سورن كيرككورد: الإيمان الوجودي وديانة الضمير الفردي

Kierkegaard

سورن كيرككورد 1813 – 1855

يوافق هذا العام مرور مائتي سنة على ولادة الفيلسوف الدانماركي سورن كيرككورد، الذي توفى في 11/11/1855، وتقديرا لمكانته وأهمية منجزه اعتبر بلده الدانمارك هذه السنة خاصة بالإحتفاء به وإحياء آثاره، كما أُقيمت ندوات ومؤتمرات حوله في بلده وبلدان أخرى، ولم تهتم أو لم تتنبه الجامعات العربية، ومراكز البحوث والدراسات، والدوريات الفكرية والدينية لهذه الذكرى. لكن مجلة قضايا إسلامية معاصرة جريا على تقاليدها؛ بتجاوز تكرار المكررات وشرح الشروح، تحتفي بهذا الفيلسوف المختلف الخارج على الأنساق الفلسفية، واللاهوتي الخارج على دوغمائية الإيمان الكنسي، والأديب الرؤيوي الخارج على صنعة الشعر والفن، والمفكر المتعدد المتنوع الخارج على الموضوعات الجاهزة إلى ما هو مهمل ومنسي، حين تخطى السياق المتوارث للتفكير الفلسفي، الذي تمحور حول دراسة الإنسان من الخارج، فتمحورت كتاباته على دراسة الإنسان من الداخل، وطرح قضايا لم يهتم بها التفكير الفلسفي من قبل، مثل؛ القلق، اليأس، الموت، الحب، الإيمان، الضمير، المفارقة، وغيرها مما يعتمل في أعماق النفس البشرية. واهتم بإثارة الأسئلة من دون أن ينشغل بجوابها، يكتب: “إن مهمته في هذه الدنيا أن يثير الإشكالات في كل مكان لا أن يجد لها حلا”1.

اكتشفت هذه المجلة راهنية اللاهوت الذي صاغه كيرككورد، والأهمية الفائقة لبيانه العميق لمفهوم الإيمان، والذي نعثر على ملامحه في مدونة المتصوفة والعرفاء، وحاجتنا الشديدة في العالم الإسلامي لرؤياه الفسيحة المحلقة في الآفاق، وأسئلته المحرضة على التفكير خارج سياق الأنساق المغلقة، فقد تمحور كل ما أنتجه حول الذات والهوية الشخصية للكائن البشري، بنحو كانت عليه كتاباته كافة تحكي سيرته الروحية والعاطفية والعقلية، تلك السيرة الخارقة للمألوف، التي لم يغادر فيها عوالم ذاته، وأصر فيما عاشه وكتبه على فرادته واستقلاله وتميزه، حتى إنه بعد وفاته كان يود أن يُكتب على شاهدة قبره “الفرد المنفرد”.

رغم أن العمر الذي عاشه سورن كيرككورد لم يتجاوز اثنين وأربعين عاما، غير أنه كان  غزير الإنتاج، فقد بلغ مجموع أعماله أربعة عشر مجلدا، مضافا إلى ثمانية عشر مجلدا لأوراقه ويومياته، والمعروف أنه دونها في مدة لا تزيد على ثماني سنوات، ويشير بعض الباحثين المهتمين بسيرته، إلى أنه “في فترة قصيرة جدا لا تزيد على السنتين ظهر الجزء الأكبر من مؤلفاته”2.

ويمكن أن تصنف مؤلفاته على ثلاثة أصناف:

الأول: مؤلفات كتبها ببيان الشاعر الرومانتيكي، لا تحمل اسمه، وانما نشرها بأسماء مستعارة.

الثاني: مؤلفات كتبها ببيان فلسفي، وهي تحمل اسمه بجوار أسماء مستعارة.

الثالث: مؤلفات دينية، كتبها ببيان وعظي، وهي تحمل اسمه.

ويؤشر هذا التصنيف لمؤلفاته إلى نظريته في مدارج الحياة ومراحلها الثلاث، فالصنف الأول يقابل المرحلة الحسية الجمالية، والصنف الثاني يقابل المرحلة الأخلاقية، أي مرحلة التمسك بالمبادئ، والصنف الثالث يقابل المرحلة الدينية. وسنشير إلى هذه المراحل بعد قليل.

لكن مثل هذا التصنيف لكتاباته وربطها بنظريته في مراحل الحياة، لا يتطابق مع حياته، فإنه في جميع مراحل حياته كان ينشر بأسماء مستعارة، وإنه كان ينشر أحاديثه الدينية التوجيهية وعظاته في كل حياته، وإن تكثف إنتاجها ونشرها في المرحلة الأخيرة منها. وهكذا تضمنت مؤلفاته من الصنفين الأول والثاني رؤى ميتافيزيقية، وكانت لغته أدبية مشتعلة في كتاباته كلها.

نحن اليوم بأمس الحاجة لهذا اللون من التفكير الديني غير النمطي، من أجل استكشاف تجاربنا الدينية، والبحث عن آفاق تتخطى الإتباع في دراساتنا الإسلامية، والتعرف على ما تحفل به حياتنا الدينية من ظواهر متنوعة، واكتشاف أوهام، وثغرات، وتبسيط أدبيات الجماعات الإسلامية؛ وما أشاعته من ثقافة وتربية دينية بعيدة عن مقاصد الدين وأهدافه الإنسانية، وهو ما تكتوي به بلداننا اليوم بعد حمى “الربيع العربي”، واختطاف الجماعات الإسلامية لأحلام الشباب بالحرية، وهيمنتها على المجال العام، وتفشي موجة تدين مفرغة من روح الدين، ومشبعة بشتى أنواع التعصبات والكراهيات، يجري فيها تزوير حقيقة الإيمان، ومسخ جوهر الدين، وتشويه الحياة.

مراحل الحياة

رسم كيرككورد ثلاث مراحل لذات الإنسان وتطورها في مدارج الكمال، وكأنه هنا يحاكي ما أفاده المتصوفة والعرفاء في بيان مدارج السالكين إلى الله، وتجاربهم الروحية، وما يصطلحون عليه بـ “قوس الصعود”، في بيان محطات السير والسلوك. وكيف يتسامى السالك في الأسفار الروحية الأربعة، من الخلق إلى الحق، فيرتحل نحو العالم الربوبي؛ حتى يتحد به في سفره الثاني؛ من الحق إلى الحق بالحق. مدارج الذات في مراحل تكاملها عند كيرككورد، ليست سوى “تعميق تطوري للحياة الفردية، يتجه فيه الفرد إلى نسج حياته في إطار أغنى وأشد قيمة؛ مرورا من حياة حسية، إلى أخرى أخلاقية، وأخيرة دينية”3. كما لاحظ ماكوري.

ويحدد كيرككورد تلك المراحل بما يلي:

المرحلة الجمالية أو الحسية؛ في هذه المرحلة يخضع الإنسان لغرائزه وملذاته وشهواته الحسية، وحين ينغمس في ملذاته الحسية، يتحول إلى كائن لا يعبأ بأخلاق، ولا ينضبط سلوكه بقواعد سامية، ولا يكترث بقانون، حتى يصل إلى حالة خواء وغثيان ولا جدوى، فيفتقد أمنه الشخصي، بعد أن ينهار في داخله كل شئ، ويغرق في حالة يأس وقنوط وقلق مرعب.

و”الحب هنا جنسي صارخ4“، عابر، ذلك أن الحواس سرعان ما ترتوي، فتمل، وتبحث عن تجربة بديلة، عساها تمنحها غبطة جديدة. هذا هو الحب المتفشي في حياة الناس الحسيين الغرائزيين.. وعادة ما يكون المرء ضحية في هذا الضرب من الحب. لأن كل تجربة تذوق جسدي وحب إضافية ترهق وتنهك الإنسان، وتصيره حطاما لحظة ذبولها وتحولها إلى ذكرى بائسة، فتغدو الروح هشيما تذروه الرياح، والقلب ممزق نازف، والعقل مضطرب مشتت. وطالما تحوّل هذا اللون من الحب إلى فضائح تتلوث بها الشخصية، ويستهجن المجتمع سلوكها، وربما يفضي ذلك إلى ازدرائها ونبذها ونفيها وطردها من الحياة..الإنسان الأخلاقي يستهجن ذلك، ويأباه ضميره الأخلاقي، والتزامه الوجودي، ووجدانه الإيماني. الحب الأخلاقي أسمى وأنقى وأعمق من ذلك الحب المتنقل الزائل. الرجل الحسي يقع في غرام المرأة وحبها، ينشد المواقف والكلمات والقصص الغرامية،”لكن لا زواج”.

ويمثل نموذج إنسان المرحلة الحسية لدى كيرككورد “دون جوان”، وشعاراته فيها: “تمتع باللحظة الراهنة”، “تلذذ بكل ما هو حسي”، “اقبل على كل ما هو سار في الأشياء، وارفض ما هو غير سار منها5“. حب دون جوان حسي، إنه حب اللحظة، يبدأ كل شئ في لحظة، وينتهي كل شئ في لحظة، ويتكرر موضوع حبه بشكل لا نهائي. حبه حب جنسي، وحياته لحظات متكررة بغير اتصال، ولا يرغب في المرأة أن تكون له زوجة، انه يريد المرأة لأنوثتها. يتحدث كيرككورد عن موقفه هذا قائلا: “أيها السادة؛ لقد أخطأتم! فأنا لست زوجا يبحث عن فتاة متميزة أو غير عادية. فكل فتاة تملك ما يجعلني سعيدا، ولذا فأنا دوما أسعى إليهن جميعا”6.

المرحلة الأخلاقية؛ في هذه المرحلة يرتقي الإنسان في مدارج الصعود، فينعتق من غرائزه وشهواته الحسية، بعد أن ينهكه اليأس والقلق والسأم الوجودي، وانهيار الأمن النفسي، والذي يتواصل كمرض حتى الموت. هنا يكون الإنسان أمام مصيره، فإما أن يلبث في حياته الحسية، فيمكث أسير وجوده المتناهي، أو يختار اليأس، وقتئذ يختار ذاته في وجودها الأبدي. وحين ينسحب من فتنة العالم الخارجي وصخبه، ويغور في حياته الباطنية، يتحقق بذلك وجوده الأخلاقي، وتصبح حياته أخلاقية، تنشد الخير والفضيلة، وتنضبط بالقيم الأخلاقية. وربما يمثل هذا دعوة سقراط: “اعرف نفسك بنفسك”7.

وإذا كان الإنسان في المرحلة الحسية “لا يتخذ قرارا، ولا يعترف بواجب، بل إنه ينظر إلى الواجب على انه خاضع للذة، فإن السمة الرئيسة التي يمتاز بها إنسان المرحلة الأخلاقية هي اتخاذ القرار والاختيار، فالاختيار مقولة أخلاقية صرفة، لا قبل بها لرجل الحواس، فيصل كيرككورد إلى المرحلة الأخلاقية؛ عن طريق إدخاله لمقولة الاختيار، إذ إن حقيقة الاختيار تكّون المرحلة الأخلاقية”8.

هكذا تكون الحياة الأخلاقية ثمرة الاختيار، لذلك يحذر كيرككورد على لسان القاضي وليام في كتابه “إما/أو” من مغبة اللاموقف وعدم الاختيار، فيكتب: “إن أعظم شئ هو ألا تكون هذا أو ذاك، بل أن تكون شخصا عينيا، أن تكون إنسانا، وهذا هو ما يستطيع كل إنسان أن يفعله إذا أراد”9.

وهو يرى أن الحياة الأخلاقية مستمرة متواصلة، إنها تجمع بين الأمل والتذكر، بين الماضي والمستقبل، بينما تقتصر الحياة الجنسية على اللحظة الراهنة وحسب10.

والحب هنا لدى الرجل الأخلاقي هو أن يختار أن يحب ويبحث عن فتاة أحلامه، فحين يقع على ما ينشده، يدشن حبا لمدة محددة، ثم يدخل مرحلة الزواج، يعيش حبه وغرامه تجربة عاطفية أخلاقية، وشراكة وجودية، حتى آخر يوم في حياته، ولا ينشد حبا وقصة غرامية مؤقتة، يتذوق فيها اللذات الحسية، متنقلا بين النساء، مثلما يفعل الرجل الحسي.

المرحلة الدينية أو الإيمانية؛ في هذه المرحلة يتسامى الإنسان بفضل الإيمان بالله. ولا يتحقق ذلك إلا عبر قفزة “وثبة” في المجهول، توقدها عاطفة متدفقة، يكون فيها الإنسان في حضرة الله11.

ويصور كيرككورد ذلك في ضوء تفسيره لطبيعة الحياة الأخلاقية، فالأخلاق تهتم بالقيم، والخير والشر، والحسن والقبح، والصواب والخطأ، لكنها لا تهتم بالخطيئة. الأخلاق قوانين مطلقة أو نسبية، غير أن الخطيئة تحد موجه ضد الحقيقة المتعالية “الله”. ويمكث الشخص في المرحلة الأخلاقية؛ حتى يدرك فداحة خطيئته، وعجز القوانين الأخلاقية عن حلها. وهو لا يستطيع الخلاص من الخطيئة، إلا بأن يقفز بين يدي الله، إذ يضع خطيئته في حضرة الله الذي هو أبدي، حينئذ تنقلب خطيئته إلى إثم. بهذه الوثبة ينتقل من المرحلة الأخلاقية إلى المرحلة الإيمانية أو الدينية.

الإيمان عند كيرككورد ذاتي فردي، مرتبط بالإرادة الفردية، ولا يمكن أن يرقى إلى مرتبة الحقيقة الكلية العامة. الإيمان عند كيرككورد لا يتحقق من خلال الاستقراء أو الاستنباط، أو المنهج التاريخي، ولا يتحقق بالمنطق أو الفلسفة أو العلم، ذلك أن حقل الإيمان مستقل عن كل ذلك، ولا يمكن تحققه إلا عبر مخاطرة وقفزة في المجهول أو في الهاوية، والعواطف المتقدة المتدفقة هي التي تقود إلى هذه المخاطرة والقفزة، وتنتهي إلى أن يكون الإنسان بين يدي الله.

الإيمان عند كيرككورد وابن عربي يقتصر دور العقل على المرحلتين الحسية والأخلاقية عند كيرككورد، أما المرحلة الإيمانية فهي خارج إطار العقل، ذلك أن الإيمان ليس معرفة، ولا فلسفة، ولا منطقا، ولا علما، وإنما هو أمر وجودي عميق لا يتأتى بالمعرفة، بل يتذوقه الإنسان ويعيشه تجربة حية فوارة.  الإيمان جوهرة نفيسة أسمى من العقل، لا يمكن تقييمها بمقاييس العقل.

في ميراث المتصوفة والعرفاء المسلمين، يمكننا العثور على رؤى تتفق مع ما ذهب إليه كيرككورد، خاصة لدى الشيخ محيي الدين بن عربي، (560هـ/1165م – 638هـ/1240م). يشير ابن عربي إلى أن من غير الممكن معرفة الله بالأدلة العقلية،  لأن مثل هذه الأدلة ظنية، والطريق إلى الإيمان هو الوحي والشرع. فيقول: “معرفة الله بطريق العقل (هي معرفة) بطريق الخرص، ولهذا تقبل الشبهة القادحة في الأدلة. ومعرفة الله عن طريق الشرع المتواتر (هي) مقطوع بها، لا تقدح فيها شبهة عند المؤمن أصلاً، وإن جهلت النسبة، فالعلم بالله على سبيل القطع إنما هو من جهة الشرع، وهو تعريف الحق عباده بما هو عليه فإنه أعلم بنفسه من عباده به”12.

ويقرر ابن عربي أن الإيمان نور، وأن ما كان منه عن نظر واستدلال لا يمكن الاعتماد عليه، وما هو إيمان حقيقي هو الإيمان الذي يتحقق في القلب، يكتب ابن عربي: “إن الإيمان نور شعشعاني ظهر عن صفة مطلقة لا تقبل التقييد، والمؤمنون فيه على قسمين: مؤمن عن نظر واستدلال وبرهان، فهذا لا يوثق بإيمانه، ولا يخالط نوره بشاشة القلوب، فإن صاحبه لا ينظر إليه إلاّ من خلف حجاب دليله، وما من دليل (نظري) لأصحاب النظر إلا وهو معرّض للدخل فيه والقدح ولو بعد حين، فلا يمكن لصاحب البرهان أن يخالط الإيمان بشاشة قلبه، وهذا لحجاب بينه وبينه. والمؤمن الآخر (هو) الذي كان برهانه عين حصول الإيمان في قلبه، لا أمر آخر، وهذا هو الإيمان الذي يخالط بشاشة القلوب، فلا يتصور في صاحبه شك، لأن الشك لا يجد محلاً يعمره فإن محله الدليل”13.

 ويذهب ابن  عربي إلى أن تحويل الإيمان إلى أمر علمي، ينجم عنه القضاء على الإيمان، لأن الإيمان ينطوي دائماً على إبهام وغموض، بينما العلم يتسم بالوضوح، العلم متعلقه الوجود، والإيمان تقليد والتقليد يناقض العلم، ويوضح ذلك بقوله: “الإيمان نصفان، نصفٌ خوف ونصفٌ رجاء، وكلاهما متعلقهما عدم، فإذا حصل العلم حصل الوجود وزال العدم، وأزال العلم حكم الإيمان، لأنه شهد ما آمن به فصار صاحب علم، والإيمان تقليد والتقليد يناقض العلم”14.

ويصرح ابن عربي في مواضع عدة من كلامه؛ بأن علوم أهل الأسرار الحاصلة عن طريق الكشف والشهود بالتجلي الإلهي وتلقي الفيض القدسي، علوم تقع وراء حدود العقل ومجاله15.

ويشدد العرفاء على القيمة المعرفية للذوق والكشف والشهود، ويتمسكون بها بوصفها وسيلة تتفوق على العقل في إنتاج نمط من الإدراك يتخطى العلم الحصولي، ويتحول معها الإدراك إلى علم حضوري، ويشبهون ذلك كمن يأكل العسل ويذوقه مباشرة، ومن يعرف حلاوة العسل من دون أكله وتذوقه، كما يقول ابن عربي بأن: “العلم الثاني علم الأحوال، ولا سبيل إليها إلا بالذوق، فلا يقدر عاقل على أن يحدها، ولا يقيم على معرفتها دليلا البتة، كالعلم بحلاوة العسل، ومرارة الصبر، ولذة الجماع، والعشق والوجد والشوق، وما شاكل هذا النوع من العلوم، فهذه علوم من المحال أن يعلمها أحد، إلا بأن يتصف بها ويذوقها”16. كما يصف علم الأسرار بأنه: “العلم الذي فوق طور العقل، وهو علم نفث روح القدس في الروع، يختص به النبي والولي”17.

ليس العقل طريقا للعارف لفهم الواقع، وإنما طريقه هو القلب، ولا يسعى لأخذ صورة من الواقع بل يهمه أن يذوق الواقع، أن يشاهد الواقع على ما هو عليه. العارف لا يطلب علم اليقين، ولا يكتفي به، إنما يريد عين اليقين، وهو ما تعبر عنه المسافة بين إدراك صورة الحلاوة وحضورها في الذهن، وتذوق الحلاوة مباشرة. يقول صدر المتألهين الشيرازي:”والفرق بين علوم النظّار وبين علوم ذوي الأبصار، كما بين أن يعلم أحد حدّ الحلاوة وبين أن يذوق الحلاوة، وكم فرق بين أن تدرك حدّ الصحة والسلطنة وبين أن تكون صحيحا سلطانا، وكذلك مقابل هذه المعاني”18. .ويعود ذلك لدى العرفاء إلى أن العلم نور يشرق في قلب العارف، “إن مثل القلب مثل المرآة المجلوّة المصقولة محاذيا للوح المحفوظ وما عليه من العلوم والحقائق الإلهية، فكما لا يمكن أن يكون شيء محاذياً للمرآة المصقولة ولا يؤثر فيها؛ فكذلك لا يمكن شيء أن يكون محاذياً للوح المحفوظ وهو لا يرى في المرآة القلبية الصافية”19.

والمنهج الذي يتبعه ابن عربي والعرفاء لا يرفض العقل في المستويات كافة ، بل  يقوم على التمييز بين مقامين هما: ” الثبوت و الإثبات”، إذ كثيرا ما يقع الخلط في بيان مناهج المعرفة عند الإسلاميين، بين مرحلة مصدر المعرفة وإدراك الحقائق، وهو ما يصطلح عليه بـ “مقام الثبوت”، ومرحلة التعبير عنها وإيصالها إلى الغير، وهو ما يصطلح عليه بـ “مقام الإثبات”، فمثلا لا يختلف المحدثون عن المتكلمين في المقام الأول، كلاهما يعتمد النقل، ويستند إليه مصدرا لرؤيته الكونية ومعارفه الدينية، غير ان المتكلم في المقام الثاني “الإثبات” يتمسك بالعقل ويستدل على مسلماته ومعتقداته بمختلف الحجج العقلية، فيما يقتصر المحدث في هذا المقام على النقل، فيتمسك بالروايات والأخبار عند بيانها والتعريف بها.

أما الفلاسفة “مشاؤون، وإشراقيون” فيتطابق لديهم المقامان، فهم يعتمدون العقل ثبوتا وإثباتا، لكن مدرسة الحكمة المتعالية تستند إلى العقل والشهود والنقل في مقام الثبوت، وإن كانت تعود إلى العقل فقط في مقام الإثبات.

أما تمركز المعرفة لدى العرفاء حول القلب والذوق والشهود، فإن ذلك يختص بمقام الثبوت، واكتشاف الحقيقة، بينما في مقام الإثبات وإيصال الحقيقة والتعريف بمشاهداتهم وأحوالهم ومقاماتهم وبيانها للغير، فيوظفون العقل، ويسعون لخلع لون فلسفي منطقى على أفكارهم، منذ عصر محيي الدين بن عربي ومن جاء من بعده.

هذا العدد من مجلة قضايا إسلامية معاصرة

33

تظافرت جهود مجموعة من المهتمين على إعداد وتحرير نصوص هذا العدد الخاص بسورن كيرككورد، فقد نهض قحطان جاسم بترجمة مقالة له عن الدانماركية، وهي المرة الأولى فيما نعلم الذي تجري فيه ترجمة نص لكيرككورد من لغته الأم، بينما ظلت كافة الترجمات قبل ذلك تمر عبر لغة ثالثة وسيطة. مضافا إلى دراسة هامة كتبها د. قحطان للعدد، استنادا إلى كتابات كيرككورد الأصلية. وترجم أسامة الشحماني عن الألمانية حوارا هاما مع أحد الفلاسفة المختصين، بموازاة دراسة قيمة كتبها مختص آخر. وتعهدت زهراء طاهر بتعريب حوار مع مجموعة موضوعات عن الإنجليزية، وهكذا ترجم حسن الهاشمي دراسات متعددة عن الفارسية، إذ اهتم الباحثون الإيرانيون بدراسة التجربة الدينية، والسيرة الروحية والعاطفية والعقلية لكيرككورد، وأنجزوا أبحاثا ورسائل جامعية عدة في ذلك، وتميزت بعض هذه المساهمات بمقارنات مع ابن عربي ومولانا جلال الدين الرومي وغيرهم من المتصوفة والعرفاء.

وكنا نود أن تضيق مساحة المادة المترجمة، وتتسع المواد المكتوبة باللغة العربية مباشرة، لولا أننا لم نعثر على باحث مختص يتعاون مع المجلة في الكتابة، رغم  جهود تواصلت أكثر من سنة في التقصي عن مختصين بكيرككورد، من كتاب العربية، فلم يتعاون مع المجلة سوى د. حسن يوسف، الذي كتب دراسة موسعة عنه.

نتمنى على الباحثين في الجامعات العربية ومراكز الدراسات والبحوث الاهتمام بترجمة آثار كيرككورد من لغته الأم، ودراسة تجربته الدينية، ومنجزه الفلسفي، والميتافيزيقي، الشديد الراهنية.

الهوامش

1- إمام، د. إمام عبدالفتاح .سرن كيركجور رائد الوجودية: حياته وآثاره. . بيروت: دار التنوير،ط2، 1983،ج1: ص 19.

2- إمام، د. إمام عبد الفتاح. المصدر السابق. ص 238.

3- محمد، د. علي عبد المعطي. سورين كيركجارد: مؤسس الوجودية المسيحية. ص 239 -240.

4- المصدر السابق. ص 250.

5- المصدر السابق. ص 250.

6- يوسف، د. حسن. فلسفة الدين عند كيركجارد. القاهرة: مكتبة دار الكلمة، 2001، ص 120.

7- محمد، د. علي عبد المعطي.مصدر سابق. ص 258.

8- محمد، د. علي عبد المعطي. مصدر سابق. ص 258.

9- المصدر السابق.ص 259.

10- المصدر نفسه. ص 259.

11- المصدر السابق. ص 160، 264، 271، 281 – 282.

12- ابن عربي،محيي الدين،الفتوحات المكية،تحقيق: د. عثمان يحيى،القاهرة،المجلس الأعلى للثقافة،ج9،ص72.

13- المصدر نفسه. ج12،ص479.

14- المصدر نفسه. ج6:ص625.

15- المصدر نفسه ،ج1:ص31، 271، 278، 324،ج2: ص114، 116، 128، 523، 644، 645، 660، 671،ج3: ص164، 291،ج4: ص168.

16- المصدر نفسه،ج1: ص139.

17- المصدر نفسه،ج1: ص140.

18- صدر المتألهين الشيرازي. تفسير القرآن الكريم. تصحيح: محد واجوي. قم: بيدار،ط1،د.ت.ج7:ص10.

19- الآملي، حيدر بن علي. جامع الأسرار. تحقيق: هنري كوربان و عثمان يحيى. ترجمه للفارسية: جواد طباطبائي. طهران: المركز الفرنسي للدراسات الإيرانية، شركة المنشور ت العلمية والثقافية، 2002م،ص535.

Share Button