختتمت أمس في العاصمة المغربية الرباط أعمال المؤتمر الدولي للحقوق الطبيعية الذي نظمه المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية بالتعاون مع مؤسسة جيفرسون الدولية واستمر لمدة ثلاثة أيام، وهدف المؤتمر إلى دراسة التجارب التاريخية الإنسانية للاستفادة منها في فهم ما يجري في ما بات يعرف بالربيع العربي وما شهدته المنطقة وتشهده من تراجعات في حقوق الأفراد والجماعات وبروز وتنامي ظاهرة التعصب والتطرف والإقصاء. المؤتمر الذي شارك فيه مجموعة من الفلاسفة وعلماء الاجتماع والسياسة والخبراء العرب والأجانب خلص إلى ضرورة اعتبار الحرية بكل تجلياتها الاقتصادية والدينة والسياسية والثقافية حقا مقدسا لا يمكن المساس به.

الورشات الختامية: الحرية حق مقدس

وكان مدير المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية قد أكد في افتتاح المؤتمر على أن المرحلة الدقيقة التي يجتازها العالم العربي تقتضي مزيدا من اليقظة العلمية لتلافي وتجنب أية خسارة جمعية لصالح منافع فئوية عصبوية، قطاعية. وأضاف بأن العالم العربي بحاجة أكثر من أي وقت مضى لرؤية واضحة للمرحلة القادمة، مرحلة لا يجب أن يتسم سلوكها بالتكيف الاضطراري ومهادنة المقاربات النمطية الشعبوية الجاهزة بهدف الاقتصار على احتواء الوضع الناشئ وعدم الغوص عميقا في عملية التغيير. وفي نفس السياق، وبالرغم من صعوبة تعريف مفهوم الحرية بالنظر إلى الاختلاف المسجل بين المدارس والمذاهب الفكرية، فقد اتفق المشاركون على أن الثابت المشترك يظل الاتفاق على أن الحرية حق مقدس وطبيعي لكل الناس على اختلاف دينهم وجنسهم ولونهم وثقافتهم. وركز المتدخلون على أنه لا يمكن الحديث عن الحرية بل عن الحريات المتعددة والمرتبطة بالحقوق الطبيعية والأساسية للأفراد. وهذا الترادف بين الحريات والحقوق يوجب التنصيص على هذه الحقوق في الدساتير لكي تكون مكفولة للجميع لتسليط الضوء على أهمية احترام حرية الفرد السياسية والدينية. ومن جهة أخرى شددت ورشة حقوق الملكية على ضرورة التاسيس لمنظومات ليبرالية ديمقراطية واعتبار حق الملكية الفردية حقا مقدسا خاصة وأن نزع الملكية يمكن أن تكون أداة في يد فئة معينة. وأضافت الورشة في إحدى خلاصاتها ضرورة التركيز على المنافسة في إطار مؤسساتي سليم لأنه يقدم الأجود. وفي السياق ذاته دعت إلى أهمية الحياد لتحقيق الديناميكية الاقتصاية وتراجع تدخلية الدولة التي يساهم تضخمها في انتشار المحسوبية والزبونية وثقافة المحاباة لا ثقافة الكفاءة والمبادرة والخلق. واعتبرت خلاصة أخرى أن الحرية أساس التقدم الاقتصادي عملا بمختلف التقارير الدولية والدراسات العلمية التي تؤكد على أن الدول الأكثر ازدهارا هي الدول الأكثر حرية اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا.

الحراك العربي وصراع التحديث والتقليد

وقال منسق البرامج العلمية للمركز أن العالم العربي لا يزال رهينا لنفس الصراع القديم/الجديد بين ديناميتين متناقضتين هما دينامية التحديث ودينامية التقليد”. وأكد ذات المتحدث “أن الحراك العربي دفع بقوة “الحرية” لتعود إلى سطح النقاش، غير أن حرية المعتقد تعتبر أعمق مستويات الحرية”. وزاد قائلا “لأنها ترتبط بتحرير الفرد من السلطة الفكرية للجماعة أو للتراث الجماعي”. هذا الصنف من الحرية متعدد الأبعاد والأوجه إذ يتضمن حرية الفكر والتفكير، حرية الوجدان والضمير والوعي أي حرية الفرد في اختيار الدين الذي يرتضيه لنفسه بعد البلوغ واعتبار ذلك حقا من حقوق الإنسان. أما المفكر التونسي محمد الحداد فقد انتهى إلى القول بأن الدولة لايمكنها أن تحقق كل المطالب والحقوق كما أن حرية المعتقد كحق طبيعي لم يكن من السهل قبولها وبالتالي فقد أثارت الكثير من السجال والنقاش مع أنه كما يؤكد حداد ليست قضية كمالية نخبوية تهم المثقفين بل هي قضية لها تأثيرها على كل المسارات المجتمعية.

التجارب الإنسانية: الفرد أساس التنمية

كان اليوم الأول والثاني قد شهد مداخلات لمتخصصين من مختلف جامعات ومعاهد البحث العالمية حيث اعتبر مدير البرامج العلمية في مؤسسة أطلس للدراسات أن الحقوق الطبيعية تعني أن  كافة البشر خلقوا متساوون والخالق وهبهم حقوقا لا يمكن سلبها وهذه الحقوق هي الحق في الحرية الحق في الحياة والحق في السعادة . غير انه أضاف أن هذه الحقوق وخاصة الحق في الحرية ليست حقوقا مطلقة ولا مرتبطة بالرغبات والمصالح. ومن جهة أخرى اعتبر ممثل صندوق النقد الدولي بالمغرب وشمال إفريقيا”جون بيير شوفور”،أن التنمية يجب ان تتأسس على الفرد الذي ينبغي ان تمنح له كافة الإمكانات من أجل مساهمته الفاعلية في عملية التنمية. واعتبر أن الدولة ليست بالضرورة مسؤولة عن فقر الأفراد الذين يجب أن يتحملوا مسؤولية فعاليتهم أم عدمها ومن ثمة  شكك “شوفور”في اعتبار الفقر انتهاكا لحقوق الإنسان. ومن جهته استعرض المؤرخ الأمريكي بيتر أونوف التجربة الأمريكية و الكيفية التي تمت بواسطتها معالجة الحقوق الطبيعية في وثيقة إعلان الاستقلال الامريكي 1776؟ وتوقف أونوف عند نص الاعلان وتحديدا عند الفقرة التي تقول بأن كافة البشر خلقوا متساوين وأن خالقهم منحهم حقوقا ثابته لا يمكن التنازل عنها من بينها الحق في الحياة والحق في الحرية والحق في تحقيق السعادة باعتبارها الحقوق الطبيعية والأساسية.

حرية المعتقد ووضعية المرأة

قال أحمد مفيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة فاس في مداخلته التي استعرض فيها عددا من القضايا من قبيل وضعية حقوق الإنسان في دول المنطقة، إنّ الدساتير الجديدة التي أعقبت الحراك العربي كرست مجموعة من الحقوق الطبيعية للإنسان، مثل الحق في الحياة، غير أنها ربطته بنصوص قانونية جعلته رهينا ويمكن إلغاؤه بعد أن تم الإبقاء على الحق في الإعدام. أما الباحثة التونسية أمال قرامي فقد تناولت طبيعة التفاعل بين من كلّفوا بكتابة الدستور (من داخل قبّة المجلس التأسيسي) ومختلف مكوّنات المجتمع المدنيّ (من الخارج) وذلك من خلال دراسة خصوصيات الجدل القانوني الحقوقي حول ميسم العلاقة بين الحقوق الطبيعية والحريات. ونظرا إلى تعرض النساء إلى انتهاكات عديدة تعلّقت بحريّة التعبير وحرية التفكير وحرّية التنقل وغيرها فقد ركزت على ما يميز المسار الانتقالي من ارتفاع أصوات النساء عاليا من أجل الدفاع عن المواطنية الكاملة والمساواة ودسترة حقوقهن. وفي موضوع ذي صلة تطرق إدريس الكريني، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش إلى موضوع حقوق المراة وصعود التيارات الإسلامية إلى الحكم في بعض دول المنطقة، معتبرا أن وصول هذه التيارات إلى الحكم أمر طبيعي، طالما أنه مبني على التنافسية وعلى الاحتكام إلى صناديق الاقتراع، وقواعد لعبة واضحة، غير أنه استدرك قائلا “لكن أن يكون الولوج إلى السلطة مرحليا، في أفق الانقضاض على قواعد اللعبة الديمقراطية، والاستيلاء على السلطة، فهذا غير مقبول”ومن جهتها وصفت أمينة بوعياش، من المنظمة المغربية لحقوق الإنسان٬ كاتبة عامة للفيدرالية الدولية لرابطات حقوق الإنسان٬الوضع السائد ما بعد الحراك العربي بالالتباس حيث لا تزال الحقوق الطبيعية تراوح مكانها وتعرف تفاوتا من حيث التفاعل بين الخطاب الحقوقي والسياسي والثقافي. كما تفوت المنطقة على نفسها نهضة مجتمعية أساسها الاجتهاد في وضع نموذج ديمقراطي يغني التجارب الفضلى في العالم” تقول المتحدثة. إكرام عدنني، الباحثة بالمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية توقفت عند ما سمته استمرار خرق الحق الطبيعي في الحياة حيث أن المتتبع للمشهد العربي سيلاحظ أيضا كيف أنه يتم كثيرا الحكم بتهم الارهاب في غياب عدم تحديد واضح لمفهوم الارهاب، مع اللجوء الى المحاكمات العسكرية وعدم خضوع المحاكمات للمعايير الدولية في العدالة. وأضافت عدنني أن منطقة العالم العربي ستحتاج الى مزيد من العمل من أجل تجاوز المحاكمات الجائرة والغاء المحاكمات العسكرية للمدنيين وهي الخطوة المهمة التي اتخذها المغرب مؤخرا. ويبقى المجتمع المدني مطالبا اكثر بالعمل على تاييد الغاء عقوبة الإعدام التعسفي خاصة والإعدام بشكل عام.

الملكية الفردية والآثار الكارثية لانتهاكها

ولم تغب حرية الملكية الفردية عن مداخلات الباحثين العرب حيث تطرق الباحث السوري مازن ديراون إلى ما سماه الآثار الكارثية لاستباحة حق الملكية مشيرا إلى أن معظم من تعدوا على هذا الحق الطبيعي غفلوا عن الآثار الكارثية لهذا الاعتداء على حياة الناس و سعادتهم. وأضاف” إن وصول الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر للسلطة في سورية إبان ما سمي بالوحدة قصيرة الأمد بين سورية و مصر في العام 1958 و سياسات التأميم و الاستيلاء على أملاك الناس التي انتهجها و ما تبع ذلك من سياسات مشابهة انتهجها إنقلابيو الثامن من آذار البعثيون من بعده في العام 1963 كان لها آثار سلبية كبيرة على الحياة الإجتماعية و الإقتصادية في سورية. وعلى نفس المنوال تطرق أستاذ الاقتصاد بجامعة بن طفيل محمد الزناتي إلى حرية العمل من خلال مقولة آدم سميت والتي مفادها أن ملكية كل فرد لعمله الخاص باعتبارها الأساس الأصلي لكل ملكية أخرى مقدسة ومحرمة على أي انتهاك.

Share Button

الكاتب: