المخاض العربي وسيرورة الحرية: من الحريات السياسية إلى حرية المعتقد

chariaa

 

بالرغم من كل الالتباسات التي شابت الحراك العربي ومن كل تلكؤاته وتثاقلاته وثنائياته على كافة المستويات بين آليتي التقليد والتحديث، بين الهوية المغلقة والنزوع إلى الحرية والتحرر، بين الفوضى (أو القتنة) والثورة، بين النزوع التحريري للفرد والنزعات الشمولية تحت مسميات مختلفة (إيديولوجية أو دينية) وبالرغم من محدودية النتائج ومن الطابع الاختباري للحراك من حيث هو سيرورة مركبة تفتقد وحدة الرؤية والقيادة فإننا يمكن أن نجازف بافتراض أن الأمر يتعلق بحركية تاريخية تسير في خط حلزوني متعرج يتراوح بين الانتحاء والمراوحة في المكان، آلية تعكس مخاضا اجتماعيا عميقا وقويا قد تبرز بعض معالمه على مستوى السطح السياسي والإيديولوجي لكنها تخفت على مستوى البنية الاجتماعية والثقافية العميقة.

ربما كان السطح السياسي هو أكثر مستويات الحراك العربي تأثرا بالتغيير وعكسا له: سقوط مدوّي لرؤساء – تعديلات دستورية متلاحقة – تحالفات سياسية وحزبية متحركة – تمردات – عنف سياسي لكن خلف هذه الدينامية السياسية تعتمل دينامية أعمق تتمثل في الصراع بين ديناميتين أو آليتين (وذلك بغض النظر عن مسألة الفواعل والعلل) وهما آليتا التقليد والتحديث أو آلية التفاعل بل الصراع العميق بين التقليد والتحديث.

يمكن أن نقرأ هذا الصراع من عدة منظورات أو زوايا، ومن

بينها اعتباره صراعا بين آليتي الهوية والحرية انطلاقا من افتراض أن الحرية معلم أساسي من معالم الحداثة والتحديث.

يمكن أن نفترض، وفقا لمنظور هيجلي، أن تاريخ المجتمعات البشرية هو سيرورة مركبة وطويلة المدى في اتجاه اكتساب وتحقيق مزيد من الحرية، وأن تاريخ المجتمعات العربية وخاصة في العصر الحديث هو مثابرة دؤوبة على تحقيق أقساط أو أبعاد أكثر من الحرية.

وقد يسعفنا تطور الفلسفة والعلوم الإنسانية والاجتماعية الحديثة في تفصيل هذه المقولة الفلسفية الكبرى، مقولة الحرية، إلى مكوناتها الجزئية.

- حرية اقتصادية (حرية المبادرة الاقتصادية-حرية السوق…).

- حرية أو حريات سياسية (حرية التجمع وتشكيل أحزاب ونقابات-حرية الانتخاب…).

- الحرية الفردية وحريات الفئات الاجتماعية (حرية-المرأة-الطفل…).

- الحرية العامة (حرية الصحافة-حرية الشبكة-حرية الضمير والفكر والاعتقاد أو ما يسمى حرية العقيدة أو حرية المعتقد…).

ويبدو أن الحراك العربي كمخاض اجتماعي متعدد الأعماق يتراوح بين إقرار الحريات السياسية وإقرار الحرية الفكرية أو حرية المعتقد أو هو رحلة متعبةبين الحريات السياسية وحرية المعتقد.

وقد طرحت هذا الصنف الأخير الحرية بحدة أكثر في السنوات الأخيرة سواء على مستوى المؤسسات الدولية وضمن منظومة حقوق الإنسان الكونية أو على مستوى المحلي حيث لوحظ أن هناك قدرا من التردد والتباطؤ في المصادقة على نصوصها الدولية أو في التنصيص عليها دستوريا (مصر-تونس-المغرب…) مما يشى بوجود نوع من عدم التوازي بين البنية الثقافية والبنية السياسية.

حرية المعتقد هي أعمق مستويات الحرية لأنها ترتبط بتحرير الفرد من السلطة الفكرية للجماعة أو للتراث الجماعي، وقد نصت عليها المادة 18 من “العهد الدولي للحقوق المدنية” المصادق عليه من طرف الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1966.

هذا الصنف من الحرية متعدد الأبعاد والأوجه إذ يتضمن: – حرية الفكر أو التفكير – حرية الوحدان أو الضمير أو الوعي – حرية الاعتقاد الديني أي حرية الفرد في اختيار الدين الذي يرتضيه لنفسه بعد البلوغ، واعتبار ذلك حقا أساسيا من حقوق الإنسان – حرية الطقوس التعبدية وحرية التعليم الديني.

يبدو أن هذا الصنف من الحرية هو في تعارض واضح مع أحد المبادئ الأساسية وهو مبدأ تجريم الردة. فالفكر الإسلامي الكلاسيكي يقرر أن عقوبة المرتد عن الإسلام هي القتل بعد الاستتابة. إلا أن بعض الفقهاء ميزوا بين الردة السياسية والردة الدينية، كما أن بعضهم أكد أن عقوبة (أو كفارة) الردة هي عقوبة أخروية وليست دنيوية وأنه لا وجود لحد الردة في الإسلام، بينما اتجه فقهاء آخرون إلى القول بعكس ذلك. وقد ظلت مسألة الردة وعقوبتها محط نقاش وتباين حاد في الرؤى.

وعلى الرغم من اتجاه بعض الدول العربية والإسلامية إلى المصادقة على النص الأممي حول حرية المعتقد أو إلى التنصيص عليه دستوريا (وهو ما تم دستوريا من خلال بنود تلتف على العمق الفكري لحرية المعتقد والمتمثل في الحق في تغيير الدين) فإن هناك عراكا ثقافيا قويا داخل الثقافة الإسلامية وتباينا في التحليل والتأويل بين التشدد والمرونة.

هناك تيار إصلاحي واعتدالي في الفكر الإسلامي المعاصر اتجه نحو إعادة النظر في التصور التقليدي لمسألة الردة ولمسألة الإكراه والعقوبات أو الكفارة في الردة، من بين أهم فقهائه: جمال الدين الأفغاني – محمد عبده – رشيد رضا – جمال البنا – طه جابر العلواني – محمد الطالبي. كما أن مؤسسة الأزهر قد نحت في بيان اصدرته سنة 2012 نحو توسيع دائرة الحرية في الإسلام واجتهدت في التأسيس لحرية الاعتقاد في الإسلام.

فقد أصدر الأزهر سنة 2012 بيانا تحت عنوان “بيان الأزهر والمثقفين حول منظومة الحريات الأساسية” يعلن فيه أن مجموعة العلماء الأزهريين والمثقفين المصريين قد تدارسوا القواسم المشتركة في منظومة الحريات والحقوق الأساسية، وانتهوا إلى إقرار جملة من المبادئ والضوابط الحاكمة لهذه الحريات. وأولها أن حرية الاعتقاد أو العقيدة هي حجر الزاوية في بناء المجتمع الحديث وأنها مكفولة بثوابت النصوص الدينية القطعية وبصريح الأصول الدستورية والقانونية مما يعني تحريم أي مظهر للإكراه في الدين، وكذا الاضطهاد أو التمييز بسببه. ويترتب على حرية الاعتقاد (التي يعتبرها الأزهر حقا) التسليم بمشروعية التعدد، ورعاية حق الاختلاف، ووجوب مراعاة معتقدات ومشاعر الآخرين، ورفض نزعات الإقصاء والتكفير، ورفض التوجهات التي تدين عقائد الآخرين ومحاولات التفتيش في ضمائر المؤمنين بهذه العقائد.

ويردف الأزهر حرية الاعتقاد بحرية الرأي والتعبير، وبحرية البحث العلمي وكذا بحرية الإبداع الفني والأدبي، مع التأكيد النصي على أن “لكل فرد في المجتمع أن يعتنق من الأفكار ما يشاء”.

وثيقة الحرية هاته وثيقة متقدمة في تصورها وأحكامها، وإن تلافت مناقشة الأحكام والآراء الفقهية حول مسألة الردة، وهي تعكس بكل تأكيد معاناة التجربة المصرية مع مظاهر واتجاهات التشدد، كما تعكس اجتهادات النخب الفكرية العربية في مصر وغيرها من البلدان العربية والتي سنقتصر هنا على إيراد اجتهادات باحثين إسلاميين هما جمال البنا وطه جابر العلواني. فقد نظر هؤلاء عموما إلى مسألة قتل المرتد على أنها مسألة تتعارض مع حرية الاعتقاد والتدين، ومع حرية الرأي والتعبير، ومع قيم حقوق الإنسان العالمية بما تتضمنه وتنص عليه من حقوق وحريات في الاختيار الفكري والعقدي، وكذا تجريمها لكل قسر وإكراه في هذا المجال.

تندرج المساهمات الفكرية لجمال البنا ضمن الخط الإصلاحي التنويري في الفكر الإسلامي المعاصر. فهو يرى أن الإسلام يدعو إلى حرية الفكر والعقيدة كما هو منصوص على ذلك بوضوح في القرآن والسنة. فالقرآن يتضمن عشرات الآيات التي تنص بصراحة ووضوح، وبشكل لا لبس فيه، على حرية الفكر والعقيدة.

القضايا التي يركز على إبرازها جمال البنا بهذا الصدد هي:

1- أن الإيمان والكفر قضية شخصية أي لا تهم إلا صاحبها. فهي ليست قضية من قضايا النظام العام. ومن ثمة فهي لا تندرج في هذا السياق ولا تخضع لأي شكل من أشكال الإكراه.

2- أن الرسل ليسوا إلا مبشرين ومبلغين للرسالة الإلهية وليست لهم سلطة الإكراه أو الإجبار.

3- إن الهداية إنما هي من الله وطبقا لمشيئته وأن الأنبياء أنفسهم لا يملكون وحدهم أمر هداية الناس.

4- أن الاختلاف والتعدد بين البشر هو مراد إلهي لا يمكن الفصل فيه إلا يوم القيامة.

5- أن الإسلام يسلم بالرسالات السابقة.

6- أنه لا يوجد حد دنيوي على الردة. بل إن قضية الردة هي صناعة فقهية وذلك لأنه لا يوجد في القرآن ما ينص على عقوبة دنيوية على الردة، كما لا يوجد في أقوال وأفعال النبي ما يتضمن مثل هذه العقوبة. فهي بعيدة عن تكفير أي مسلم أو الحكم بردته أو فرض أية عقوبة عليه. فالفقهاء هم الذين جاءوا بهذه العقوبة وذلك عندما أرادوا -في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية- أن يدونوا الفقه ويقننوا الأحكام وذلك على إثر احتدام العداوات السياسية والخلافات المذهبية التي بدأت تهدد كيان الأمة ووحدتها حيث وقف الفقهاء موقف حماة القانون والنظام والسلطة مما اضطرهم إلى أن يتخذوا مواقف صارمة بهدف القضاء على كل الخارجين عن المجتمع عن طريق تشديد العقوبات الدنيوية المتمثلة في القتل، وتحريم الدفن مع المسلمين، وعدم الصلاة على المرتد المقتول، وجعل ماله فيئا للمسلمين…

2- وجهة نظر طه جابر العلواني: قدم العلواني اجتهادا متميز بصدد حرية المعتقد ومسألة المرتد انطلاقا من القاعدة الإسلامية “لا إكراه في الدين” اعتمادا على مجموعة من الحجج والترجيحات والمعطيات:

أ‌.       أن الحرية قيمة أساسية ومركزية في الفكر الإسلامي وذلك كما هي واردة في القرآن والحديث. ومحور هذه الحرية هو نبذ الإكراه والقسر في مجال الاعتقاد الديني.

ب‌.أن الإسلام لم ينص على أي عقاب دنيوي في حق المرتد فلا كفّارة في الردة. وهذا الواقع تعكسه الخلافات والصراعات بين الفقهاء حول قتل المرتد.

ت‌.أن النبي نفسه لم يطبّق فعليا حد الردة.

ث‌.أن مسألة الردة ظلت في الكثير من الأحيان مرتبطة بالطابع السياسي، ومن ثمة ضرورة التمييز في الردة بين عدة مستويات: فالمستوى الفكري للردة يدخل في باب حرية الرأي وحرية الاختيار. المستوى الثاني هو المستوى التحريضي والتآمري أو السياسي. فهذه المسألة مركبة إذ تتداخل فيها مكونات فكرية وسياسية متداخلة ولعل الخلط بينها هو ما قاد إلى ترجيح القتل كحد للردة عند أغلبية الفقهاء.

وعلى وجه العموم يمكن إجمال التأويلات والاجتهادات الجديدة حول مسألة حرية العقيدة ومسألة الردة في الخلاصات التالية:

1- التأكيد على مسألة الحرية باعتبارها مسلمة إسلامية أساسية لا جدال فيها.

2- الإلحاح على إبراز عدم وجود حد للردة في الإسلام وكذا عدم وجود إجماع حول الأمر بين الفقهاء.

3- التسليم بالاختلاف في المعتقدات والآراء واعتبار ذلك حقا أساسيا.

4- التأكيد على وجود عقاب إلهي محل العقاب الدنيوي لأن الأخير لا يحل المشكلة ولا يمكن أن ينسخ العقاب الإلهي.

5- إبراز المعنى والبعد السياسي للردة وتغليب هذا البعد على البعد الفكري والعقدي أي الخلط بين السياسي والعقدي(*).

لكن هذه الآراء ليست محط إجماع في التراث الفقهي الإسلامي القديم والمعاصر، بل هي آراء أقلية محدودة من المجتهدين بينما تظل البنية الثقافية الفقهية عامة وفية لطابعها الكلاسيكي المتوارث.

ينتج عن هذا الوضع قدر من التعارض بين البنية الثقافية والبنية السياسية. فهذه الأخيرة تبدي استجابات إيجابية تجاه المنظومة الحقوقية الدولية التي تفرض نفسها اليوم عبر المنظمات الدولية من خلال المصادقة على النصوص القانونية الدولية كما حدث مؤخرا في جنيف فيما يخص حرية العقيدة والمعتقد من طرف جل البلدان العربية، لكنها في استجابتها للضغوط السياسية وللشروط الاقتصادية تصادق على مضض على هذه البنود وتغض الطرف عن العوائق والاعتمالات الداخلية للفكرة في المجتمعات العربية الإسلامية مما يشى بقدر من عدم التلاؤم بين البنية الثقافية ومقتضيات السياسة الدولية.


*  ) حسني عبد العظيم: حرية العقيدة في الإسلام، الشبكة (2011).

Share Button

الكاتب: