صدور الجزء الأول من موسوعة فلسفة الدين

موسوعة فلسفة الدين

صدر الجزء الأول من “موسوعة فلسفة الدين” عن مركز دراسات فلسفة الدين ببغداد، بالتعاون مع دار التنوير ببيروت؛ بعنوان: “تمهيد لدراسة فلسفة الدين”، في 500 صفحة، من إعداد وتحرير: د. عبدالجبار الرفاعي.

الجزء الأول تم اعداده من أجل أن اعتماد موضوعاته للتدريس في الدراسات العليا في فلسفة الدين. ويمكن القول انه أول مرجع متخصص بالعربية في فلسفة الدين يجري اعداده بغرض اعتماده مقررا في التعليم الجامعي لفلسفة الدين. المشكلة انه ليس هناك مرجع منهجي متخصص لفلسفة الدين بالعربية. رغم ان فلسفة الدين هي الأفق البالغ الراهنية والاهمية في الدراسات الدينية اليوم.

مع الأسف؛ ان معظم من يتحدثون عن فلسفة الدين بالعربية يلتبس في تفكيرهم المفهوم، ويغرقونا في فائض لفظي، ربما تكون له صلة بكل شئ إلا فلسفة الدين. وغالبا ما يجري خلط بين فلسفة الدين والفلسفة الإسلامية، أو المسيحية، او اليهودية. ولم يدركوا ان فلسفة الدين هي “التفكير الفلسفي في الدين”، و هي الأفق الفسيح في الدراسات الدينية، الذي ينقذنا من دين داعش وشقيقاتها.

 تتألف “موسوعة فلسفة الدين” من أجزاء عدة؛ يتناول كل منها القضايا الرئيسة في فلسفة الدين. الجزء الأول الصادر قبل أيام ببيروت، هو عبارة عن: “تمهيد لدراسة فلسفة الدين”. ويتضمن نصوصا متنوعة تعالج؛ علاقة الدين والفلسفة، مفهوم فلسفة الدين، موضوعاتها، مجالاتها، مفهوم الدين، علاقة الدين والعقل، الإيمان والعقل، وما له علاقة بذلك.

أنجز هذه النصوص فلاسفةُ دين ومفكرون وباحثون خبراء في فلسفة الدين؛ تتعدد مواطنُهم اللغوية وأديانُهم ومذاهبُهم، لكنهم يلتقون في مقاربة المسائل الدينية من منظور فلسفي، ويفكرون فيما هو مشتركٌ في الأديان، وعابرٌ للحدود الاعتقادية والإثنية والتاريخية والجغرافية والرمزية.

تتسع “موسوعة فلسفة الدين” في الأجزاء القادمة لموضوعات؛ التجربة الدينية، الهرمنيوطيقا، لغة الدين، المعرفة الدينية، الدين والعلم، التعددية الدينية، علم الكلام الجديد، الدين والأخلاق.

يستهل محرر الموسوعة الدكتور عبدالجبار الرفاعي هذا الجزء ببحث يتناول: تمهيدا تاريخيا لفلسفة الدين، تحدث فيه عن العلاقة بين الفلسفة والدين في الغرب الحديث، وتوظيف العقل في التفكير اللاهوتي، ونشأة اللاهوت الطبيعي منذ القديس توما الاكويني  1224– 1274، الذي يؤكد على إمكانية الاستدلال العقلي على كافة المعتقدات اللاهوتية، من دون حاجة للاستعانة بالوحي. ويشدد الرفاعي على  أن حضور ما يتصل بالله والدين كان لافتا في الفلسفة الحديثة، لكن الفيلسوف إيمانويل كانت  1724 – 1804  كان أول من قدَّم صياغةً فلسفية معمقة هامة للدين. وأنه بالرغم من استدلاله على عدم إمكان معرفة الله نظريا. لكنه دافع عن الأساس الأخلاقي للدين والاعتقاد بالله، في كتابيه: “نقد العقل العملي”، و”الدين في حدود مجرد العقل”. وحين نفى كانت الاعتقادَ النظري بالله، رأى الاعتقادَ الأخلاقي راسخا لا يتزعزع. ذلك أنه يعتقد أن: “مفهوم الله لا ينتمي أصلا إلى الفيزياء، أو إلى العقل النظري، بل إلى الأخلاق”. بل الايمان عند كانت يتأسس على الأخلاق، التي يحكم بها العقلُ العملي. بمعنى؛كما يقول كانت:”إن الأخلاق انما تقود على نحو لابد منه إلى الدين.. الأخلاق مؤسسة على مفهوم الإنسان، الأخلاق لا تحتاج أبدا فيما يتعلق بذاتها إلى الدين..بل، بفضل العقل المحض العملي، هي مكتفية بذاتها”. الانسان لا يتحلى بالأخلاق لأنه متدين، وإنما يتدين لأنه أخلاقي. لذلك فليس من الخطأ توصيفُ فلسفة كانت بمجموعها بأنها “فلسفة دين”.

أما جورج ويلهم فردريك هيغل  1770 – 1831  فقدم تفسيرا آخر، ترتكز فلسفته

للدين فيه على “أن أساس الأشياء هو الحياة، أما الدين فهو رفع الحياة النهائية إلى مستوى الحياة اللانهائية”. ويشير الدكتور الرفاعي إلى تنوع الآراء حيال فلسفة هيغل الدينية، فوصفها البعض بأنها “لاهوت مقنّع”، أو “صورة مقنّعة من صور الفلسفة المسيحية”. ولعل تفسيرَه للروح المطلقة في فلسفته يشي بتطابقها مع وحدة الوجود الصوفية. وكان هيغل أول من اتخذ “فلسفة الدين” عنوانا لسلسلة محاضرات على تلامذته، في السنوات 1821، 1824، 1827، 1831. وصدرت سنة 1832؛ بعنوان: “محاضرات في فلسفة الدين”.

ثم يستعرض الرفاعي آراء لودفيغ فويرباخ  1804– 1872 ، وكارل ماركس  1818– 1883، في الدين، وكيف أن ماركس استعار من فويرباخ مفهومه للاغتراب الديني وإلحاده، إلاّ أن ماركس وجه نقدا قاسيا له، في كتابه: “أقوال تتعلق بفويرباخ”  1845.

كذلك أدان ماركس الروحَ المطلقة الهيغلية. وربطَ الدينَ ميكانيكيا بالاقتصادِ، ونمطِ تطور وسائل الانتاج وطبيعةِ الملكية والعملِ والصراعِ الطبقي. ورسمَ موازنةً “بين الدين والملكية الخاصة؛ الأول يؤلف الاغترابَ النظري للإنسان، والثاني يكون اغترابَه العملي، أو انشقاقَه مع واقعه الخاص”.

لكن الرفاعي ينبه إلى أنه لم يتحقق حلم ماركس باختفاء الدين، مع تطور وسائل الإنتاج والتحولات الكبرى في شكل الملكية، ونمط الانتاج. بل إن ما تحقق هو انبعاث للدين في المجتمعات المعاصرة، و”انتقام الله لنفسه”، بعد أكثر من قرن من وفاة ماركس. ويعود ذلك  -حسب الرفاعي- إلى نضوبُ المعنى، وتفشي العدمية، وشيوعُ التشاؤم، وانطفاءُ التفاؤل والأمل، وذبولُ جذوة الحياة، وفشلُ المتع الحسية في إرواء الظمأ الأنطولوجي العميق للروح. وهي بمجموعها تحيل إلى المتطلبات العميقة للروح البشرية، وحاجاتها الأبدية للوصال مع المطلق. كذلك يؤكد الدكتور الرفاعي على اختفاء الذاتُ الفردية في الماركسية، وكأنه ليس هناك سوى المجتمع، من دون أن تتنبه الماركسية إلى أن الذات البشرية بطبيعتها؛ باطنية، داخلية، عميقة، تنطوي على أسرارها، وتتخصب وتغتني بمنابع إلهامها، ديناميكيتها الجوانية، وتتحقق على الدوام حين تشرع بوجودها وتجاربها الخاصة.

وذكر الرفاعي أن ظهور  مصطلح فلسفة الدين للمرة الأولى في التفكير الغربي، يعود إلى نهاية القرن الثامن عشر.

أما ما تعنيه فلسفة الدين، فإنها نوع من الفلسفة؛ تعتمد العقلَ في بحث وتحليل المقدسات والمعتقدات والظواهر الدينية وتفسيرها. ولا تتوخى الدفاعَ عن هذه المعتقدات وتبريرها، مثلما يفعل اللاهوتيون والمتكلمون، وإنما تهتم بشرح وبيان بواعث الدين ومنابعه في الروح والنفس والعقل، ونشأةِ المقدس وتجلياته في حياة الإنسان، وصيرورته وتحولاته في المجتمعات البشرية. ويوجز الرفاعي تعريفها بقوله: فلسفة الدين هي التفكير الفلسفي في كل ما يتصل بالدين؛ شرحا وتفسيرا وبيانا وتحليلا، من دون أن تتكفل التسويغ أو التبرير أو الدفاع أو التبشير.

ثم يصنف الاتجاهاتِ الأساسيةَ في فلسفة الدين، حتى أواخر العقد الثامن من القرن الماضي، في خمسة اتجاهات، تتناول: اتجاه الوجود – معرفة الله. اتجاه نقد الدين في الفلسفة التحليلية. الاتجاه المتأثر بالعلوم الإنسانية، وهو أيضا على ثلاثة مسارات مهمة: المسار المتأثر بتاريخ الأديان المقارن، المسار المتأثر بالعلوم الاجتماعية، المسار المتأثر بعلم النفس بشكل عام، وبالتحليل النفسي بشكل خاص. اتجاه الفنون اللغوية وفعل الكلام الديني، المتأثر بفيتغنشتاين المتأخر. اتجاه هرمنيوطيقا لغة الدين.

بعد ذلك شرح الرفاعي القضايا المشتركة بين الأديان التي تبحثها فلسفة الدين، مثل: ماهية الدين، وجود الله، مشكلة الشر، حقيقة الإيمان وبواعثه وأنماطه، الوحي والإيمان، التجربة الدينية، المعجزات والكرامات والخوارق، الخلود والبعث والقيامة، التعددية الدينية، الدين والعلم، المعرفة الدينية، الدين والأخلاق، لغة الدين، الهرمنيوطيقا..

 وأخيرا يتحدث الرفاعي عن البواعث التي دعته لإصدار هذه الموسوعة، فيكتب:

“في هذا العصر صدرت بعض الموسوعات ودوائر المعارف العربية العامة والمتخصصة، بجهود جماعية وفردية. لكن لم تظهر حتى اليوم موسوعة تهتم بـ”فلسفة الدين”، رغم ضرورة تدشين الدراسة والبحث في هذا الحقل البالغ الأهمية والراهنية في الدراسات الفلسفية والدينية. ولاشك أن “فلسفة الدين” حقل لم يتعرف عليه معظمُ دارسي الفلسفة والدين العرب إلا قريبا، وحتى الآن لا نعثر إلا على كتابات محدودة فيه، وتفتقر المكتبة العربية إلى المراجع الأساسية في هذا الحقل، إذ لم تترجم النصوص الأساسية لفلاسفة الدين الغربيين في فلسفة الدين، من الألمانية والفرنسية والانجليزية. من هنا أخذ “مركز دراسات فلسفة الدين”، على عاتقه؛ بإمكاناته المادية الشخصية المتواضعة، إعدادَ وتحرير “موسوعة فلسفة الدين”، بالعربية؛ وهي محاولة أولية، وخطوة على الطريق الطويل. تضم هذه الموسوعة مجموعة بحوث ومقالات وحوارات جادة في قضايا فلسفة الدين، مترجمةً عن الألمانية والفرنسية والانجليزية والفارسية، بموازاة مساهمات قليلة مما هو مدون بالعربية. ولم نشأ اللجوءَ للنصوص المترجمة، لولا عدم توافر كتابات عربية في هذه الموضوعات حتى هذه اللحظة”.

وختاما يشير الدكتور الرفاعي إلى طبيعة البحوث والمساهمات المنشورة، فيقول: “إنه بوصفه محررا لموسوعة فلسفة الدين، لا يذهب إلى وجود كتابة تتحرر من أفق انتظار كل إنسان ورؤيته الكونية، وكينونيته الوجودية، كما تقول الهرمنيوطيقا، إلا أن تكوينَ وموهبة المفكرين والباحثين المنشورة مساهماتهم في الموسوعة، ونمطَ عقلانيتهم التي تنتمي إلى العالم الحديث، ومنطقَ تفكيرهم، وأدواتِ بحثهم، ومنطلقاتِهم، ووجهتَهم في البحث، وحريتَهم..كلُّ ذلك يجعل النصوصَ المنشورة في هذه الموسوعة معبرةً عن رؤية علمية، تصدر عن عقلانية الحداثة، ورؤياها الحرة الفسيحة، الجسورة، ومغامرتها في المراجعة والنقد، بل شجاعتها في تقويض وإبطال مفاهيمها ومواقفها، وعبورها؛ لحظة اكتشاف تهافتها”.

ويضم الجزء الأول من الموسوعة، والذي يشكل مدخلا للموسوعة وتمهيدا لدراسة فلسفة الدين، الموضوعات التالية:

فلسفة الدين: تمهيد تاريخي، د. عبدالجبار الرفاعي. الفلسفة الدينية أو الدين الفلسفي، د. فضل الرحمن . بين الإيمان والفلسفة، اسبينوزا. عن جوهر الدين، شلايرماخر.

عن الدين: خطابات لمحتقريه من المثقفين لشلايرماخر، رودلف أوتو. الدين والعقلانية، مصطفى ملكيان. العقل والإيمان: دراسة مقارنة بين إبن عربي وكيركگورد، د. محسن جوادي. ثلاث قراءات في عصر الحداثة، محمد مجتهد شبستري. قوى الدين المتعددة، كريغ كالهون. الدين في العالم المعاصر، د. عبد الكريم سروش. الدين في العالم المعاصر، محمد خاتمي. فلسفة الدين: المجال والحدود، مصطفى ملكيان. مفهوم فلسفة الدين، د. محمد لغنهاوزن. فلسفة الدين وعلم الكلام الجديد، محمد رضا كاشفي. فلسفة الدين عند سبينوزا، د. قيس هادي أحمد. فلسفة الدين عند كيركگورد، د. حسن يوسف. فلسفة الدين عند برجسون، د. قيس هادي أحمد. الإلهي؛ المقدس والدين في فلسفة هيدغر، د. إسماعيل مهنانة. فلسفة الدين من منظور الفكر الإسلامي، د. أبو يعرب المرزوقي. الإنسان بين المقدس والدنيوي، روجي كايوا. كيف نضفي القداسة على حياتنا؟، عبد النور بيدار. حين يلتقي الديني بالثقافة، أوليفييه روا.

Share Button