الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية جديد مجلة قضايا إسلامية معاصرة

10561644_10152980199152542_8422381378091925906_n

عن مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد- بيروت، صدر العدد 57-58 من مجلة قضايا إسلامية معاصرة 2014. كان محور العدد “الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية (2)”. تضمن العدد مساهمات فلاسفة وعلماء متخصصين من العرب والأجانب؛ من ضمنهم: شلايرماخر، جوزيبي سكاتولين، د. عبد الجبار الرفاعي، محمد مجتهد شبستري، د. فتحي المسكيني، د. عبدالله البريمي، د. نور الدين كوسة، د. علي أحمد الديري، د. آرش نراقي، د. قحطان جاسم، ومحمد حسين الرفاعي. نقدم فيما يلي ما ورد في العدد من مساهمات:

1- يكتب د. عبد الله البريمي، ضمن كلمة تحرير العدد، تحت عنوان “الهرمنيوطيقا: البحث عن المعنى في أزمة المعنى”: “لقد استمد التأويل الهرمنيوطيقي جلّ شروطه من مركزية النص المقدس، ومن تصور شائع مؤدّاه انطواء واشتمال هذا النص على مستويات متعددة من الدلالات الدينية، وهي دلالات ليست مباحة أمام الجميع، إلاّ لمن لديه من المعرفة والقدرة ما يتيح له سبر أغوارها. فالهرمنيوطيقا اقتصرت في بادئ الأمر على تأويل النصوص الدينية، لكنها مدّت نطاق اهتمامها بعد ذلك لتشمل كلّ أنواع النصوص الأخرى لغوية وغير لغوية. فهي لم تعد مجرّد تقنية مختصة ومقتصرة على مؤوّلي الوحي والخوارق؛ بل التأويل الأهمّ، هو الذي يضع نصب أعينه الإشكالية العامة للفهم”.

2- كما يرد في الحوار الذي أجراه مدير تحرير المجلة محمد حسين الرفاعي مع د. فتحي المسكيني تحت عنوان: “الهرمنيوطيقا فلسفة عوضت أسئلة “التفكر” بأسئلة “الفهم”"، في صدد الإجابة عن الهرمنيوطيقا بعامَّة، وعن الهرمنيوطيقا في بلداننا العربية بخاصّة ما يلي: “الهرمنيوطيقا هي حديث في النطق الإنساني بعامة. “النطق” الذي يحمل “منطقه” في بنيته. وهكذا ينكشف لنا هيكل الهرمنيوطيقا، بما هي تعبير عمّا تتضمّنه لغة قوم من حيث ينطقون بها: “إنّها منطقُ نطقهم بما هم بشر. ولذلك هي ليست مجرد “تأويل” لما هو “غير مفهوم”، بل هي اشتغال على النطق البشري؛ كيف يقول نفسه، وفقا لمنطق لغةِ قومٍ بعينهم… للدين عمر تأويلي لا يتعداه. لكنّ الإنسان هو الذي بإمكانه تجديد العلاقة بالسلطة، وبالتالي بالتأويل وبالحاجة إلى التأويل في كل مرة. ولو فرضنا أنّ الدول هي أجهزة تأويل ضخمة، فإنّ الدين لن ينقرض أبدا… وحتى لو حرّرنا أنفسنا من هيمنة النص القرآني مثلا، كما دعا إلى ذلك نصر حامد أبو زيد، فإنّ المهمة الأساسية للهرمنيوطيقا تبقى قائمة: كيف يمكننا اليوم أن نعيد تأويل النصوص الدينية بشكل كلّي؟ نعني كجزء من تجارب المعنى الكونية للإنسانية، وليس كقضية نقدية أو تحرّرية لجيل عاجز أصلا عن التفكير الفلسفي الكوني”.

“لم تحتج الحداثة إلى الهرمنيوطيقا إلاّ بعد الشعور الرومانسي (بعد الثورة الفرنسية مباشرة) بانحسار أفق العقل الحديث، كما عبّرت عنه فلسفة الأنا المنتصرة، في شكل حضارة الإنسان / الكوجيطو: الإنسان الفرداني (في الاقتصاد)، والمواطن (السياسي)، والشخص (الخلقي)، والحاسة (الجالية)…الخ. كان لابدّ من الانتقال من التفكّر إلى الفهم، أي من نظريات المعرفة أو الذهن أو العلم بعامة، إلى تاريخ الوعي وتجارب المعنى ولغات العالم المعيش”.

3- يكتب د. جوزيبي سكاتولين تحت عنوان: “قراءة هرمنيوطيقية للنص الصوفي”: “…فثمة مسافةٌ مستديمة تقع بين العالَم المعرفي أو الإبستمولوجي (epistemological) الخاص بنا، وذلك الخاص بالمؤلف. والتغلُّب على هذه المسافة يعني الشروع في رحلة تقودنا من عالمنا الروحي المألوف إلى عالم المؤلف الغريب عنَّا، وبالعكس من العالم الروحي الخاص بالمؤلف إلى عالمنا القريب. فهذه رحلة محفوفة بالكثير من المخاطر، إلاّ أنه لا بدَّ منها إذا أردنا بالفعل فهمَ عالم الآخر البعيد. فعلى المرء إذن، أن يحاول بقدر المستطاع، أن يدخل في العالم المعرفي الخاص بالمؤلف، وكذلك عليه أيضًا أن يجعل عالم المؤلف يدخل في عالمه الخاص، حتى يحصل له فهمٌ وإدراكٌ ما لذلك العالمِ البعيد عنه. إنَّ عملاً كهذا، أو قُلْ رحلة كهذه، هو ما نعنيه عندما نتكلم عن “الهِرْمِنيوطيقا”. فالهِرْمِنيوطيقا هي في الواقع طريقة إنجاز هذه الرحلة بين عالمَيْن معرفِيَّيْن أو أفقَيْن روحيَّيْن مختلفَيْن، سعياً إلى تحقيق تداخل بل اندماج أو، أكثر من ذلك، “انصِهار الآفاق” (fusion of horizons) بينهما، حسب التعبير الشهير للعالم الألماني هانزــــ جورج جادامير (Hans-Georg Gadamer)، المفكر المبدِع المعروف في علم الهِرْمِنيوطيقا”.

4- ويكتب د. علي مبروك تحت عنوان “عن القرآن وفعل القراءة وإنتاج الدلالة”: “فإن التعامل مع القرآن بوصفه فضاءً مفتوحا لفيوض من الدلالات المتنوعة (أو حتى المتباينة)، إنما يرتبط بتصوره كساحة رحبة يتواصل فوقها البشر في سعيهم إلى بناء عالم يتسع لهم جميعاً، من دون إزاحة أو إقصاء، بسببه ويؤكدون في رحابه التنوع والتباين الذي أراده الله لهم… ولأن ثمة من قد يربط فعل القراءة بمحض أعمال التفسير والتأويل فحسب، فإنه يلزم التأكيد على أنه يتجاوز مجرد ذلك؛ وإلى حد أن مجرد استدعاء “آية قرآنية” للقطع بها في مسألة ما- ومن دون أن يكون هذا الاستدعاء مصحوباً بأية شروح أو تفسيرات – يبقى هو أيضاً فعل قراءة. وذلك من حيث أن من يستدعي “آية” معينةً من القرآن يعرف في موقفٍ بعينه، أن هذه الآية، واستناداً إلى نوع المعرفة المستقرة بين الجمهور المتلقي، سوف تنتج الدلالة التي يقصد إلى تثبيتها بالذات”.

5- كما يكتب د. عبد الرحمن الحاج تحت عنوان “القرآن: أسئلة التكوين والتدوين”: “انطلاقاً من وجود للبنية الثقافية في الخطاب القرآني بما يمكن اعتباره ظاهرة منتشرة فإن استنتاجاً عاجلاً (ووحيداً في العادة) يبرز هنا، مفاده أنه “البنية الثقافية التي تشكلت في إطارها بأي حال من الأحوال، والمصدر الإلهي لتلك النصوص ــــــ [على افتراض صحته] ــــــ لا يلغي إطلاقاً حقيقة كونها نصوصاً لغوية، بكل ما تعنيه من ارتباط بالزمان والمكان التاريخي والاجتماعي… ستبقى الأحداث التاريخية علامة فارقة في الخطاب، فقد دونت طازجة فيه، وستلعب دوراً في تثبت زمن صدور الخطاب، وتقلل من إمكانية التشكيك في هذا الزمن، فالقرآن احتفظ بخطوط بارزة للأحداث تم تجريدها (في الغالب) من تفاصيلها غير الضرورية ودمجها بشكل وظيفي في خطابه”.

6- وأيضاً تحت عنوان “هرمنيوطيقا القرآن عند فضل الرحمن” يكتب د. فؤاد جابر الزرفي: “يرى فضل الرحمن ان موضوع القراءة الهرمنيوطيقية والمنهج لم يعالج من قبل المسلمين. نعم، لقد نجح الفقهاء بتوفير الأجوبة من خلال القرآن، من خلال تمثل التقاليد والعادات في البلاد التي فتحها الاسلام، لكن منهج (القياس) الذي اعتمد خصوصا في مواضيع  الحدود والذي استخدم  للتطبيق لم يكن متكاملا… لقد فهم الفلاسفة والصوفية القرآن كوحدة موضوعية، ولكن هذه الوحدة فرضت على القرآن (والاسلام بصورة عامة) من دون القرآن نفسه. بمعنى آخر ان هذه الوحدة لم تكن مستخرجة أصلا من روح القرآن. لذلك قام الفلاسفة والصوفية بإدخال عناصر ليست من صميم القرآن (وان لم تكن على خصام تام مع روح القرآن) لفهم القرآن وكانت هذه العناصر والآليات غريبة، كما هو الحال مع فلسفة ابن سينا أو صوفية ابن العربي. لذلك جاءت أفكار الغزالي وابن تيمية كرد على هذه الأفكار الغريبة على الروح القرآنية”.

7- كما يكتب د. عبد الله بريمي تحت عنوان “تاريخانية التأويل- هانز جورج غادامير”: ” إن التأويل، حسب غادامير، حدث في التاريخ يتمّ فيه تفاعل النص والمؤول والذات والموضوع تفاعلا متبادلا. وفي كل عملية فهم، وهي المسار الطبيعي، نحو إطلاق العنان لسيرورة التأويل، لا بدّ من استحضار قوانين النص وقوانين السياق. وفي هذه السيرورة، يكون للأحكام المسبقة دور رئيس، كونها تشكل الكون الوحيد الذي يجعلنا منفتحين على العالم والنص معا… ولتاريخية التأويل علاقة حميمية مع الزمن ومع الجوهر الزمني للإنسان.  فالزمنية معطى هرمنيوطيقي غير قابل للاختزال، والمعنى لا يقدَّم هكذا دفعة واحدة، وبصورة فورية، لأن زمنية الفهم تتدخل بشكل مباشر في إعادة بناء المعنى، انطلاقا من استحضار المسافة الزمنية بوصفها عنصرا مغذيا وبانيا للسيرورة التأويلية والتواصل المستمر مع التراث”.

8- كما يرد في “عن جوهر الدين” لـشلايرماخر الذي ترجمه الباحث أسامة الشحماني: “  اسمحوا لي أن أسألكم عما تخبركم به ميتافيزيقيتكم، أو فلسفتكم العقلية حيال الغيب، فيما إذا رفضتم التعاطي مع مصطلح الميتافيزيقا لأنه قديم أو تاريخي بالنسبة لكم؟ تقسّم الميتافيزيقا الكون وترتّبه بشكل أو بآخر، تبحث في مبادئ وأسباب الوجود، تحاول تفسيره لاستنتاج ضرورة مثول الحقيقة، وما يتمخض عنها كواقع الحياة وقوانينها. وتلك منعرجات لا ينبغي للدين أن يخوض غمارها، ولا يجب عليه أن يظهر ميلاً لتحديد وضع الكائنات بمواجهة الطبيعة، لئلا يتخبط في تعقيد شروحات؛ لأسباب وعلل تبدو لانهائية، فيما تثيره من جدل وخلافات، في التماس الأسباب النهائية، والتعبير عن الحقائق الأبدية”.

9- ويكتب د. عباس أمير في “إضبارة النص، وهرمنيوطيقا الوعي”: النص حدث أو واقعة، ((وكل حدث يكتنفه التبدّل والتحوّل وتبدو ماهيته في التباسه وتكوثره أو في تعدده وانشطاره)) ، فما يكتنف النص من تبدل وتحول هو المآل الوجودي للنص، وما عليه النص قبل التبدّل والتحوّل هو أولية النص التي تستلزم في حال امتلاك النص جدارته الأدبية نموّ النص وديمومة حدوثه وحداثته بما يعمل على تجلية سماته النصيّة من جهة، وبما يعمل على تجلية قدرة الآخر نصّا كان أم متلقيا على التلبّس به و ملابسته، فالنص، ((نسيج مركب من إشارات وتعبيرات ودلالات متداخلة تستدعي التفكيك والعزل لفحص بنيتها وجذورها المتضاربة)).

10- كما يكتب محمد حسين الرفاعي ضمن عنوان “الفكر العربي المعاصر وتساؤل الهرمنيوطيقا- ممارسة إبستيمولوجية من أجل الهرمنيوطيقا في الفكر”: ليس التساؤل ضرباً خارجيَّاً من ضروب الوجود التي تمارسها الذات؛ لأن ماهيَّة التفكير، إنّما هي حوار [بين... وبين...]؛ إنها، أوَّلاً وفوق كل شيء، حوار بين الذات، وذاتِها. ولكن هذا القول مقوَّمٌ بـ : أن التفكير، الذي ينتج تساؤلاتٍ أصليَّة، لا يمكن أن يكون من دون الحريّة: الحرية في تعرُّف الذات إلى ذاتِها. لأن في هذا التعرف ثمَّةَ تعرُّفاً إلى الموضوعات، من جهة، وإلى إتيان الموضوعات، عبر منحها الحرية، إلى مستوى الذات، من جهة أخرى… وخلافاً للفهم الشائع للدين، والمعرفة العاميَّة التي من شأنه، نتساءَل ههنا عن الدين ذاته، وليس عن التديُّن… فإذا لم يقدر الدين، في المعنى الذي من شأن ماهيَّته الأصليّة، أن يأتي إلى مستوى الواقعيِّ- الموضوع، بعامَّة، والواقعيِّ- المجتمعيِّ، بخاصَّة، فلا يمكن أن يقوم أي تساؤل بشأنه؛ بل إدعاء تساؤل… إنما المبرر الحقيقي الذي يجعل من الهرمنيوطيقا ضرورة في البلدان العربية، لهو الواقع العربي [هنا- والآن]؛ إنه الدم الهائل المسفوح، المبرر من قبل الثرثرة الآيديولوجية التي تقوم كل يوم على ما يقوله الدين، ضمن فهم معين للدين، في تعالقه بالسياسيِّ.  هذا الـ [هنا- والآن]، هو الذي يقدم للتساؤل عن الهرمنيوطيقا إمكانيَّة نهوضه… إنَّما الذات لا توجد، بشكل أصليٍّ، وعلى الأغلب في صورة تكون الأقرب إليها، إلاّ في ذاتيَّتِها، على نحو ذاتيٍّ بإمتياز وبمعنىً آنطولوجي. بحيث أن الفهم لا يكون إلاّ بالإنطلاق منها، وعلى نحوٍ يتم فيه العبور إلى الموضوع في موضوعيَّتِهِ الأولى (الواقعيِّ كما يقدم نفسه عند أول لقاء به).  لأنَّ كلَّ ما هو أنطولوجيٍّ لهو ذاتيٌّ في معنىً خطير ومقلقٍ للغاية”.

11- كما يكتب د. علي أحمد الديري ضمن “الجسد يسكن اللغة”: إنَّ تغيّر مفاهيم الإنسان للحقيقة، والوجود، والذات، والآخر، والعالم، والتجربة، واللغة، والعقل، يتمُّ عبر تغيّر مجازاته التي بها يتمثّل هذه المفاهيم… معجم الكلمة يُحيل إذًا إلى الجسد في وجوده، وتكاثره، وخلقه. ونحن حين نستخدمها في التعبير عمّا يُميّز الإنسان؛ فإنّنا نُحيل إلى جسده، في وجوده، وتكاثره، وخلقه. وهكذا نكون قد فهمنا الإنسان من خلال جسده. أو لنقل إنّنا نفهم الكلام من خلال تجربة شقّ الفم، والرحم الحسيّة… النطق هو شقّ. النطق يشقّ الشفتين؛ فيخرج الكلام. بهذا نفهم الكلام على أنه عملية النطق، ونفهم النطق على أنّه شقُّ الكلام. يأخذ هذا الشقّ في الاتّساع بقدر ما تسمح حدود النطق؛ فيكون الكلام محكومًا بنظام النطق، الذي هو المنطق. هكذا يكون منطق الكلام هو حدود اتّساعه الممكنة… المجاز ليس هو الخيال، ولا يمكن حصر الخيال في آلية المجاز، فالخيال أفق المجاز، هو مجال حركته، واجتيازه، وعبوره. في هذا الأفق يمكن للمجاز أنْ يجسّد الأشياء، بما تمنحه له قوّة الخيال من قدرة على التشبيه، والتصوير، والتمثيل، والرؤية”.

12- ضمن “حضور المقاربات الأنثروبولوجية في القراءات المعاصرة للفكر الإسلامي” يكتب د. نور الدين كوسة: ” يتمتّع المنهج الأنثروبولوجي بسمات تجعله الأقدر على ملامسة لب الظّاهرة الدّينيّة وتشخيص حيثيّاتها وأبعادها، ومن زوايا غير مسبوقة ضمن المناهج المنحدرة من فروع العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، حيث عمل بعض المختصّين في الأنثروبولوجيا على محاولة الإسهام في البرهنة على ” أنّ مُجمل طرق وملاحظات وتحليلات الأنثروبولوجيا يُمكن أن تساعد على شرح تعقيدات عالم معاصر، هو ضحيّة الحركات المتناقضة لتوالد التّنوّعات ولمحو الحواجز”.

13- كما جاء ضمن “نظرية القراءة النبوية للعالم- كلام الله وكلام البشر” لـمحمد مجتهد شبستري: ” بالنسبة لغير المؤمن لا يمكن افتراض أن الله هو المتكلم ولا النبي. الله لا يمكن افتراضه متكلما، لأن غير المؤمن لا يؤمن بالله ولا يؤمن بكلامه. كما لا يمكن للنبي أن يكون متكلما؛ لأن النبي يدعي أن هذا النص ليس كلامه، إنما هو مجرد قناة لإيصال الصوت إلى المخاطبين. وعليه لا يمكن لغير المؤمن أن يفهم المصحف. وأصرح هنا أنني لا أعني بهذا الكلام ضرورة أن يكون المتكلم مرئيا ليكون كلامه مفهوما، إنما المدعى أنه لكي يكون الكلام مفهوما يجب أن يكون هناك متكلم من بني البشر، فإذا لم نفترض وجود متكلم لن يتحقق كلام بالنسبة إلى المخاطب أصلا، حتى يكون بإمكانه أن يفهمه… إن هذه النظريات المتعلقة باللغة التي أفادها الفلاسفة والعرفاء التقليديون وأوضحها ابن عربي في الفتوحات المكية، وصدر المتألهين في الجزء الثاني من الأسفار الأربعة، تعتبر مرفوضة في تفسير مفهوم اللغة من قبل فلسفة اللغة المعاصرة. بالإضافة إلى ذلك، من ناحية الهرمنيوطيقا الفلسفية الحديثة فإن تلك النظريات تجعل نص المصحف غير قابل للفهم (بالنسبة إلى الجميع)… إن تجربة نبي الإسلام للإمداد الإلهي الخاص – الذي أشرنا إليه في نظرية القراءة النبوية للعالم – كانت تجربة لنوع من كلام الله، في هذه التجربة كانت الإشارة (الإمداد) الإلهية هي عين الكلام. إن الأنس الذهني القائم عندنا فيما يتعلق بكلام الإنسان هو الذي يؤدي بنا إلى الوقوع في هذا الخطأ، حيث نقيس لغة الله وكلامه على كلام الإنسان ولغته، ونعتبر كلام القرآن قائما بـ “الألفاظ” و”المفاهيم”. بيد أن كلام الله لا يتألف من الألفاظ والمفاهيم، وعليه فإن “الوحي المحمدي” لم يكن من جنس الألفاظ والعبارات والمفاهيم”.

14- وفي نقد: “ماهية الكلام الوحياني عند محمد مجتهد شبستري” لـ د. آرش نراقي يأتي: ” إن نظرية شبستري بشأن ماهية الوحي القرآني تقوم على نفي الفهم الموروث للوحي، الذي يكون فيه الله قادرا على محاورة الناس، ويمكن فيه اعتبار الكلام الوحياني عين كلام الله. بيد أن الأدلة التي ساقها شبستري على نفي الفهم الموروث للوحي في مقال: “القراءة النبوية للعالم (2)”، وكذلك كتاباته السابقة، لا تتمتع بالإستحكام الكافي، كما أنه يبدو عاجزا عن تعزيز ودعم النتيجة التي يدعيها بشأن الفهم الموروث للوحي”.

15- يكتب د. عبد الجبار الرفاعي ضمن “فلسفة الدين- تمهيد تاريخي موجز”: ” اقترن اللاهوت الطبيعي باسم القديس توما الاكويني (1224 – 1274)، الذي يؤكد على امكانية الاستدلال العقلي على كافة المعتقدات اللاهوتية، من دون حاجة للاستعانة بالوحي. و اللاهوت الطبيعي يقابل اللاهوت الوحياني؛ وهو  اللاهوت النقلي الذي يتخذ من  الوحي طرقا للوصول الى المعتقدات. غير أن اعتماد العقل في إثبات المعتقدات يعود الى ما هو أقدم من عصر توما الاكويني، فالفلاسفة اليونان استخدموا الأدلة العقلية في البرهنة على وجود الله… اما جورج ويلهم فردريك هيغل (1770 – 1831) فقدم تفسيرا آخر، ترتكز فلسفته للدين فيه على “ان أساس الأشياء هو الحياة، أما الدين فهو رفع الحياة النهائية الى مستوى الحياة اللانهائية”… ولا علاقة لفلسفة الدين بإيمان فيلسوف الدين والباحث والدارس في هذا الحقل أو عدم إيمانه، كما هو حال المتكلم واللاهوتي في اللاهوت وعلم الكلام. ذلك ان الباحث في فلسفة الدين يفترض ان يكون محايدا؛ يتحرى الموضوعية، وما يقود اليه العقل والأدلة في بحثه، فهو لا يعنيه تكريس المعتقدات الدينية، مثلما لا يعنيه نفيها. ولا يتوقف تفكيره عند حدود أو سقف معين لا يتخطاه في بحثه، كما يفعل اللاهوتي والمتكلم، الذي ينطلق من مسلمات اعتقادية، ولا يكف عن التدليل عليها، من خلال الأدلة النقلية والعقلية. فيلسوف الدين باحث يتحرى الحقيقة، كما هو الباحث في أي حقل من حقول الفلسفة. ربما يكون فيلسوف الدين مؤمنا، مثل؛ إيمانويل كانت، كيركغورد، بلانتنغا..وربما يكون ملحدا، أو لا أدريا”.

16- في باب نقد العدد الماضي، يكتب د. قحطان جاسم؛ مراجعة نقدية تسلط الأضواء على أهمية مبادرة هذه الدورية، بإصدار عدد موسع خاص بالذكرى المائتين لميلاد الفيلسوف الوجودي الدانماركي المؤمن سورن كيركگورد في نهاية عام 2013.

 وكان لاختيار المجلة لكيركگورد، كما أشار رئيس تحرير المجلة د.عبدالجبار الرفاعي، في كلمة الافتتاحية استمرارا  و”جريا على تقاليدها؛ بتجاوز تكرار المكررات وشرح الشروح”، وعللّ احتفاء المجلة بكيركگورد بأنه: “الفيلسوف المختلف الخارج على الأنساق الفلسفية، واللاهوتي الخارج على دوغمائية الإيمان الكنسي، والأديب الرؤيوي الخارج على صنعة الشعر والفن، والفيلسوف المتعدد المتنوع الخارج على الموضوعات الجاهزة (…)، الذي تمحورت كتاباته على دراسة الإنسان من الداخل، وطرح قضايا لم يهتم بها التفكير الفلسفي من قبل”.

وشدد د. قحطان جاسم على ان اهتمام قضايا اسلامية معاصرة بفكر وفلسفة المفكر الدانماركي سورن كيركگورد، إنه تأكيد آخر على انفتاح المجلة على التيارات الفكرية المتنوعة وتسامحها حيال المختلف، وسعيها لفتح الباب أمام تجليات التلاقح الفكري الإنساني

 تجدر الإشارة أن العدد القادم من المجلة سيكون محوره “الهرمنيوطيقا والمناهج الحديثة في تفسير النصوص الدينية (3)”.

Share Button