الربيع الأمازيغي في المغرب نموذج في شمال أفريقيا

Tamazighet

لا يعرف العديد من سكان الدول الشرق أوسطية أن هناك مجموعة من الشعوب التي تقطن المنطقة الممتدة من سيوة في مصر شرقاً إلى المحيط الأطلسي غرباً ومن البحر الأبيض المتوسط شمالاً إلى الصحراء الكبرى جنوباً، هي قبائل يطلق عليهم اسم أمازيغ.

ويشكل أمازيغ المغرب أكثر من نصف السكان ويتوزعون على مناطق واسعة من التراب المغربي، ولكن القضية الأمازيغية لم تطرح بشكل قوي إلا في بدايات القرن الماضي. وهذا يرجع إلى أسباب عدة، فبعد خروج المستعمر من المغرب نهجت الدولة سياسة التعريب ونص القانون الأساسي على أن المغرب دولة عربية حيث تم إقصاء الهوية الأمازيغية بشكل شبه كلي، وكانت الدولة الوطنية مزيجاً من التقاليد المغربية والمؤسسات والقوانين الفرنسية، وكان شعار الدولة ثنائية «العروبة والإسلام»، وهي التي ستصبح هوية المغرب آنذاك، ما خلق استياء في صفوف الأمازيغ، الذين كانت حركتهم وقتها ضعيفة إلى منعدمة.

مع بداية الثمانينات وبعد أحداث الربيع الأمازيغي 20/04/1980 في الجزائر، تأسست الجامعة الصيفية بمدينة أغادير المغربية والتي منع أول لقاء لها في صيف 1981، ولكن شكل هذا التأسيس أول بادرة للتنسيق بين الفاعلين الأمازيغيين. ويمكن اعتبار هذه المرحلة بمثابة المرحلة الانتقالية من العمل السري إلى العمل العلني للحركات الأمازيغية، ولكن عرفت هذه التحركات أيضاً اعتقال المرحوم علي صدقي أزايكو عقب نشره مقالاً حول تاريخ المغرب وحكم عليه بالسجن لمدة سنة.

ولم يبدأ الحوار الفعلي مع الأمازيغ إلا بعد اعتلاء الملك محمد السادس العرش، حيث ألقى خطاباً في 2001 يتضمن العديد من الإشارات المهمة أبرزها الاعتراف بأن للأمازيغية جذوراً عميقة في تاريخ المغرب تجعل منها عنصراً جوهرياً في تحديد هوية البلاد، وأن وحدة المغرب مبنية على تعدد الأصول والأعراق واللغات والثقافات، وأن لا ديموقراطية من دون أساس وعمق ثقافيين.

وتلا هذا الخطاب العديد من التطورات، من أبرزها تأسيس المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، كما تم إدماج الأمازيغية في المنظومة التعليمية، كما خصصت نشرة إخبارية بالأمازيغية وألغي مصطلح اللهجات وحل محلها مصطلح اللغة الأمازيغية. وبدأ الحديث عن إمكان دسترة الأمازيغية. وكان هناك توجه نحو إنشاء قناة أمازيغية وطنية، كما تم السماح لعدد من الجرائد الأمازيغية بالظهور.

وعملت القنوات التلفزية والإذاعية المغربية على تقديم برامج وثائقية وأفلام تستهدف التعريف والنهوض بالثقافة الأمازيغية، كما عرف الموسم الدراسي لسنة 2003-2004 انطلاق عملية تدريس اللغة الأمازيغية في بعض الأقسام الابتدائية، وتم تعميم وتوحيد الحرف الأمازيغي باعتماد حروف «تيفيناغ» كحرف موحد لكل اللغات الأمازيغية بالمغرب. وعلى الرغم من أهمية هذه الخطوة، إلا أن البعض اعتبرها متسرعة وتحكم فيها الهاجس السياسي أكثر من العامل التربوي، وبخاصة في غياب ترتيبات كفيلة بإنجاح هذه المبادرة، من قبيل الكتاب المدرسي وأطر تعليمية مدربة ومكونة لإنجاز هذه المهمة على أحسن وجه وعدم تعميم التدريس في جميع أنحاء البلاد. وقد رافق هذه المبادرات بروز مواقف متباينة داخل الأوساط الأمازيغية بين من ثمن هذه الخطوات واعتبرها منطلقاً لتأهيل شامل للأمازيغية وبين من رفض المقاربة الرسمية باعتبارها لم تكن تتويجاً لحوار وطني واسع، وأكد على أن الاهتمام الحقيقي بالمسألة يبدأ بإدراجها في الدستور من خلال الإشارة لمسألة تعدد الهوية واعتبار الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية. وعلى المستوى السياسي تأسس الحزب الديموقراطي الأمازيغي بزعامة أحمد الدرغني، ولكن لم يسمح له بالعمل على ارض الواقع، بل تم حله في مرحلة لاحقة بدعوى قضائية بسبب تعارضه مع قانون الأحزاب الجديد الذي يحظر تأسيس الأحزاب على أساس عرقي أو ديني أو لغوي.

وفي 2010 تقرر دخول الأمازيغية في الإعلام الرسمي وإنشاء قناة الأمازيغية التلفزيونية، وتبعها قرار جواز الاستِعانة بمترجمين للأمازيغية في المحاكم. وأصبح يتم التعامل مع القضية الأمازيغية باعتبارها قضية سياسية وفكرية وليست فقط لغوية أو عرقية.

وعرف مسار تطور الحوار العربي الأمازيغي نقلة نوعية مع دسترته إلى الجانب اللغة العربية، ففي دستور 2011 نص الفصل الخامس على أنه «تظل العربية اللغة الرسمية للدولة. وتعمل الدولة على حمايتها وتطويرها، وتنمية استعمالها. تعد الأمازيغية أيضاً لغة رسمية للدولة، باعتبارها رصيداً مشتركاً لجميع المغاربة من دون استثناء».

ولكن موقف الملكية من دسترة اللغة الأمازيغية في التعديلات الدستورية الأخيرة لا يمكن فهمه واستيعابه خارج سياقات المرحلة وظروفها التي جرى فيها التعديل الدستوري، ومن هذه السياقات اندلاع الثورات الشعبية آنذاك في كل من تونس وليبيا ومصر، وبروز حركة «عشرين فبراير» على ساحة الأحداث السياسية والاجتماعية والإعلامية بالمغرب، حيث أصبحت الأمازيغية من أبرز مطالب الحركة، وبالتالي فموقف الملكية من دسترة الأمازيغية لا يمكن فصله وعزله عن هذه السياقات.

تقدم المغرب خطوة بالمقارنة مع الدول التي تعرف تواجداً أمازيغياً، فهو تمكن من احتوائها، ولم تتطور الحركة الأمازيغية إلى المطالبة بالفيديرالية كما هو الشأن بالجزائر وليبيا، كما أن الاعتراف بها أكثر قوة من تونس ومصر. ومع ذلك يمكن القول إن ما اكتسبته الحركة الأمازيغية بالمغرب لم يكن سهلاً، فلقد واجه الأمازيغ من جهة التعصب العربي، والذي كان يريد إقصاء كل ما له علاقة بالأمازيغية وإحلال العربية محلها، كما تم العبث بالتاريخ الذي أصبح مليئاً بالمغالطات التي مسحت فترات تاريخية مهمة من تاريخ الأمازيغ قبل وبعد وصول العرب إلى شمال إفريقيا. كما واجهت الحركة الأمازيغية حركات الإسلام السياسي التي تعتبر كل نقاش خارج المرجعية الدينية الإسلامية العربية زندقة وكفراً.

عن جريدة الحياة

Share Button

الكاتب: