في الندوة الختامية للمركز العلمي العربي: تحولات الحراك العربي غير نوعية وفشل في تحقيق المجتمع المفتوح

???????????????????????????????

تباينت مواقف المشاركين في الندوة الختامية ل”المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية” التي شهدتها أمس السبت المكتبة الوطنية بالرباط، حول توصيف أسباب اندلاع موجات الحراك العربي وتداعياتها. ففي الوقت الذي ربطها السفير المغربي السابق بسوريا محمد الأخصاصي بالعوامل الخارجية والجيوسياسية الدولية، اعتبرها وزير الخارجية السابق سعد الدين العثماني نتاجا للاستبداد والقمع والأنظمة التسلطية، بينما قارب مدير المركز العلمي العربي النتائج الاقتصادية للتحولات الجارية معتبرا بأن عدم فعالية الإصلاح راجع لغياب الوعي بأهمية سيادة مبادئ المجتمع المفتوح. أما مسير الندوة محمد سبيلا فقد اعتبر ضبابية المشهد هي التوصيف الأنسب للمخاضات الضبابية التي يعيشها العالم العربي.

العثماني: الربيع العربي وسقوط جدار الخوف

DSC05361

وصف وزير الخارجية السابق، سعد الدين العثماني أن أهم إنجاز قدمه الربيع العربي هو قطع المنطقة مع الخوف، حيث صار الاحتجاج والمطالبة بالحقوق أقوى مما كان في السابق، وهذا يقول العثماني ربح لهذه الثورات حيث صار الاحتجاج يتم خارج دائرة النخب الضيقة. ونفى رئيس المجلس الوطني لحزب العدالة والتنمية ارتباط الربيع العربي بالمؤامرات الخارجية واعتبر أن الجميع تفاجئ بهذه الثورات التي تعود بالأساس إلى سيادة الاستبداد، غير أنه لم يتردد في الاعتراف بأن للقوى الكبرى مصالحها ليس فقط كدول ولكن كشبكة معقدة من المصالح. وانتقد في السياق ذاته ما اعتبره تبسيطا لمحاربة الدول الكبرى قيام زعامات في المنطقة حيث لا تسعى إلى إقبار الزعامات بل لا تريد قيام دول ديمقراطية بقدرات تفاوضية كبيرة.

وبخصوص المغرب رفض العثماني ارتباط حركة عشرين فبراير بالخارج، مؤكدا أن الدول التي نهجت توجها إصلاحيا خففت من حجم الارتجاجات التي تعرضت لها. ولم يفت العثماني الاستشهاد بعدد من مقالات الراحل المهدي المنجرة التي توقعت حدوث ارتجاجات في العالم العربي منذ تسعينيات القرن الماضي.  وأضاف العثماني  أن الثورات التي شهدتها المنطقة فاجأت الجميع بما في ذلك المراكز الكبرى في العالم، وأن القول بتبعية ثورات شعوب المنطقة لجهة أو طرف ما “غير صحيح”، معتبرا ذلك بالوهم الذي تحاول بعض الجهات تسويقه. وشدد العثماني على أن ثورات الربيع العربي بالرغم من المآسي التي تعيشها بعض الشعوب “وضعت حدا لأنظمة الاستبداد التي ظلت جاثمة على صدور الشعوب لعقود طويلة”، معتبرا أن منطق الثورة يتجاوز إرادة الإنسان “هو قوانين تاريخية اجتماعية صارمة تحتاج للأخذ بأسباب ترشيدها”. وأوضح العثماني  أن زمن الإصلاح طويل مذكرا بالثورة الفرنسية التي استغرقت 100 عام حتى استقرت وحققت أهدافها، كما دعا للتوافق والحوار على أساس الديمقراطية ومراعاة مصالح الشعوب، محذرا في الآن ذاته من “القوى التي تجر إلى الوراء ويمكن أن تعود بنا للصفر”.

الهرموزي: في الحاجة إلى المجتمع المفتوح

DSC05391

ومن جهته وقف نوح الهرموزي مدير “المركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية” عند ما سماه الحصيلة الكارثية للاقتصاديات العربية لما بعد موجات الحراك. وتوقف أستاذ الاقتصاد بجامعة ابن طفيل عند الدور المحوري الذي تضطلع به دولة الحق والقانون والمؤسسات الضامنة لحقوق الملكية وحرية المبادرة باعتبارها حجر الزاوية الأساس لبناء مجتمع قوي اقتصاديا، وعادل ومتماسك اجتماعيا.

ولم يفت الهرموزي التأكيد على أهم مقومات المجتمع المفتوح والمتمثلة في الانفتاح على التجارة وتعزيز المنافسة، واحترام الحقوق الفردية بالإضافة إلى سيادة القانون والحكومة المحدودة دستوريا وكذا ضمان الحق في الملكية والفصل بين السلطات والحكم الرشيد والشفافية والحق في المعلومات.

وحول العناصر التي يمكن الاستفادة منها انطلاقا من التجارب النهضوية الإنسانية، توقف الهرموزي عند العوامل التي هيئت لنهضة أوروبا ولخصها في ثلاثة رئيسية وهي الحقوق الفردية والحرية والحكومة المحدودة دستوريا في إطار دولة الحق والقانون. وقد ساهمت هذه العوامل، يضيف المتدخل،  في القضاء تقريبا على العبودية بالإضافة إلى تقدم المعارف والفنون وانتشار التسامح الديني وحرية العقيدة وعلى المستوى الاقتصادي حدوث طفرة لا مثيل لها.

ومن جهة أخرى قارن المتدخل بين المجتمعات المغلقة والمجتمعات التي تبنت نهجا انفتاحيا من قبيل الصين وكوريا الجنوبية وتجارب النمور الأسيوية موضحا أن الحرية الفردية وضمان حق الملكية كانا عاملين رئيسيين في الازدهار والإقلاع الاقتصاديين  حيث “لم تتطور الصين، على الأقل اقتصاديا،  إلا بعد أن رفعت الحواجز عن المبادرة الفردية وحرية الملكية في الوقت الذي لا زال ترزح فيه كوريا الشمالية وبعض البلدان التي تتبنى المقاربات الشعبوية تحت نير الفقر والتخلف كما أن فينيزويلا وبالرغم من كل خيراتها ومواردها البترولية لا تزال مهددة بالقلاقل وبحرب أهلية داخلية واقتصاد يقوم على الصدقة والمعونة” يختتم المتدخل.

الأخصاصي:  تغيرات الربيع العربي غير نوعية

DSC05340

ومن جهته رصد السفير المغربي السابق بسوريا محمد الأخصاصي ثلاث دلالات أساسية يجب التوقف عندها عند مقاربة الحراك العربي.  الدلالة الأولى سوسيو-سياسية داخلية، وطنية، تترجم الطابع الموضوعي للقراءات الشعبية، والانتفاضات الجماهيرية التي تفجرت في أكثر من قطر عربي، في سياق مناهضة الحيف الاجتماعي، والقهر السياسي، والعسف الحقوقي، معبرة بذلك عن طموحات مشروعة تواقة إلى التغيير السياسي، والانصاف الاجتماعي، واحترام الكرامة الانسانية. أما الدلالة الثانية يضيف المتدخل فذات حمولة سوسيو-ثقافية، تعكس غياب رؤية سياسية واستراتيجية مجتمعية حصيفة فيما يتعلق بشروط الوعي بطبيعة ودقة المرحلة التاريخية، وبمتطلبات الفعل الحثيث في مجال قيادة ومرافقة انتقال ديمقراطي سليم. أما الدلالات جيو-سياسية،  فتحيل إلى ما سماه الرغبة الخارجية الغربية التي تؤشر إلى التطور الحاصل في مناهج وقوالب الهيمنة الخارجية، الغربية، على مقدرات المنطقة العربية، في سياق المحافظة على حظوظ التحكم عن مصائر أقطار.

وبفعل حالة التزامن، يضيف الاخصاصي،  وواقع التقاطع ما بين المحددات الداخلية، والتعثرات السياسية الانتقالية، والملابسات الخارجية لظاهرة “الربيع العربي” فقد توفرت شروط احتواء ديناميات التحول الثوري من مسار “الربيع العربي” وذلك من خلال مواكبة مجرياته، واختراق بعض معاقله الايديولوجية والميدانية من جانب آخر.

وخلص المتدخل إلى أن هذه التفاعلات الداخلية والخارجية المؤطرة لمسار “الربيع العربي” جعلته في عموم معارجه الجغرافية، كناية عن تغيرات سياسة جارفة في بنية الأنظمة السياسية القائمة لكنها تغيرات لا  ترقى إلى مستوى التحولات النوعية المأمولة بأبعادها الاجتماعية والسياسية والفكرية والقيمية. فالثورة من واقع الحال “الربيع العربي” ما انفكت تلوح سرابا، كما طفقت تبدو مرتهنة لواقع جديد، سياسي واجتماعي،لاثوري.

يذكر أن هذه الندوة تعتبر الثانية من نوعها التي ينظمها المركز ضمن سلسلة ندوات إلى أين يسير العالم العربي والتي دشنها المركز العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية السنة الماضية. وللإشارة فالمركز مؤسسة بحثية علمية عربية تأسست بالرباط من طرف ثلة من الباحثين حيث تمكن المركز في غضون السنة الأولى من تأسيسه من تنشيط الحركية الثقافية المغربية من خلال احتضانه عددا من المحاضرات والندوات المحلية والدولية كان أبرزها سلسلة آفاق الدولة المدنية بالعالم العربي في أربع نسخ بالإضافة إلى استضافة عدد من وجوه المشهد الثقافي العربي من تونس والجزائر وسوريا وفلسطين والعراق وغيرها.

Share Button

الكاتب: