سؤال التسامح والحرية في عصر النهضة بين السلفيين والعلمانيين

tolérance2

عندما احتك العرب بالغرب وحداثته وفكره الليبرالي عمد جيل من الإصلاحيين والمثقفين والمفكرين الرواد بمختلف تياراتهم (السلفيين والعلمانيين والليبراليين (… على مساءلة هذا الفكر واتخاذ مواقف منه، تتراوح بين الرفض أو القبول أو التوفيق، فعمل بعضهم مثلا على المطابقة بين “مفهوم الديمقراطية” و”مفهوم الشورى” وبين “أهل الحل والعقد” وممثلي الأمة في البرلمان، وبين “العدل” القرآني و”المساواة” في مفهومها الحديث. ومنهم من السلفيين الإصلاحيين من سعى إلى إبراز أسبقية الإسلام في مجال الحقوق والحريات الخ، ودون مناقشة مدى صحة هذه الأطروحة ومدى استيعابهم لهذا المفهوم أو ذاك من المفاهيم الحداثية والليبرالية، فإن ما يهمنا هنا هو موقفهم من التسامح كمفهوم حديث له سياقه التاريخي الأوروبي بعد الحروب الدينية والنقاش حول ضرورة احترام حرية المعتقد. كيف قرؤوا المفهوم؟ وكيف أولوه؟ كيف تعاملوا مع الجانب المقلق بالنسبة لهم بخصوص ما يمكن أن يترتب عن القول بالتسامح من إطلاق لحرية المعتقد، التي تعني حرية الفرد في تغيير دينه، والانسلاخ من الإسلام مما يعرف فقهيا بالردة التي يقترن حكمها عند أغلبهم بالقتل؟ وما هي الكلمة التي اقترحوها لترجمة “توليرانس” (Tolérance)، والمفهوم الذي وضعوه كمقابل لها؟ علما أن كلمة “التسامح” هي كلمة مولدة لا نجدها في قواميس اللغة العربية الكلاسيكية، ففي لسان العرب مثلا نجد “سمح، السماح، السماحة، المسامحة، والتسميح وتعني لغة: الجود ويقال سمح (بالفتح) وأسمح إذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء واسمح وتسامح وافقني على المطلوب والمسامحة المساهلة، ويقال سمح (بتشديد الميم) البعير بعد صعوبته … إلخ.

فالجدر اللغوي للفظة التسامح (المستحدثة) لا يحيل على المعاني الحديثة للتسامح ما دامت تعني الكرم والسخاء والجود والمساهلة … إلخ، وقاصرة عن استيعابها لأنها تلغي مبدأ المساواة الذي يعتبر شرطا في الدلالة الحديثة للتسامح (في الكرم والسخاء والجود والمساهلة نجد علاقة اللامساواة بين المتكرم والمتكرم عليه).
ما يمكن استنتاجه من هذا التحليل اللغوي القاموسي هو أن كلمة “التسامح” العربية التي تعبر عن مفهوم التسامح = توليرانس الأوربي لا تعبر عنه بدقة، فهل يعني هذا أن المفهوم كان غائبا في الثقافة العربية الكلاسيكية ما دامت اللغة تعكس ثقافة المجتمع وفكره؟ وهل يعني هذا بعبارة أخرى أن مسألة التسامح في أبعادها الحديثة تندرج ضمن أنواع اللامفكر فيه l’impensable العديدة في الفكر العربي الإسلامي الذي يدور في فلك الفضاء الذهني الوسطوي على حد تعبير محمد أركون؟
لندع الإجابة عن هذا التساؤل إلى حين استعراضنا لمواقف مفكري النهضة ورواد الإصلاح من التسامح. فجمال الدين الأفغاني (1838_ 1897) مثلا لم ير في التسامح إلا جانبه السلبي باعتباره دعوة لإطلاق الحرية الدينية والفردية في معناها الليبرالي، فشعار التسامح والحرية الذي رفعه الغرب الأوربي حسب الأفغاني “يخفي قصدا معينا هو النيل من وحدة الأمة”، ولذا وكرد فعل اتجاه الضغط الاستعماري الأوربي على البلدان الإسلامية الذي عايش الأفغاني أخطاره وناضل من أجل التصدي له، لن يرى في شعار التسامح المقترن بالحرية إلا غطاءا لإخفاء الأطماع الغربية للسيطرة والاستعمار، وذلك بهدم الوحدة الدينية التي تعتبر عنده أساسا للوحدة السياسية وعنصرا فاعلا في مقاومة التهديد الأجنبي، ولهذا فقد رفع الأفغاني من موقف دفاعي شعار العصبية أو التضامن الديني وبالتالي هاجم اللذين يروجون للتسامح.
أما تلميذه محمد عبده (1849-1905) فقد التزم بنفس الموقف الدفاعي لأستاذه، ولكنه سلك فيه مسلكا مخالفا وخص موضوع التسامح بكتابه “الإسلام والنصرانية بين العلم والمدنية” دافع فيه بأسلوب سجالي عن أهمية ومكانة التسامح في الإسلام، رد فيه على بعض المستشرقين أمثال إرنست رينان وهانوتو، مؤكدا في ردوده عليهم، تسامح المسلمين مع غيرهم من أهل الديانات الأخرى، وأعطى أمثلة على ذلك بالمكانة والمناصب التي احتلها غير المسلمين في المجتمعات الإسلامية سواء في المجال السياسي أو العلمي، كما استدل بالتعايش الذي كان بين المسلمين وغيرهم من اليهود والمسيحيين بالأندلس ومعاملة المسلمين للمسيحيين الخاضعين لهم في إطار من التسامح والقبول بممارستهم لشعائرهم الدينية أكثر مما كان عليه الوضع في معاملة النصارى للمسلمين حين أصبحوا مسيطرين. كما ناقش موضوع التسامح في مناظرته مع المفكر والصحفي اللبناني فرح أنطوان دو التوجه العلماني، أبان فيه عبده عن مواقف محافظة من مسألة الفصل بين الدين والسياسة كما حدث في أوروبا وحاول من موقف الدفاع عن الإسلام أن يبين أنه أفضل من المسيحية في مجال التسامح وقدم كمثال على ذلك كيف أن المسيحيين البروتستانت ومؤسس البروتستانتية لوثر كان “ينكر من ينظر في كتب أرسطو وفلسفته وكان يلقب هدا الفيلسوف بالخنزير الدنس الكذاب، بينما كان علماء المسلمين يلقبون هدا الفيلسوف بالمعلم الأول فتأمل الفرق”.
وهكذا نلمس عند محمد عبده أن اهتمامه بالتسامح جاء في أطار الدفاع عن الإسلام ومحاولة إثبات أنه لا يتعارض مع المدنية ويقبل بالتعايش مع أفكار ومعتقدات غير المسلمين، وكانت لديه رغبة قوية لإثبات التسامح في الإسلام كتقليد وكممارسة سواء في مجال الاعتقادات الدينية أو مجال الفلسفة والعلم، وسواء بين المسلمين أنفسهم أو بين غيرهم من أصحاب الأديان الأخرى ممن عرفوا بأهل الذمة ، وكان محمد عبده وهو يفكر في الموضوع يستعمل أحيانا كلمة “التسامح” وأحيانا كلمة “التساهل” دون أن يهتم كثيرا بالإشكال اللغوي بقدر اهتمامه بالوقائع التاريخية الفعلية من أجل إسناد أطروحته التي تتضمن القول بوجود أسبقية زمنية ومفهومية للمسلمين في ممارسة التسامح، وحرية الاعتقاد، ويندرج هذا القول ضمن رؤيته للحداثة ولبعض مفاهيم الليبرالية التي لا تتناقض أو تتعارض عنده مع الإسلام، وهذه الرؤية يشترك فيها أغلب السلفيين والإصلاحيين التنويريين من جيل محمد عبده الذين رغم حرصهم على الهوية الإسلامية وضرورة الدفاع عنها، فهم لم يندفعوا في اتجاه القطيعة مع الغرب وحداثته وإنما نلمس لديهم رغبة “في مد الجسور بين المرجعيتين التراثية العربية الإسلامية والليبرالية والحداثة الأوربية”.
وهذا يصح أيضا على ما قام به قبله رفاعة الطهطاوي (1801-1873) أحد رواد التنوير في عصر النهضة بمصر والأزهري الذي كان ضمن بعثة محمد علي باشا إلى فرنسا وباريس وكتب عنها رحلته المعروفة “تلخيص الإبريز في أخبار باريس” فهذا الأزهري المتنور وجد أصول التسامح في مفهوم الاجتهاد الإسلامي كحرية للتفكير في المجال الديني وعمل على تجسيد فكرة التسامح بانفتاحه -هو الأزهري والفقيه التقليدي- على الفكر الأوربي وعلى اللغات الأجنبية فأسس ما عرف بدار الألسن وكان في سلوكه يمارس التسامح والاعتراف بالأخر وثقافته ويدعو للأخد عنه والاقتباس منه من منطق أنه لا تعارض بين الفكر الإسلامي والفكر الليبرالي، حيث يقول مثلا “أن ما نسميه بالعدل والإحسان يعبرون عنه بالحرية، والتسوية (يقصد المساواة)، وما يسمى عندنا بأصول الفقه يشبه ما يسمى عندهم بالحقوق الطبيعية”.
أما الاتجاه العلماني أو الليبرالي داخل الفكر العربي في عصر النهضة، كما عبر عنه فرح أنطوان (1874 -1922) صاحب مجلة الجامعة، والذي كان له على صفحاتها مع محمد عبده سجال إثر إصدار فرح أنطوان لدراسته عن فلسفة ابن رشد وحياته، فكان يميل بوضوح وصراحة إلى القول بفصل الدين عن الدنيا، لأن العصر عنده كما قال: “هو زمان العلم والفلسفة الذي يقضي بأن يحترم كل فريق رأي غيره ومعتقده”، وكان فرح أنطوان مقتنعا أن الأديان عموما لا تقبل بالتسامح، لأنها كما قال “تعتقد أن الحقيقة في يدها وأن قواعدها وتعاليمها هي الحق الأبدي الذي لا يدخله أقل شك، وما عداه ضلال وكفر”وكان يرى أن من” حق الإنسان أن يرى أنه إذا كان من حق الإنسان أن يؤمن بدين ما فإن من حقه أيضا عدم الإيمان بأي دين أخر “وهنا يظهر لدى هذا التيار العلماني الذي كان أكثر انتشارا لدى المسيحيين العرب كيف أن التسامح كاحترام رأي الغير ومعتقده لن يتحقق إلا بوضع الدين جانبا وفصله عن شؤون الدنيا والسياسة، أي بتحقيق تجربة العلمنة كما عرفتها أوربا لأن هذا هو السبيل الوحيد للخروج من التأخر واللحاق بأوربا، أو ما أسماه بالتمدن الأوربي، وقد عمل هؤلاء من هذا المنطلق كما هو الشأن مع فرح أنطوان على الدعوة إلى إلغاء التعارض بين الأديان والقول بوحدتها. يقول فرح أنطوان: “إذا تفحصنا مجموعة الشرائع ووجدنا أن غايتها الوحيدة إنما هي حث الناس على الفضيلة”، وبعبارة أخرى فإن جميع الأديان -عند فرح أنطوان- إنما هي دين واحد والدافع إلى القول بالعلمنة ووحدة الأديان عند فرح أنطوان هو الوضعية الاجتماعية والسياسية في لبنان التي تتميز بتعددية الأديان والطوائف ولم يكن من مخرج إلا بناء دولة وطنية علمانية حديثة، لا دينية في لبنان يتعايش فيها الجميع مسلمين ومسيحيين وحتى اللادينيين على السواء، وهذه الدعوة ستبرز مجددا بعد تجربة الحرب الأهلية المريرة ليس فقط عند دعاة العلمانية ولكن أيضا لدى دعاة الإسلام السياسي في أوساط الشيعة كمحمد مهدي شمس الدين الذي قال: “نحن نريد دولة لا دين لها” فالحل عنده هو دولة غير دينية، أما محمد حسين فضل الله فقد أكد هو الآخر في نفس السياق أنه: “ليست هنالك نصوص تمنع العلمانية من أن تطبق في المجتمع”. هذا دون أن يعني أن هؤلاء يتبنون نفس الموقف الذي يتبناه العلمانيين من الدين.
وعموما فالمثقفون العرب من ذوي التيار السلفي في عصر النهضة من جيل محمد عبده والكواكبي والطاهر حداد… الخ ممن اجتهدوا وتأثروا قليلا أو كثيرا بالمنظومة الليبرالية، أو على الأقل ببعض مفاهيمها يتميزون بخاصيتين:
أولهما: هي كونهم لا يهتمون بالأصول الفلسفية لهذه المفاهيم، فهم مثلا لم يبحثوا عن الأصل الفلسفي للتسامح أو الحرية أو الديمقراطية، بل اكتفوا بالقول بأن الإسلام لا يتعارض معها وهو في روحه دعوة للحرية والتسامح، مع تجنبهم الربط بين التسامح وحرية الاعتقاد بالنسبة للمسلم ومدى حريته في تغيير دينه مما يعني أن التسامح عندهم محدود بحدود الدين وأن الحرية حين تتعلق بالانسلاخ عن الإسلام تصبح مرفوضة.
ثانيهما: “هي سعيهم الدائب إلى التأصيل، أي تأصيل تلك المفاهيم داخل المرجعية التراثية والثقافية الإسلامية مما يدفعهم إلى التنقيب في النص الديني -إما القرءان أو الحديث- و سيرة النبي وممارسات المسلمين الأوائل –السلف- عما يفيد معنى التسامح وغيره من المفاهيم الحداثية الأخرى في سعي منهم لإثبات عدم قصور الإسلام وأن الحرية والتسامح والعقلانية وغيرهما ليست مقصورة على أوربا وثقافتها ولا مشروطة بسياقها التاريخي وهذا ما يسمح بإطلاق القول بالأسبقية الزمنية.
أما بالنسبة للتيار العلماني كما عبر عنه اللبناني فرح أنطوان فهو تيار أكثر جرأة في تناوله لمسألة التسامح والحرية الدينية، بحيث أن الإنسان له الحرية في أن يعتقد ما يشاء وهو حر في أن يؤمن بدين ما كما أن من حقه أيضا عدم الإيمان بأي دين، كما أنهم يرون إن من شرط تحقق التسامح والحرية الدينية الفصل بين الدين والدولة لأن السلطة الدينية كما قال فرح أنطوان لا تقدر على التسامح، وهنا يظهر تأثير كل من فلسفة الأنوار وكتابات لوك وروسو وفولتير ونتائج الإصلاح الديني الأوربي الذي قوض هيمنة الكنيسة الواحدة، وفتح الباب أما التعددية الدينية، وما قامت به الثورات من ضرب لمبدأ الحق الإلهي، خاصة الثورة الفرنسية في فكر التيار العلماني العربي ومقاربته لمسألة التسامح وحرية المعتقد وعلاقة الدين بالدولة.
يبقى السؤال أخيرا هو: هل تفيد هذه الأفكار والمرجعيات النهضوية الإصلاحية التي بلورها هؤلاء المفكرين النهضويين من سلفيين وعلمانيين ممن ذكرناه وممن لم نذكره، في التأسيس والتأصيل لمفهوم التسامح داخل الفكر العربي أو الإسلامي في علاقته بمفاهيم الحرية وتحديدا حرية العقيدة والتعددية الدينية والتعايش بين مختلف المذهبيان والأيديولوجيات والجماعات الدينية والسياسية في الفضاء الإسلامي، وفي إطار مجتمع مدني ديمقراطي يقبل بالاختلاف ويحترم التنوع علما أن هناك راهنا مظاهر وتجليات لإشكال من العنف والتعصب واللاتسامح في المجتمعات العربية؟ أم أن هذه الأفكار والمرجعيات لن تكون قادرة على أن تشكل نواة لمشروع يروم تحقيق ذلك وبالتالي لا داعي للحفر من طرف الباحثين في هذا التراث وبث الحياة فيه والعمل على نسيانه وتجاوزه؟
لكن ماذا عن بعض المثقفين المعاصرين وكيف فكروا بدورهم في أسئلة التسامح وإشكالاته وهل فكروا فيها من موقع الاستمرارية مع أسلافهم من مثقفي النهضة أو من موقع النقد والقطيعة مع تصوراتهم؟ هذا ما سنحاول التطرق له في الجزء الأخير من هذه الدراسة.

Share Button