عبد الجبار الرفاعي وإنقاذ النزعة الإنسانية في الدين

Enqad

[I] في التعرف إلى المفكِّر

الحديث عن عبد الجبار الرفاعي، بوصفه مفكراً، ليس حديثاً وقولاً عن سيرة ذاتية ولا عن كتاب بعينه له، أو عن أحداث ووقائعَ في تاريخه الخاص؛ الحديث هو حديث عن أبحاثه العلميّة وعن نتاجه المعرفي – الفكري، في كليته. يتضمن الحديث عنه، معنى الحوار معه، والتفكير معه (لا تأييداً لما يقول، إنما فهم ما يقول، بالفهم).. الحديث هو، أولاً، مع مفكِّرٍ مُفَكَّراً به من قبلنا.

← ينجز التفكير والتَفَكُّر، بوصفهما زحزحة مستمرة للمراتب والمستويات المتعلقة بالوعي الذي في الأشياء المعرفية، وعينا بما يحيطنا من تفصيلات واقعية محسوسة.. هذا الواقعيّ الذي يجسد المعرفيّ عندنا (في البلدان العربية).. يأخذ المعرفيُّ الواقعيَّ، من أجل إنتاج معرفية علمية به، ولا يمكن لعملية الإنتاج هذه أن تصير إلا مع حضور الأشياء الواقعية فيها.

← منذ نشأة المعرفة العلمية الحديثة، والتعدد فيها، فيما يتعلق بدراسة الموضوعات العلمية، بوصفها مفاهيم.. وكذلك، التعدد حاضر في دراسة الدين منظوراً إليه على أنه المتضمَّن في الأفعال المجتمعية العائدة إلى الفاعلين المجتمعيين، أو الجماعات الفاعلة المجتمعية أو «المجتمعيّ- في- مستوياته المختلفة».

كيف يأخذ التعدد معانيه وأشكاله عند الرفاعي في دراسة الدين؟

← لا يقدم الرفاعي الدين كحقل فهم، بحاجة إلى ذوات مَخصيَّة، تَفَكُّريّاً، تتعلم في مختبراته سبل ممارسته الجاهزة والموجودة قبل وجود الفاعل (الذات).. أي كَفَهمٍ يغلق باب الفهم.. إنما يقدمه على أنه حقل تفكير ينفتح على الفهم المختلف، والمتعدد، والمتنوع، من أجل تقديم فهم ديناميكي (والحركة فيه حاضرة)، جديد؛ يتضمن معنى إحتضان الأنماط الأخرى من الفهم.. حقل تفكير يمارس الفهم وينتج فهماً جديداً بالفهم.. هذا الذي ينقذ الدين من الدين.. فلا يعود دين ضد دين، أو دين مع دين، إنما، تصبح المعادلة كالآتي: الدين في كليته منفتحاً على أنماط الدين المختلفة في ذاتيتها.. وهكذا، تصير الحياة في الدين، وهي تصير بوساطة وضع التفكير داخله.

← مع هذه القفزة التَفَكُّرية، في التعامل مع التفكير بالدين (شرط ألا يعتبر تفكيراً داخل إطار يزركشه الدين ذاته)، يبني الرفاعي حقل التفكير بالدين، فايْلاصوفيّاً (لا فلسفيّاً بالمعنى الذي أتى إلينا وترجمناه وقَوَّلْنا ما قيل فيه) وسوسيولوجيّاً؛ يختلف في تحديد حدوده النظرية، ويختلف في كيفية حضور الموضوعات الخاضعة فيه، إلى الدراسة.

فما هو هذا الحقل المختلف والجديد وغير الشائع؟

← يغيب ويغيب الواقعي في الغالبية الساحقة من الأبحاث في اللغة العربية؛ ففريق يقول، صلاحية إستعارة المفاهيم والأفكار والنظريات والمناهج العلمية من الغرب، وفريق يقول، عدم صلاحيتها في التعامل مع مجتمعاتنا..

← كيف يغيب؟ إنه يغيب، عند الفريق الثاني، عن طريق البحث، بوصفه بحثاً (مصاباً بالغريزة الميثولوجية) عن الأفكار والمفاهيم والنظريات والمناهج في التراث لقراءة الواقعي في بلداننا، قراءة الحاضر ماضويّاً؛ ويغيب، عند الفريق الأول، في صورة البحث(المصاب بعمى العقل) عن الأفكار والنظريات والمفاهيم والمناهج في النتاج المعرفي الآتي إلينا من الغرب، لقراءة الواقعي عندنا، أي قراءة الحاضر حاضريّاً.

ولكن، كيف يقدم الرفاعي حبكة الفهم الخاصة به، والحاضرة في أبحاثه العلمية؟

يبرز إختلاف الرؤية عند المفكِّر: عبد الجبار الرفاعي، عن طريق تقديم حبكة فهم، بوصفها منظوراً نظرياً يوجِّه ممارساته العلمية.. كيف؟ ومن أجل ماذا؟

حضور العقل في التراث، وفي النتاج المعرفي الآتي إلينا من الغرب، وضرورة إنفتاح العقل على الآتي إلينا من الغرب، من أجل صياغة ماهية بنية الدين، بالإستناد إلى ماهية الإنسان بوصفه الموجود اللامتناهي الوجود، في عمقه اللانهائي.. وليس العكس: أي صياغة ماهية الإنسان بالإستناد إلى ماهية الدين.. هذه هي حبكة الفهم عند المفكِّر.

ويعني ذلك، أن الموجود هذا، في «وجوده- هنا – والآن»، إنما يوجد تواجداً داخليّاً قبل أن يوجد تواجداً خارجياً، هنا – والآن. ماذا يعني ذلك؟

← في الحقيقة، إن التركيز والإهتمام على العالَم الجوّاني للفاعل المجتمعي، منظوراً إليه على أنَّه إنسانٌ، وليس شيئاً، و”إنقاذ النزعة الإنسانية في الدين”، هما، هما وحدهما، الدعوةُ إلى يقظةِ الإنسان في الإنسان، من جهة، وبعث القلق دائم الحركة، في تلك الإطارات المعرفية التي للدين، وللتفكير فيه، الخاصة والمحدَّدة والمحدِّدة، بواسطة التساؤل المستمر، من جهة أخرى.

← ومع هذه الدعوة، ومن شأن تلك اليقظة: أن تمارس الذات الفاعلة، مجتمعيّاً، وتَفَكُّريّاً (منظوراً إليه على أنه مخاطرة بالذات ذاتها)، الإنفتاحَ على التعدُّد والتنوع والإختلاف في الدين، وفي النظر إليه.

← هكذا، لا يصح عند الرفاعي، القطع مع الدين، وإحلال آيديولوجيا أخرى محله، ولا يصح، أيضاً وأيضاً، إحاطة الدين بأغلال الغريزة الميثولوجية؛ فطالما لا يختزل الدين بالآيديولوجيا، وطالما ينفتح «الدين-الفطرة»، على «الدين – الفكرة»، على «الدين – الزمان والمكان»، يأخذ الدينيُّ- اللاعقليّ مكانَتَه لا في العقل، إنما في إنفتاح الدين على موجوديّة الكائن- الإنسان، في ترك الإنسان يتجلّى في أحضان الدينيّ.. وفي هذا «الإنفتاح على…» يكون الإنسان يقظاً في الإنسان.

[II] في التفلت من أسر الآيديولوجيا

يدس اللادينيّ في الدينيّ، والدينيّ في اللادينيّ كذلك، ثباتَ الرؤية والتفكُّر، وبالتالي ينتجان جمود الفهم. كيف؟

← يظن ويتوهم الديني غير الواعي لذاته (الوعي الذي لا يعي ذاته)، أن الدينيّ يستمد معناه، ومبرره في الوجود من خارج الزمان: عودةً إلى الماضي (:الحاضر يعود إلى الماضي)؛ ويصبح بذلك الدينيُّ الآيديولوجيَّ المنغلق على ذاته.

← يظن ويتوهم اللادينيّ غير الواعي لذاته أن اللادينيّ هو الحل، وهو الخلاص، الذي يستمد معناه، ومبرره في الوجود، من خارج المكان، أي إن المكان، هنا، (بلداننا)، يعود إلى المكان هناك (الغرب)، ويدعو، على الدوام، إلى أن الحاضر يعود إلى الحاضر.. ولأنَّه لا يعي: أن كون الحاضرُ الواقعيِّ واقعاً، إنما يوجد في إنفتاح ماضي الواقعي على حاضره، وليس العكس؛ يصبح اللادينيّ الآيديولوجيَّ المنغلق على ذاته.. المتضمَّنَ، قبليّاً، في آيديولوجيا مؤسسة العلم العامة والعالمية.

ولكن، ما هي السبل المنهجية التي يقدمها الرفاعي في سبيل التفلت من الوجهين الآيديولوجيَّيْن هذين؟

← يحمل الرفاعي المفاهيم (التي تم البناء عليها خارج الزمان (:من التراث)، وخارج المكان (:من الغرب)، على كاهله، وينزل بها إلى الواقعيِّ في المجتمعات العربية.. وما يقدمه هو الآتي:

الشرقي في الغربي، التراثي في الحداثوي، الديني في اللاديني؛ ومع هذه، يقدم ضرورة إعادة بناء المفاهيم (: من الخارج: زمانيّاً ومكانيّاً)، وإعادة بناء المضامين النظرية داخل المفاهيم، من أجل نحت تقاسيم أدوات الفهم. أي فهم؟ فهم «الفاعل المجتمعي- في- ذاتيته» في بلداننا، وفهم «المجتمعيّ-في-الفاعل المجتمعي»، وفهم «الإنسانيّ- في- الدينيّ-في-الفاعل المجتمعي».

وبناءاً عليه، ينتج العقل، بوصفه ملكة الفهم والإدراك، وعياً بما يحيطنا سوسيولوجيّاً.. مع وعيه، حسب العالَم المعرفي – الفكري الخاص بعبد الجبار الرفاعي، بأنَّ وجهاً من أوجه التعرف إلى الدين، والتعريف به، ومعرفته، يتفلت من وعيه، من جهة، ويتفلت من العقلنة، من جهة أخرى.

[III] الفكرة المصاغة قبلياً بوصفها آيديولوجيا

← ماذا يتضمن الواقعيّ، من معانٍ، في الحقيقة؟ إنه يتضمن معنى التاريخي الذي هو الآن.

ماذا يعني تحديد الواقعي على أنه هكذا أو هكذا؟ يعني قراءة معينة للتاريخيّ والإستناد إليه في تحديد الواقعي.. مع جدارة الواقعيّ الآن – هناك.

وإذا ذهبنا أبعد من ذلك، وتساءلنا: مَن يقول أن التاريخي هو هكذا أو هكذا؟ نجيب أن القول هو الذي يقول؛ وأن العقل هو، من جهة أخرى، يقولُ قولَ القولِ.

إن تناول العقل على أنَّه «قولٌ في…» أو «قولٌ يُستند إليه في قولٍ في…» يضع ماهية الدين في موقع المسآءلة والتساؤل.

ولأن التساؤل، في ماهيته، هو المسؤول الأساسي في بعث الحركة داخل ماهية بنية «الموضوع – الآن – هنا»، فلا تنفكُّ التساؤلات، بوصفها مُخاطَرات، من الحضور، في أبحاث الرفاعي.

← ومع هذه التساؤلات، الـ«لَيْسَت» قائمة على إجابات مُبَستَرة، يقدم الرفاعي معنى لحضور التاريخيِّ في الواقعيِّ على الوجه الآتي:

← إنَّ الدينَ مُتضمَّنٌ في التفصيلات الواقعية المحسوسة في بلداننا.. وإنكار ذلك هو شكل آخر من تأييده.. وفلسفة الدين، والبحث والدراسة في «الدين – الموضوع»، تقدم معنى الحركة إلى جمود الفهم الذي أصاب الدين، عندنا، بفضل الغالبية الساحقة من الأبحاث في الدين.

← ولمجرَّد أن يكون «الدين-في-الواقعيّ»، ولمجرَّد أن يكون الواقعيّ هو «التاريخي-الذي-هو- الآن»، ولمجرَّد أن يكون التاريخيُّ هو القوْل، فلابُدَّ لحضور العقل في «الدين-كـ-موضوع» أن يقول فهمَهُ بالقولِ بالإستناد إلى العَقْلَنة التي تنتج ذاتها بذاتها.

في الحقيقة، إن التعامل مع الدين، من حيث هو هذا الذي هو، أي الدين منظوراً إليه على أنه لوحةٌ فكريَّةٌ تنتج الوعي، وقد إكتمل العمل عليها، هو الذي، حسب العالَم المعرفي-الفكري الذي للرفاعي، ينتج جمود الفهم، وبالتالي موت الدين بالدين لدين آخر.

[IV] عن أن نكون في الدين

… وكما الأمر، بالنسبة للشمس، وكما يعلم الجميع، مع كوبرنيكوس: أنها لا تشرق ولا تغرب إطلاقاً، إنما نحن (:الأرضيون) الذين نوجد في بزوغها، ونوجد في غروبها؛ كذلك يضعنا الرفاعي بمنطقه ومنحاه في رؤية الدينيّ أمام حقل تفكير جديد، أمام:

كيف نوجد نحن في الدين؟ وكيف نكون نحن فيه لنعيه؟ وكيف نكون نحن فيه لنمارس التفكير فيه؟

وليس يعني ذلك: كيف يوجد الدين فينا؟ وكيف يمارس القهرَ والإرغام والجَبْر علينا.

محمَّد حُسَيْن الرفاعي

مدير تحرير مجلة قضايا اسلامية معاصرة

Share Button