هشاشة المرحلة الانتقالية في تونس

Tunisie Election

بعدما قامت تونس بإجراء الانتخابات البرلمانية في خضم هذه المرحلة الحرجة، إذ يتم اعتبارها نموذجا للنجاح في الانتقال من النظام الاستبدادي، وذلك خلافا لمصر التي انتشرت فيها مشاعر الخيبة تجاه الحكومة الإسلامية إلى الحد الذي أدى إلى انقلاب عسكري في العام الماضي، أما تونس فإنها عندما لم تستطع تجاوز مأزقها السياسي قام حزب النهضة الإسلامي فيها بالتفاوض حول تسليم السلطة إلى حكومة لتسيير الأعمال في أوائل هذا العام، مما قاد البلاد إلى انتخابات مبكرة.

ورغم أن النهضة لم تستطع تكرار انتصارها الانتخابي الذي حققته قبل ثلاثة أعوام، وحلت محلها القوى العلمانية، فإن الحكومة التونسية الجديدة ستكون في وضع لا تحسد عليه: إذ يجب عليها التعامل مع أزمة أمنية متفاقمة في البلد، ففي العامين الماضيين شهدت البلاد ظهور حالة من الإرهاب والعنف السياسي كانت المسؤولة عنها في مجملها مجموعات سلفية متطرفة، وتضمنت هذه الأفعال العنفية: اغتيال اثنين من المعارضين السياسيين (شكري بلعيد ومحمد براهمي)، ومحاولة لتفجير سيارة مفخخة جرى إحباطها في الأسبوع الماضي.

كما تحولت تونس إلى أرض خصبة لتجنيد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وتشير التقديرات إلى أن هنالك أكثر من (2,400) مقاتل تونسي في صفوف هذا التنظيم، وهذا يعني بأن تونس تحتل المرتبة الأولى في تزويد هذا التنظيم بالمقاتلين. ولذلك يجب على الحكومة الجديدة أن تتمسك بأولويات تتمثل في: استعادة الحالة الرئيسية للأمن، وفرض النظام، وحكم القانون، والحيلولة دون تدهور البلاد إلى حالة حقيقية من الصراع الداخلي.

إن العنف السياسي في تونس ربما يمتلك جذورا متعددة، ومن الواضح أن الأداء الاقتصادي الضعيف يشكل أحد هذه الجذور؛ ففي الأعوام الأخيرة أخذت الكثير من الإضرابات والاحتجاجات المشتكية من الأوضاع الاقتصادية تسلك منحى عنفيا وتسببت بعدة هجمات استهدفت الشرطة المحلية (مثلا).

وبينما يواجه الغرب مشكلات تزايد نسبة المسنين من السكان، فإن تونس، وحالها في ذلك مشابه لأحوال البلدان الأخرى في المنطقة، تواجه تحدي (وفرصة) التوجيه الملائم للإمكانيات الاقتصادية لقوة عاملة يشكل الشباب أغلبيتها الكاسحة، فالواقع العملي يشير إلى أن نصف التونسيين تقل أعمارهم عن الثلاثين، والكثير منهم يعانون ظروفا اقتصادية صعبة؛ وعلى الرغم من أن معدل البطالة ينخفض ببطء، فإنه يفوق (30%) ضمن شريحة الشباب من خريجي الجامعات، مما يجعلهم يعيشون في أوضاع تفتقر إلى الاستقرار.

وبما أن تونس تمتلك قطاعا سياسيا حيويا وعلاقات اقتصادية مع الغرب، فقد اعتمدت بشكل أقل على الملكية الحكومية والتخطيط الصناعي بالمقارنة مع البلدان العربية الأخرى، وتمتعت لمدة طويلة بوجود العديد من المستثمرين الأجانب. وعلى الرغم من ذلك فإن الاقتصاد التونسي لا يزال يواجه معوقات كبيرة تعرقل التنافس ونشاط السوق، حيث تحتل تونس المرتبة (87) في النسخة الأخيرة لتقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، وذلك بالمقارنة مع المرتبة (32) في نسخة (2010-2011). ويمكننا أن نعزو أسباب الاقتصاد الضعيف بشكل رئيسي إلى تخلف أسواق السلع والمال والعمل فيها، حيث تتعرض هذه الأسواق إلى الشلل بسبب الوطأة الثقيلة للضوابط التنظيمية الحكومية.

ويطمح المسؤولون التونسيون إلى تخفيض العجز ليصل إلى (5%) من إجمالي الناتج الوطني في العام 2015، ويتمثل المكون الرئيسي اللازم لكبح جماح الإنفاق العجزي في إصلاح برامج المستحقات الراهنة (قامت الحكومة مؤخرا برفع سن التقاعد إلى 62 عاما)، وكبح جماح نمو رواتب القطاع العمومي. وإذا أخذنا قوة نقابات القطاع العمومي بالحسبان، فإن الإجراء المشار إليه سيثير قدرا هائلا من الجدل؛ وعلى الرغم من أن نقابة العمال التونسيين (الاتحاد العام التونسي للشغل) يعزى إليه الفضل في لعب دور مهم في التسوية السياسية التي مهدت الطريق للانتخابات القادمة، فإنه قام أيضا بمعارضة الإصلاحات الاقتصادية، بما فيها: تخفيض معدل نمو رواتب الموظفين الحكوميين.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الإصلاحات الاقتصادية التي تقوي الأسواق الخاصة وتجعلها أكثر تنافسية تلعب دورا رئيسيا في تسريع عجلة النمو الاقتصادي الذي يعاني من الضعف في التونس؛ وبغض النظر عمن سينتخبه التونسيون فإن بلدهم بحاجة إلى تحرير اقتصادي عميق، وتحسين البيئة الاستثمارية، والقضاء على الروتين والفساد. وعند مقارنة تونس بجيرانها في المنطقة نلاحظ أنها تقدم أداء أفضل نسبيا وفقا لتقرير (ممارسة الاستثمار) الصادر عن البنك الدولي، لكن هذا الأداء يعاني من خلل واضح في مجال الحصول على تراخيص البناء، فالحصول على رخصة للبناء في تونس يتطلب (19) عملية رسمية، ويستغرق (94) يوما، ويكلف حوالي (256%) من إجمالي الناتج الوطني الفردي؛ وهذا الخلل نجده أيضا في مجال الحصول على القروض المصرفية، حيث تتأخر تونس عن غيرها في هذا المجال بسبب تعثر أسواق المال فيها.

إن ما يجعل الإصلاحات البنيوية أمرا لازما لا ينحصر في حقيقة مفادها أن تقليص العجز ليس من المرجح له أن يأتي بثماره في ظل الغياب المديد للنمو الاقتصادي؛ فالأهم من ذلك هو أن الربيع العربي، والذي بدأ في تونس، لم يكن متعلقا فقط بإسقاط طغاة فاسدين، وذلك على الرغم من الدرجة الهائلة التي وصل إليها فساد الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي؛ فالثورة التونسية كانت رد فعل تجاه منظومة حوكمة كانت تعمل بشكل منهجي لإفشال الشباب ومنعهم من النفاذ إلى الفرص الاقتصادية. فإذا أرادت أية حكومة تونسية أن تنفذ الوعود التي أطلقت في ربيع العام 2011 فيجب عليها أن تمنح التونسيين حرية النجاح دون التعرض للمضايقات من موظف حكومي ضيق الأفق أو من زعماء نقابات العمال.

داليبورروهاتش

محلل للسياسات في مركز الحرية والازدهار في العالم التابع لمعهد كيتو

ترجمة: علي الحارس

Share Button