فصل الكنيسة عن الدولة لا يعني إقصاء الرأي الديني من السياسة

secularism_081612_620px - Copie

 ناضل مارتن لوثر كينغ ​​الإبن .Martin Luther KING, Jr بحماس من أجل تحقيق المساواة التي تم إقرارها في وثيقة الإستقلال، حيث كان ارتباطه الوثيق بالدين المسيحي والكتاب المقدس منبع استلهامه لمبدأ تحقيق العدالة، حيث كان الله قبل كل شيء هو واهب تلك المساواة.

لا يزال إلى اليوم، كل عضو من رجال الدين أو مُتحدّث باسم طائفة دينية ما في الولايات المتحدة الأمريكية، مُتّهما بإحداث شرخ في “الجدار الفاصل بين الكنيسة والدولة “، ذلك لأنه يُعبّر بقوة عن رأيه في قضايا الشأن العام.

لطالما استُخدمت العبارة المجازية “الجدار الفاصل” « Wall of Separation » من لدن بعض الشخصيات السياسية والمُعلقين الإعلاميين بمثابة دعوة لاستبعاد تعاليم الدين والأخلاق من المشاركة في النقاش السياسي فيما يتعلق بالسياسة العامة؛ كثيرا ما يكون أولئك الذين يتبنون مثل هذه التعاليم الأخلاقية   - في محاولة منهم للمساهمة في صياغة أجندة الشأن العام- مَحط سخرية وازدراء، بدعوى أنهم ينقلون عدواهم للفضاء العام، والتي تتمثل في انتمائهم الطائفي وخطابهم الذي لا يمت لأمريكا ضمنيا بأية صلة.

في المقابل، ذكر ستانلي ريد Reed STANLEY - عضو المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية – في قرار مجلس ماكولوم للتربية (1948) أنه: ” لا يجب أن تكون سيادة القانون مستمدة من لغة الإستعارة والمجاز”؛ من تم، لا تعني فكرة “فصل الكنيسة عن الدولة” حماية للدولة على الإطلاق، بل إنما تتوخى حماية الحقوق الدينية للأفراد من توغل وسيطرة الحكومة.

أصل العبارة المجازية

قام  روجر ويليامز ROGER Williams بصياغة العبارة المجازية “الجدار الفاصل” في القرن السابع عشر، وذلك قبل أن تستقل المستعمرات بذاتها ويتم المصادقة على دستور الولايات المتحدة. لقد كان وليامز رائد الحرية الدينية والمدافع عن حرية الضمير، حيث كان يعتقد أن أيّ حكومة مدنية تفرض الإنضمام إلى عقيدة دينية ما بالقوة لابد وأن تمس بالإرادة الحرة وتُعرضها للخطر، مما دفعه إلى تصور “جدار فاصل بين حديقة الكنيسة وقفار العالم”.

لقد عاد توماس جيفرسون Thomas JEFFERSON إلى هذا التصور عندما أصبح رئيسا للبلاد. ففي عام 1802، وفي رسالة خاصة إلى الجمعية المعمدانية Baptist Association لمدينة دانبري كونكتكات، كتب توماس يقول: “إيمانا منا معكم بأن الدين هو شأن يصل الإنسان بربه دون أي واسطة، حيث لا يدين هذا الإنسان لأي شيء آخر في إيمانه وعبادته، وبأن السلطات التشريعية للحكومة لا تمتد قدمها لمسألة الإعتقاد، بل تتناول فقط  جانب الإجراءات والدعوات القضائية؛ من تَم فإني أرى – مع احترام مبدأ السيادة- أن إرادة الشعب الأمريكي برمته هي تشييد جدار فاصل بين الكنيسة والدولة، وقد صرّح في هذا الباب بضرورة “تجنب صياغة أي قانون بخصوص مؤسسة دينية ما أو حظر حرية الممارسة الدينية” من طرف السلطة التشريعية”.

قام جيفرسون إذن، على غرار ويليامز، باستخدام العبارة المجازية “الجدار الفاصل” باعتبارها صيغة مختزلة لإقرار الحرية الدينية ضد سلطة وسيطرة الدولة، حيث تعتبر بمثابة قارب نجاة بالنسبة للمعتقد الديني.

وثيقة إعلان الحقوق والتعديل الأول للدستور

إن مبادئ الحرية الدينية التي أعلى جيفرسون من قيمتها حيث اعتبرها من “أقدس حقوق الإنسان غير القابلة للمصادرة بأي حال من الأحوال”، تجد لها أصلا ثابتا في وثيقة إعلان الحقوق  Bill of  Rights في الدستور الأميركي.

في هذا الإطار، صدرت التعديلات العشر الأولى من أجل تأمين وضمان بعض الحقوق الفردية الأساسية، بما فيها الحق في اعتناق وممارسة أي دين. تأكيدا على أهمية هذه الحقوق، كتب جيفرسون يوما لجيمس ماديسون James MADISON، يقول: “إن وثيقة إعلان الحقوق هي ما يحق للشعب أن يقف من أجله ضد أي حكومة على وجه الأرض”؛ في نفس السياق، ذكر القاضي روبرت جاكسون Jackson ROBERT – في قرار  مجلس ولاية فرجينيا الغربية للتعليم (1945)، أن “الغرض من وثيقة إعلان الحقوق … هو جعل [بعض المواضيع] بعيدة عن متناول الأغلبية ومسؤولي الدولة، ومن تم  تقريرها كمبادئ قانونية….”.

هكذا تم إعداد وثيقة إعلان الحقوق، ليس من أجل الدفاع عن الدولة وسياساتها وإجراءاتها بخصوص ممارسة هذه الحقوق الفردية من لدن مواطنيها، وإنما لحماية ممارسة تلك الحقوق الفردية من تجاوزات الدولة. بكلمة واحدة: تم تبني وثيقة إعلان الحقوق كترسانة مُحكَمة و”جدار” حصين ضد الدولة.

إن الحقوق الفردية فيما يتعلق بالدين هي من الحقوق الأولى التي تم تحديدها وضمانها في التعديلات العشرة الأولى للدستور. يتصدر التعديل ما يلي: “لا يُصدر الكونغرس أي قانون يؤدّي إلى دعم ممارسة أي دين من الأديان أو يسنّ قانونا يؤدّي إلى منع حرية ممارسة هذا الدين أو ذاك”؛ في حين تأتي حرية التعبير وحرية الصحافة في مقام ثاني.

تُقر التعديلات العشرة الأولى لدستور الولايات المتحدة الأمريكية في بندها الأول بعدم إقامة أي دين من طرف الحكومة، أو فرض التقيد به بموجب القانون، ولا يُجبر أي مواطن على ممارسة طقوس  مخالفة لضميره ومعتقده؛ وقد تم إقرار هذا البند لمنع رعاية الدولة للكنيسة أو للدين القومي والإحالة دون إعطاء أي طائفة دينية ما وضعا قانونيا أفضل من غيرها.

يشترط بند “حرية ممارسة الدين” السالف الذكر، منع الدولة من تقييد اختيارات المواطن الحرة في الإعتقاد وممارسة طقوس دينه وفقا لضميره؛ كل بند من البنود التي أتينا على ذكرها يعزز بعضها بعضا، وتجد حرية التعبير الديني ملازمتها المنطقية في مسألة حظر رعاية الدولة للدين.

تنص اتفاقية نيويورك الدستورية – باقتضاب ووضوح- على هذا المبدأ فيما يتعلق بالحرية الفردية الدينية: “حيث يتمتع الجميع على قدم المساواة بحق طبيعي غير قابل للمساومة في ممارسة شعائرهم الدينية وفقا لما يمليه عليه ضميرهم في جو من الحرية والسلام؛ ولا ينبغي تفضيل أية طائفة دينية أو مجتمعية على الأخرى بموجب القانون، أو إنشاءها وتأسيسها على حساب غيرها”.

يُعتبر التعديل الأول إذن بمثابة حاجز ضد الدولة وليس ضد الشعب؛ حيث يضع قيودا على سلطة الحكومة ويضمن الحريات الفردية، بما في ذلك الحرية الدينية؛ يتطلب ذلك من الدولة إذن أن تكون محايدة في المسائل الدينية، أي أن “ترفع يديها عن” الخيارات الدينية وتترك للمواطنين مسألة اتخاذ القرارات في هذا الباب وفقا لضميرهم.

الدين والنقاش السياسي العمومي

منذ اعتماد قرار منع الحكومة من التضييق على المواطنين في ممارساتهم الدينية، أمكن لقساوسة الدين من كل الفرق والطوائف الانخراط بحرية في النقاش العمومي، جاهدين بذلك من أجل التأثير على السياسة الحكومية وفقا للقيم الأخلاقية التي تؤسّس دينهم. يسمح “الجدار الفاصل” إذن بضمان مزيد من الحرية والتعبير للأفكار الدينية، ويقوم بتجريد الدولة من أي سلطة يُمكن أن تقزّم من حجم هذه الحرية.

علاوة على ذلك، يتم حماية المواطن المُتحزب سياسيا والمتشبع بتعاليم دينه في الآن ذاته، إذ يتم تشجيعه مرتين: من باب حرية الممارسة الدينية ومن باب حرية التعبير التي نصت عليها بنود التعديل الأول للدستور. تنص البنود الدينية لهذا التعديل على أمر إلزامي قد يبدو بديهيا إلا أنه ذو عمق كبير: “يجب أن يتمتع الدين بقوة الإقناع، بينما يجب تحجيم سلطة الحكومة في التضييق على هذا الأخير”.

يقتضي الأمر، لكي تشهد الحريات الفردية تطورا وازدهارا، أن يتم فهم المقولة المجازية “الجدار الفاصل” وفقا لمعناها التاريخي والحقيقي، وأن يتم النظر إلى الدين حقيقة على أنه امتلاكٌ لحقٍّ على غرار باقي الحقوق كالحق في التعبير وحق الصحافة.

في هذا السياق، لم يطرح أحد في أي وقت مضى دعوى ضرورة أن تكون الدولة وسياساتها وممارساتها في مأمن من النقد والإعتراض الذي تخوله حرية التعبير وحرية الصحافة، حتى عندما تكون ممارسة هذه الحقوق فيما من الأخطاء وسوء الفهم الكثير فيما يتعلق بالوقائع وإصدار الأحكام، بل وحتى لو كانت مدفوعة بهاجس من التحيز والعداء الشخصي.

لا يجب بأي حال من الأحوال استغلال الغموض الذي يُمكن أن يَطال المقولة المجازية “الجدار الفاصل”، وذلك لغرض استئصال الدين الذي يُعتبر الحق الأول والأكثر قيمة لدى الشعوب الحرة. إن “الحاجز” الذي يُؤمّن حرية التعبير وحرية الصحافة هو نفسه الذي يدافع عن حرية ممارسة الدين ضد الدولة، إنه المصدر الأساسي الوحيد لكل هذه الحريات الفردية المقدسة. من تم فالباب مفتوح على مصراعيه لهذه الحقوق الثلاثة من أجل الإنخراط في الفضاء العمومي: حق التعبير، حق الصحافة والحق في الدين.

بإمكان السياسات العمومية الفعالة أن تدوم طويلا إذا ما ركزت على مثل هذه القيم الأخلاقية الأساسية كالمساواة والعدالة والحرية ومحبة الجار والإحسان إلى الفقراء والمرضى والمسنين؛ حيث إن الأخلاق جزء لا يتجزأ من تعاليم الدين فيما يتعلق بطبيعة الشخص البشري ووضعه الإنساني وعلاقة الناس بخالقهم.

لا يجب، من هذا المنظور، إقصاء القيم الأخلاقية الخاصة بالتقاليد الدينية العريقة التي استمرت وأثْرَت ثقافات العالم على مر العصور من ولوج الفضاء العمومي، وذلك جراء فهم مقلوب للمقولة المجازية “الجدار الفاصل” التي تم تحوير معناها الحقيقي من لدن بعض الذين يُكنون عداء متواصلا لتأثير الدين على الشأن العام.

يحتاج الفضاء العمومي إذن إلى فتح المجال للأخلاق المبنية على أساس ديني، بحيث قد تساهم بقسط كبير في تدبير الشؤون العامة عن طريق تصوراتها حول العدالة والإنصاف؛ فقد تم استلهام مثل هذه التصورات في النضال من أجل التحرر بالنسبة للرقيق، والإندماج بخصوص باقي الأعراق، كما كانت سندا قويا فيما يتعلق بقضية المساواة بين الجنسين.

النص مقتطف من كتاب: إدوارد هارينغتون، مجازية  الجدار الفاصل، أمريكا، المجلد 192،  17 يناير 2005، ص10.

 -   « Separation between church and state does not mean that religious views should be excluded from politics », In : EDWARD F. HARRINGTON, The Metaphorical Wall, America, vol. 192, January 17, 2005, p. 10

ترجمه عن الإنجليزية محمد أوالطاهر

طالب باحث متخصص في سوسيولوجيا الدين

 

Share Button