لمحات من تاريخ الليبرالية الكلاسيكية

Scene_at_the_Signing_of_the_Constitution_of_the_United_States

محادثات فيلاديفيا التي انعقدت عام 1787، والتي أقرت الدستور الدائم للولايات المتحدة الأمريكية.

“الليبرالية الكلاسيكية” – أو ببساطة شديدة “الليبرالية”، كما كان يطلق عليها حتى نهاية القرن التاسع عشر- هو توقيع الحضارة الغربية في مجال الفلسفة السياسية.  قد توجد آثار أو بدايات لفكرة الليبرالية في ثقافات أخرى. ولكن على وجه التحديد، فالمجتمع الذي نشأ في أوروبا – في البؤر الاستيطانية الأوروبية، وخاصة في أمريكا -  هو الذي كان بمثابة أرض خصبة للمذهب الليبرالي. وفي المقابل، تم تشكيل هذا المجتمع بشكل عميق من قبل الحركة الليبرالية.

من العصر الوسيط إلى الاستبداد الحديث

كانت اللامركزية وتقاسم السلطة من مميزات تاريخ أوروبا. فبعد سقوط روما، لم تنشأ أبدا إمبراطورية قادرة على السيطرة على القارة الأوربية. بدلا من ذلك، أصبحت أوروبا فسيفساء معقدة من الدول المتنافسة، وإمارات ومدن-دويلات. ووجد مختلف الحكام أنفسهم في منافسة بعضهم البعض. فإذا عمل أحدهم على فرض ضرائب مفترسة أو قام بمصادرة تعسفية للممتلكات، فإنه يفقد مواطنيه الأكثر إنتاجا، الذين كانوا قادرين على اختيار المنفى حاملين رؤوس أموالهم. كما وجد الملوك منافسة قوية من بارونات طموحين وسلطات دينية تحضى بدعم من الكنيسة الدولية. لقد ظهرت البرلمانات للحد من سلطة فرض الضرائب من طرف الملوك، وبنيت المدن الحرة على أساس المواثيق الخاصة التي أعطت للنخبة التجارية عددا معينا من المسؤوليات.

نمت ثقافة تشجع حقوق الملكية الخاصة والتبادل التجاري، في أجزاء كثيرة من أوروبا، وخاصة في غرب القارة، خلال العصور الوسطى. وعلى المستوى الفلسفي، يُعَلِّمُ مذهب القانون الطبيعي –الذي يشكل امتدادا للفسلفة الرواقية التي نشأت في اليونان وروما- أن النظام الطبيعي كان مستقلا عن أغراض الإنسان وأن الحكام يخضعون لقوانين العدل الخالدة. لقد تم تأييد مذهب القانون الطبيعي من قبل الكنيسة ونشر في الجامعات الكبيرة، من أكسفورد إلى سالامانكا، وبراغ وكراكوفي.

لما بدأ العصر الحديث، بدأ معه الحكام في التحلل من القيود القديمة التي كانت تؤطر استخدام سلطتهم. وأصبح الاستبداد الملكي النموذج الرئيسي السائد في ذلك الوقت. لقد سن ملوك أوروبا نموذجا جديدا: إذ قالوا أنهم عينوا من قبل الله ليكونوا مصدر كل الحياة وكل النشاط في المجتمع. وتبعا لذلك، سعوا لتدبير شؤون الدين والثقافة والسياسة، وأيضا بشكل خاص الحياة الاقتصادية للشعب. ومن أجل دعم البيروقراطية الوليدة وحروبهم الدائمة، كان الحكام يلجؤون لرفع الضرائب باستمرار، في محاولة لإخضاع رعاياهم في تحد للقانون والأعراف.

ثورتا الهولنديين والإنجليز

كان الهولنديون أول من ثار على هذا النظام. بعد صراع دام لعدة عقود، انعتقوا من الحكم الإسباني وشكلوا كيانا سياسيا موحدا. كانت “المقاطعات المتحدة” هو الاسم الذي أطلق على هذه الدولة التي كانت لامركزية للغاية، ولم يكن لها ملك وكانت السلطة فيها محدودة على المستوى الفيدرالي. ممارسة النشاط التجاري هي ما يشغف تجار هذا البلد وصناعه الذين يشتغلون من دون كلل. و لم يكن لديهم الوقت لمطاردة الهراطقة أو قمع الأفكار الجديدة. وبحكم الأمر الواقع، تمكن التسامح الديني وحرية كبيرة للصحافة من فرض نفسها في الأخير. ونظرا لانشغالهم بالصناعة والتجارة، أنشأ الهولنديون نظاما قانونيا متينا، قائما على مبدأ سيادة القانون وحرمة الملكية والعقود. كانت الضرائب منخفضة، وجميع الناس يعملون. وكانت “المعجزة الاقتصادية” الهولندية من أعاجيب ذلك العصر. لقد نظر المراقبون في جميع أنحاء أوروبا إلى نجاح الهولنديين باهتمام كبير.

رأى مجتمع آخر شبيه بالمجتمع الهولندي النور في الجانب الآخر لبحر الشمال. فإنجلترا القرن السابع عشر كانت أيضا ترزح تحت الاستبداد الملكي لآل استيوارت. وكان الرد بالثورة، والحرب الأهلية، وزج رأس ملك وولادة مجتمع جديد. خلال هذا القرن المضطرب، ظهرت الحركات والمفكرون الأوائل الذين اعتبروا بوضوح على أنهم ليبراليون.

ومع رحيل الملك، ظهرت مجموعة من راديكاليي الطبقة الوسطى ممن يسمون “الليفلرز” (The Levellers). لقد دافعوا على أنه حتى البرلمان ليست لديه القدرة على انتزاع الحقوق الطبيعية التي منحها الله للشعب. وقالوا أن الدين مسألة ضمير يخص الفرد، وينبغي أن لا يكون للدولة أي علاقة بذلك. وبالمثل، فاحتكارات الدولة يتم منحها في انتهاك للحرية الطبيعية.

جيلا بعد ذلك، استند جون لوك إلى تقاليد القانون الطبيعي، التي تم تطويرها والحفاظ عليها من قبل علماء الدين السكولائيين، ووضع تصورا لنموذج ليبرالي قوي للإنسان والمجتمع والدولة.  فكل إنسان، حسب لوك، يتمتع بحقوق طبيعية. تتجلى في حقه الطبيعي في التمتع بممتلكاته- التي تتكون من حياته، وحريته، وملكيته (أو سلعه المادية). والدولة يتم تكوينها فقط بهدف الحفاظ على هذا الحق في التملك. ولما تتحول الحكومة من حماية الحقوق الطبيعية للشعب إلى شن الحرب ضدهم، فالناس لهم أن يغيروها أو أن يقوموا بإلغائها. لقد واصلت فلسفة لوك ممارسة تأثيرها في انجلترا خلال الأجيال التي تعاقبت بعد ذلك. وبمرور الوقت، حدث أعظم تأثير لها في المستعمرات الأنجلوسكسونية في أمريكا الشمالية.

حقق المجتمع الذي نشأ في انجلترا بعد الانتصار على الاستبداد، منذ بداياته، نجاحا باهرا في الحياة الاقتصادية والثقافية. واهتم به مفكرو القارة، وخاصة في فرنسا. أما بعضهم مثل فولتير Voltaire ومونتسكيو Montesquieu، فقد جاؤوا ليطلعوا بأنفسهم على المجتمع الإنجليزي. وكما كان الحال  بالنسبة إلى هولندا التي كانت نموذجا في السابق، فالنموذج الإنجليزي بدأ في ممارسة تأثيره على الفلاسفة ورجال الدولة الأجانب. فاللامركزية، التي كانت دائما السمة المميزة لأوروبا، ساعدت على انتشار التجربة الإنجليزية، وشكل نجاحها مهمازا لإيقاظ الدول الأخرى.

خلال القرن الثامن عشر، اكتشف المفكرون حقيقة مُهمة عن الحياة الاجتماعية: لما يتمتع الناس بحقوقهم الطبيعية، يتقدم المجتمع أكثر أو أقل من تلقاء ذاته. في اسكتلندا، وصف عدد متتال من الكتاب اللامعين، وبخاصة ديفيد هيوم David Hume وآدم سميث Adam Smith، نظرية “التطور التلقائي” للمؤسسات الاجتماعية. لقد بينوا كيف يمكن لمؤسسات معقدة للغاية وذات منفعة –مثل اللغة، والأخلاق، والأعراف، وخصوصا السوق- أن تولد وتنمو، ليس نتيجة لعمل مهندسين اجتماعيين، ولكن نتيجة لتفاعلات أعضاء المجتمع لما يتتبعون تحقيق أهدافهم الفردية.

الاقتصاد السياسي الفرنسي: مبدأ “دعه يعمل

في فرنسا، توصل الاقتصاديون إلى استنتاجات مماثلة. أحد أكبرهم هو آن روبرت تورغو A.R Turgot ، الذي وضع مبادئ السوق الحرة:

“إن السياسة التي يجب اتباعها هي بالتالي ترك الطبيعة دون ادعاء تدبيرها. لأنه ومن أجل تدبير التبادل والتجارة، ينبغي أن تكون لك القدرة على معرفة الأشكال المختلفة من الاحتياجات، والمصالح، ومصنوعات الإنسان وفي مستوى من التفاصيل يعد من المستحيل من الناحية المادية التوصل إليه، حتى من قبل أكثر الماهرات مهارة، والأكثر نشاطا، والأكثر اطلاعا على المعلومات والتفاصيل من الحكومات. وحتى لو توفر لحكومة مثل هذا الكم الهائل من المعلومات التفصيلية، فإن الحل المناسب سيكون بالسماح للأمور أن تسير كما تفعل هي من تلقاء ذاتها، من خلال العمل الوحيد الذي ينبع من مصالح الناس المدعوين إلى المنافسة الحرة فيما بينهم “.

وقد صاغ الاقتصاديون الفرنسيون مصطلحا من أجل التعبير على سياسة الحرية في المجال الاقتصادي: ووضعوا له اسم “دعه يعمل”.

ولادة أمريكا: الحكم الذاتي

وفي الوقت نفسه، وبدءا من أوائل القرن السابع عشر، أنشأ المستوطنون الذين جاؤوا أساسا من إنجلترا مجتمعا جديدا على الشاطئ الشرقي لأمريكا الشمالية. وتحت تأثير الأفكار التي جلبها المستعمرون معهم والمؤسسات التي طورها، فإن طريقة عيش فريدة قد ظهرت. لم يكن هناك وجود لأرستقراطية، أما تدخل الدولة فقد كان بشكل محدود. وبدلا من الطموح إلى السلطة السياسية، فقد عمل المستعمرون من أجل بناء حياة كريمة لأنفسهم ولأسرهم.

ونظرا لتمتعهم باستقلال كبير، فإنهم كانوا ملتزمين بالإجماع بالتبادل السلمي والمربح. وبواسطة شبكة  معقدة من الروابط التجارية التي تم نسجها، أواسط القرن الثامن عشر، كانت المستوطنات الأمريكية أكثر ثراء من أي بلد آخر في العالم آنذاك. لقد كانت المبادرة الفردية أيضا النجم الذي اهتدى به مجال القيم الروحية. وازدهرت الكنائس والكليات والمكتبات والصحف ومعاهد المؤتمرات والجمعيات الثقافية عن طريق التعاون الطوعي بين المواطنين.

وعندما أدت الأحداث إلى حرب الاستقلال، فإن الرأي السائد كان يعتبر أن المجتمع يحكم نفسه بنفسه فقط. كما أعلن توماس باين،

“الحكومة الرسمية لا تدير إلا جزءا صغيرا من حياة الحضارة. إن المبادئ الأساسية الكبرى للمجتمع والحضارة -حركة المصالح التي لا تتوقف، التي تمر من خلال ملايين القنوات، تنعش حياة الرجل المتحضر كلها- وعلى هذه الأخيرة يعتمد الأمن فضلا عن ازدهار الفرد والمجتمع ككل، أكثر بكثير من أي شيء بإمكان حتى أفضل المؤسسات الحكومية أن تقوم به. في الواقع، يحقق المجتمع لنفسه تقريبا كل شيء يسند إلى الدولة. ولا ينبغي أن تتولى الدولة إلا دعم الحالات القليلة التي يعجز المجتمع والحضارة عن تحقيقها بسهولة ويسر “.

وبمرور الوقت، تمكن المجتمع الجديد الذي تأسس على فلسفة الحقوق الطبيعية من التحول إلى نموذج ليبرالي في العالم، أكثر إشراقا حتى من ذلك الذي نشأ في السابق في هولندا وفي انجلترا.

وفي بدايات القرن التاسع عشر، كانت الليبرالية الكلاسيكية –أو الليبرالية ببساطة، كما كانت تسمى فلسفة الحرية- الشبح الذي يطارد أوربا والعالم. وفي كل الدول المتقدمة، كانت الحركة الليبرالية نشطة.

ينتمون أساسا إلى الطبقات الوسطى، التي كانت تتألف من أشخاص من أوساط دينية وفلسفية متناقضة جدا. مسيحيون، ويهود، وربوبيون، وغنوصيون، ونفعيون ومدافعون عن الحقوق الطبيعية، ومفكرون أحرار، وتقليدانيون؛ قدروا كلهم أنه من الممكن أن يعملوا من أجل تحقيق هدف أساسي واحد: زيادة نطاق المجتمع الحر والحد من إكراه الدولة.

وقد تفاوت التمسك بهذا المبدأ وفقا لحالة كل بلد من البلدان المختلفة. ففي بعض الأحيان، كما هو الحال في أوروبا الوسطى والشرقية، حيث طالب الليبراليون بتفكيك الدولة المطلقة وحتى بقايا الإقطاع. وفي الواقع، تركز النضال على حقوق الملكية التامة والكاملة، وعلى الحرية الدينية وإلغاء نظام القنانة. وفي أوروبا الغربية، كثيرا ما ناضل الليبراليون من أجل التجارة الحرة، والحرية الكاملة للصحافة، وسيادة حكم القانون على سلطة المسؤولين في الدولة.

وفي أمريكا، البلد الليبرالي بامتياز، كانت المعركة الرئيسية التي قام بها الليبراليون تتمحور حول صد توغلات سلطة الحكومة التي قادها ألكسندر هاملتون Alexander Hamilton وخلفاؤه. وأيضا في التصدي للعمل المخزي التي يمثله استعباد السود بالنسبة للحرية في أمريكا.

من وجهة نظر المذهب الليبرالي، فقد كانت الولايات المتحدة الأمريكية محظوظة بشكل ملحوظ منذ البداية. لقد كتب توماس جيفرسون Thomas Jefferson، أحد المفكرين الليبراليين الكبار في عصره، وثيقة تأسيسها، وكتب إعلان الاستقلال. الإعلان الذي أسس رؤية لمجتمع يتكون من أفراد يتمتعون بحقوقهم الطبيعية ويتولون تحقيق الأهداف التي حددوها هم بشكل حر. ففي الدستور وفي وثيقة الحقوق، وضع المؤسسون نظاما حيث سيتم تقسيم السلطة ووضع حدود لها وإحاطتها بعدة قيود، بينما يمكن للأفراد أن يسعوا إلى تحقيق ازدهارهم بواسطة العمل، والأسرة، والصداقات، والثقافة الشخصية، وشبكة كثيفة من الجمعيات التطوعية. في هذا البلد الجديد، لا يمكن أن يشعر الفرد بثقل الدولة، كما لاحظ الرحالة الأوروبيين مع بعض التخوف. إنها أمريكا التي أصبحت نموذجا بالنسبة للعالم.

أحد المفكرين الذين استمروا على نهج جفرسون خلال بدايات القرن التاسع عشر كان هو ويليام ليجيت William Leggett، وكان صحفيا نيويوركيا، معارضا للعبودية وديمقراطيا من أتباع جاكسون، كتب ليجيت قائلا:

“تُؤسَّس جميع الحكومات من أجل حماية الأشخاص والممتلكات، ويفوض المواطنون لقادتهم فقط السلط التي لا غنى عنها لتحقيق هذه الغايات. فالناس لا يريدون من الدولة أن تنظم شؤونهم الخاصة، أو أن تخطط للبرامج وأن تسطو على أرباح صناعتهم. بل حماية الأشخاص وممتلكاتهم، والسماح لهم بالقيام بكل ما يمكنهم القيام به بأنفسهم “.

أصبحت فلسفة “دعه يعمل” عقيدة عدد لا يحصى من الأميركيين ومن جميع الطبقات الاجتماعية. وخلال الأجيال اللاحقة، وجدت هذه الفلسفة صدى لها في أعمال كتاب ليبراليين مثل: إ. ل. كودكين E.L. Godkin وألبرت جاي نوك Albert Jay Nock، وإتش. إل. مينكين H.L. Mencken، وفرانك غودوروف Frank Chodorov، وليونارد ريد Leonard Read. أما بالنسبة لبقية العالم، فقد كانت العنصر المميز للفكر الأمريكي وأحد سماته.

الثورة الصناعية

وفي الوقت نفسه، حقق التقدم الاقتصادي الذي كان يتغذى ببطء بواسطة نبض العالم الغربي قفزة كبيرة إلى الأمام. فلأول مرة في بريطانيا، ثم في أمريكا وأوروبا الغربية فيما بعد، أدت الثورة الصناعية إلى التحول الأكثر أهمية في حياة الإنسان منذ العصر الحجري الحديث. وبدءا من الآن، أصبح من الممكن بالنسبة للغالبية العظمى من البشر الإفلات من البؤس الذي ساد العصور الغابرة، والذي تعلم الناس قبوله كواقع لا مفر منه في السابق. ومنذ هذا التاريخ، فإن عشرات الملايين من الناس، الذين كانوا يلقون حتفهم في ظل اقتصاد غير فعال في النظام القديم، استطاعوا الآن النجاة. ففي حين ارتفعت ساكنة أوروبا وأمريكا بشكل كبير، وصل مستوى معيشة الجماهير الجديدة معدلات لا يمكن تصورها سابقا في صفوف العمال.

ترافقت ولادة النظام الصناعي مع اضطرابات اقتصادية. إذ كيف يمكن أن يكون الأمر خلاف ذلك؟ فقد دعا الاقتصاديون من أنصار السوق الحرة إلى حل مفاده: حماية الممتلكات والأموال التي تم ربحها بشق الأنفس من أجل تشجيع تكوين رأس المال، والحفاظ على التجارة الحرة من أجل تعظيم كفاءة الإنتاج، وترك مساحة للمقاولين الذين يرغبون في التجديد والابتكار. لكن المحافظين، الذين هُددت أنظمتهم القديمة، أطلقوا هجوما على النظام الجديد، وألصقوا بالثورة الصناعية سمعة سيئة لم تستطع الفكاك منها أبدا. وبعد ذلك بوقت قصير، أعاد مثقفو الجماعات الاشتراكية، الذين بدؤوا في الظهور، تلك الهجمات على النظام الصناعي الجديد.

ورغم ذلك، وبحلول منتصف القرن، انتقل الليبراليون من نصر إلى نصر. فقد اعتُمِدت دساتير تضمن الحقوق الأساسية، ووُضعت أنظمة قانونية مؤسسة بقوة على مبدأ أولوية “حكم القانون”، وسُنت قوانين تحترم حقوق الملكية، وتوسع نطاق التبادل الحر، وقد أدى هذا إلى نشأة اقتصاد عالمي قائم على “معيار الذهب”.

حصل تقدم على الجبهة الفكرية أيضا. فبعد قيادة حملة من أجل إلغاء الحمائية الإنجليزية على تجارة الحبوب، وضع ريتشارد كوبدن Richard Cobden نظرية في عدم التدخل في شؤون الدول الأخرى كي تكون أساسا للسلام. ودافع فريدريك باستيا Frédéric Bastiat عن التبادل الحر، وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وعن السلام، ووضع ذلك في إطار فكري كلاسيكي. وقام مؤرخون ليبراليون أمثال توماس ماكولاي Thomas Macaulay وأوجستين تييري Augustin Thierry بالكشف عن جذور الحرية في التراث الغربي. وفي وقت لاحق خلال ذلك القرن، عرفت النظرية الاقتصادية للأسواق الحرة تطورا علميا متينا بفضل صعود المدرسة النمساوية، التي دشنها الاقتصادي كارل منجر Carl Menger.

أما العلاقة بين الليبرالية والدين فقد طرحت مشكلا خاصا. ففي القارة الأوروبية وأمريكا اللاتينية، استخدمت بعض العقول الحرة سلطة الدولة أحيانا للحد من نفوذ الكنيسة الكاثوليكية، في حين تشبث بعض الزعماء الكاثوليك بالفكرة التي عفا عليها الزمن والتي تعطي لهم رقابة تيوقراطية. لكن المفكرين الليبراليين أمثال بنجامان كونستانت Benjamin Constant، وألكسيس دو توكفيل Alexis de Tocqueville، واللورد آكتون Lord Acton نظروا إلى أبعد من هذه النزاعات العقيمة. وشددوا على أن الدين، منفصلا عن سلطة الحكومة، يمكن أن يلعب دورا حاسما في تقليص نمو الدولة المركزية. وبهذه الطريقة، مهدوا الطريق لتحقيق مصالحة بين الحرية والإيمان الديني.

انهيار الليبرالية في أوروبا

فيما بعد، ولأسباب غير معروفة بعد، بدأ المد يتحول ضد الليبراليين. جزء من التفسير يتجلى بالتأكيد في صعود وانتشار فئات جديدة من المفكرين في جميع أنحاء العالم. فئات تدين في وجودها إلى الثراء الذي ولَّده النظام الرأسمالي، وهو أمر لم يمنع أغلبهم من شن هجوم مستمر على هذا النظام، متهمين إياه بأنه مصدر كل علل المجتمع الحديث.

في الآن ذاته، وضع موظفو الدولة حلولا استباقية لهذه العلل، بهدف توسيع نطاق عملهم. وساهم صعود الديمقراطية في انهيار الليبرالية عن طريق تشديده على إحدى ميزات السياسة: الصراع من أجل المنافع الخاصة. لقد تنافست الشركات والنقابات والمزارعون والبيروقراطيون وجماعات المصالح الأخرى من أجل الامتيازات العمومية التي توفرها الدولة –ووجدوا بجنبهم مثقفين ديماغوجيين على استعداد لتبرير هذا النهب بطريقة عقلانية. وزادت مساحة سيطرة الدولة على حساب “الإنسان المنسي” كما عبر عن ذلك وليام غراهام سمنرWilliam Graham Sumner ؛ فالشخص الصامت والمنتج الذي لا يطلب أي دعم من الحكومة، هو نفسه الذي يديم هذا النظام بأكمله عن طريق عمله.

وفي نهاية القرن التاسع عشر، هزمت الليبرالية على جميع الجبهات. أدان القوميون والإمبرياليون تحقيق الليبرالية لسلام لا طعم له لفائدة عداء بطولي وفيدرالي بين الدول. واتهمها الاشتراكيون بتأسيس نظام السوق الحر “الفوضوي” بدلا من التخطيط المركزي “العلمي”. وحتى قادة الكنيسة انتقدوا ولاء الليبرالية للأنانية والمادية.

في أمريكا وبريطانيا العظمى، قام المصلحون الاجتماعيون بخطوة ذكية ولا سيما في مطلع القرن العشرين. في أماكن أخرى، سمي أنصار تدخل الدولة و”الإدارة المشتركة مع النقابات” ب”الاشتراكيين” أو “الاشتراكيين الديمقراطيين”. ولكن لما بدأت الشعوب الأنجلوسكسونية بالنفور من تلك الأسماء، انقلبوا إلى اتخاذ اسم “ليبرالي”.

على الرغم من أنهم قاتلوا حتى النهاية، فإن موجة من الإحباط أصابت آخر الليبراليين الكبار الأصيلين. لما بدأ هربرت سبنسر Herbert Spencer بالكتابة في سنوات 1840، كان يأمل في رؤية مجيء عصر من التقدم الشامل يكون فيه جهاز الدولة القسري قد اختفى تماما. وفي عام 1884، كتب سبنسر مقالا بعنوان “العبودية تترجل “. أما في عام 1898، فقد لاحظ وليام غراهام سمنر، وهو أمريكي من أتباع سبنسر، ومدافع عن التبادل الحر وعن معيار الذهب، أن أمريكا سارت مع الأسف على طريق الإمبريالية والتدخل أثناء الحرب الاسبانية الامريكية. وكتب ردا على هذه الحرب معنونا: “غزو الولايات المتحدة من طرف اسبانيا.”

عودة الاستبداد

وقعت العودة إلى الحكم المطلق في جميع أنحاء أوروبا، وساهمت البيروقراطيات الحكومية في توسيع مدى الاستبداد. وفي الآن ذاته، أدت الصراعات بين القوى العظمى إلى سباق تسلح جامح، مما زاد من التهديد بنشوب الحرب. وفي عام 1914، وضع قاتل صربي النار في البارود، وكانت النتيجة هي اندلاع أكثر الحروب تدميرا في التاريخ إلى حدود ذلك الوقت. وفي عام 1917، قام رئيس أميركي، يرغب في وضع نظام عالمي جديد، بإدخال بلاده في الصراع الدموي.

“الحرب هي ترياق الدولة”، قال الكاتب الجذري راندولف بورن Randolph Bourne محذرا. ولقد أثبتت الوقائع أنه كان محقا. أما عندما انتهى الاقتتال، فقد اعتقد الكثيرون أن الليبرالية، بمعناها الكلاسيكي، قد ماتت.

كانت الحرب العالمية الأولى انعطافة في القرن العشرين. وباعتبارها هي نفسها نتاجا للأفكار والسياسات المعادية لليبرالية – مثل النزعة العسكرية والسياسة الحمائية – فقد عززت الحرب العظمى “الدولانية” في جميع أشكالها. ففي أوروبا وفي أمريكا تسارع الاتجاه نحو التدخل الحكومي لما جندت الحكومات، وراقبت، وتضخمت، وولدت جبالا من الديون، واستقطبت التجارة والعمل، وسيطرت على الاقتصاد. وفي كل مكان كان المثقفون “التقدميون” يرون أحلامهم تتحقق. أما المبدأ الليبرالي القديم “دعه يعمل” فقد أصبح الآن ميتا، وفرح التقدميون، لأن المستقبل ستصنعه الأفكار الجماعاتية. وكان السؤال الوحيد الذي ما يزال يطرح هو: بأي نوع من الجماعاتية يتعلق الأمر؟

أما في روسيا، فقد سمحت فوضى الحرب لمجموعة صغيرة من الثوار الماركسيين بالاستيلاء على السلطة وإقامة غرفة عمليات لإشعال الثورة العالمية. خلال القرن التاسع عشر، أعد كارل ماركس Karl Marx  طبخة أشبه ما تكون بدين علماني ذا جاذبية قوية. وقدم وعدا بالتحرير النهائي للإنسان، من خلال تغيير نظام اقتصاد السوق المعقد والمرتبك في كثير من الأحيان، برقابة “علمية” واعية.

تم تنفيذ ذلك من طرف فلاديمير لينين Vladimir Lénine وليون تروتسكي Léon Trotsky في روسيا، وانتهت التجربة الاقتصادية الماركسية إلى الكارثة. وخلال سبعين سنة التي تلت ذلك، انتقلت القيادات الحمراء من تجربة مرقعة إلى أخرى. لكن الإرهاب الذي مارسه الشيوعيون سمح لهم بالاحتفاظ بعروشهم، وأدت جهود الدعاية الأكبر في التاريخ لتكوين قناعة لدى المثقفين، سواء في الغرب أو في دول العالم الثالث الناشئة، إلى اعتبار الشيوعية   ”المستقبل المشرق للبشرية جمعاء “.

جعلت معاهدات السلام التي اختلقها الرئيس وودرو ويلسون Woodrow Wilson وقادة الحلفاء الآخرين من أوروبا آتونا يغلي بالغضب والكراهية. وتحت تأثير غواية الديماغوجيين القوميين وبسبب الهلع من الخطر الشيوعي، تحول ملايين من الأوروبيين إلى قبول أشكال من “عبادة الدولة”، وهو ما سمي بالفاشية والاشتراكية القومية (أو النازية). وعلى الرغم من كل الأخطاء الاقتصادية التي تخلقها، قدمت هذه المذاهب وعودا بالازدهار وإبراز القوة الوطنية من خلال التدبير الكامل للمجتمع من قبل الدولة، ولكن بإثارة حروب كبيرة على نحو متزايد.

في البلدان الديمقراطية، كانت الأشكال الأكثر اعتدالا من “الدولانية” هي القاعدة. وكان النموذج الأكثر خداعا هو الذي تم اختراعه عام 1880 في ألمانيا، لما وضع المستشار الحديدي أوتو فون بسمارك، سلسلة من التدابير حول التأمين على الشيخوخة، والعجز، والحوادث، والصحة، تدار من طرف الدولة. واعتبر الليبراليون الألمان في ذلك الوقت تلك الخطط عودة إلى النظام الأبوي للملكيات المطلقة. لكن تلك الخطط مكنت بسمارك من الفوز، وتم تصدير نسخ من اختراعه – المسمى دولة الرفاه – في نهاية المطاف إلى جميع أنحاء أوروبا، بما في ذلك البلدان الشمولية. وبتطبيق برنامج “الصفقة الجديدة” (New Deal)، تم تثبيت نموذج دولة الرفاه في الولايات المتحدة الأمريكية.

ورغم ذلك، ظلت الملكية الخاصة والتجارة الحرة من ضمن المبادئ الأساسية المنظمة للاقتصادات الغربية. فالمنافسة، والسعي وراء الربح، والتراكم المستمر للرأسمال (بما في ذلك الرأسمال البشري)، والتجارة الحرة، وتطوير الأسواق، والتخصص المتزايد – كل عمل لتعزيز الكفاءة، والتقدم التقني وبالتالي رفع المستوى المعيشي للشعوب. ولأن آلة الانتاج الرأسمالي كانت قوية وقادرة على التحمل، فقد اتضح أن تدخل الدولة الموسع، والإكراه الذي تمارسه الاتحادات التعاونية، والكساد الذي ينجم عن التدبير الحكومي وعن الحروب ليس بإمكانه أن يضمن النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

تمثل عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي أسوأ الفترات التي انحسر فيها انتشار الفكر الليبرالي الكلاسيكي. خاصة بعد اندلاع أزمة عام 1929 والكساد العظيم الذي نتج عن النظام النقدي الذي وضعت الحكومات أسسه. لقد أغلق الرأي العام السائد الكتب عن الرأسمالية التنافسية، ومعها عن الفلسفة الليبرالية.

إحياء الليبرالية الكلاسيكية

إذا ما كان هناك تاريخ يرمز لإحياء الليبرالية الكلاسيكية، فسيكون هو عام 1922، وهو العام الذي نُشر فيه الكتاب المعنون ب “الاشتراكية“، من طرف الخبير الاقتصادي النمساوي لودفيغ فون ميزس Ludwig von Mises. كان ميزس واحدا من أبرز المفكرين في القرن العشرين، كما كان رجلا شجاعا لا يتزعزع. في مؤلفه “الاشتراكية”، تحدى أعداء الرأسمالية. وكتب يقول: “أنتم تتهمون نظام الملكية الخاصة بالتسبب في كل العلل الاجتماعية، وتدعون أن الاشتراكية فقط هي من يستطيع علاجها. لكنكم الآن مقبلون على القيام بشيء لم تجرؤوا على القيام به أبدا في السابق:  ”هل تريدون أن توضحوا كيف سيكون بإمكان نظام اقتصادي معقد أن يعمل في غياب السوق، وبالتالي الأسعار، بالنسبة للمنتجات؟”. أظهر ميزس أن الحساب الاقتصادي يستحيل من دون وجود الملكية الخاصة، كما بين أن الاشتراكية ما هي إلا وهم عاطفي.

لقد فتح تحدي ميزس للعقيدة السائدة عقول مفكرين في أوربا وأمريكا. وكان فريدريك ف. هايك FA Hayek ويلهليم روبكي Wilhelm Röpke وليونيل روبنز Lionel Robbins من بين من حولهم ميزس إلى صف المدافعين عن السوق الحرة. وطوال حياته المهنية الطويلة، وضع ميزس نظريته الاقتصادية وفلسفته الاجتماعية وطورها، ليصبح بذلك أول مفكر ليبرالي كلاسيكي في القرن العشرين.

في أوروبا وفي الولايات المتحدة بشكل خاص، احتفظ الأفراد والمجموعات المتفرقة ببعض (الأشياء) عن الليبرالية القديمة. ففي معهد لندن للاقتصاد وفي جامعة شيكاغو، أمكن للمرء أن يجد أبحاثا، حتى في سنوات 1930 و1940، تدافع على الأقل عن صلاحية الفكرة المؤسسة للاقتصاد الحر.

في أمريكا، نجت مجموعة معزولة من الكتاب المتألقين، كانوا أساسا صحفيين. وعرفوا منذ ذلك الوقت باسم “الحق القديم” (Old Right ). تألفت هذه المجموعة من ألبرت جاي نوك Albert Jay Nock، فرانك خودوروف Frank Chodorov، إتش. إل. مينكين HL Mencken، فيليكس مورلي Felix Morley، وجون تي. فلين  John T. Flynn. لقد دفعتهم الآثار الشمولية المترتبة عن “الصفقة الجديدة” (New Deal) التي طبقها فرانكلين روزفلت إلى دائرة العمل، وقاموا بإحياء العقيدة الأمريكية التقليدية حول الحرية الفردية وعدم الثقة المزدري للحكومة. وكانوا أيضا معارضين لسياسة روزفلت التدخلية في الشؤون العالمية، واعتبروها مخربة للجمهورية الأمريكية. لقد أشعلت جماعة “الحق القديم” النيران في المثل العليا لجفرسون خلال الأيام الأكثر سوادا في ظل “الصفقة الجديدة” والحرب العالمية الثانية، وذلك بفضل الدعم الذي لقيته من بعض الناشرين ومن رجال أعمال شجعان.

ومع نهاية الحرب، رأى ما يمكن تسميته ب”الحركة” النور. كانت صغيرة في البداية، ثم أججها تدفق الأنهار فيها فيما بعد. نبه كتاب “الطريق إلى الرق” مثلا لفريدريك هايك، الذي نشر عام 1944، آلافا من القراء إلى الخطر الذي سيسببه اتباع السياسات الاشتراكية على الغرب وحضارته التقليدية المبنية على مبادئ الحرية.

في عام 1946، أسس ليونارد ريد Leonard Read “مؤسسة التعليم الاقتصادي” بإيرفينغتون في مقاطعة نيويورك، وقام بنشر أعمال هنري هازليت Henry Hazlitt ودعاة السوق الحرة الآخرين. أما ميزس وهايك، اللذان تواجدا معا في الولايات المتحدة الأمريكية في ذلك الوقت، فقد واصلا أعمالهم هناك. وساهم هايك في تأسيس جمعية مون بيلران، وهي مجموعة ليبرالية كلاسيكية تتألف من علماء ونشطاء ورجال أعمال من جميع أنحاء العالم. وأقام ميزس، الموهبة التي لا مثيل لها، حلقة دراسية في جامعة نيويورك جذبت طلابا مثل موراي روثبارد Murray Rothbard وإزرائيل كيرزنر Israel Kirzner. واعتنق روثبارد أفكار المدرسة الاقتصادية النمساوية من خلال تدريسه لمبادئ القانون الطبيعي وبلورته لأطروحة قوية ألهمت عددا كبيرا من الشباب. وفي جامعة شيكاغو، قاد ميلتون فريدمان Milton Friedman وجورج استيجلر George Stigler وآرون دايركتر Aaron Director مجموعة من الاقتصاديين الليبراليين الكلاسيكيين في إطار مهمة الكشف عن عيوب الفعل الحكومي. وقامت الروائية الموهوبة آين راند Ayn Rand بدمج مواضيع ليبرتارية في كتبها التي صنفت من ضمن الأكثر مبيعا، بل قامت بتأسيس مدرسة في الفلسفة (تدعى الموضوعانية).

كان رد فعل اليسار–النخبة الديمقراطية الاجتماعية- على تجديد الليبرالية الأصيلة متوقعا وكان شرسا. ففي سنة 1954 مثلا، نشر هايك كتابا بعنوان “الرأسمالية والمؤرخون” ضمن سلسلة ساهم في تأليفها علماء بارزون يجادلون ضد التفسير الاشتراكي السائد للثورة الصناعية. وكرد فعل سمحت مجلة علمية لأرثور شليزنجر الابن Arthur Schlesinger, Jr. الأستاذ في جامعة هارفرد وأحد المدافعين عن “الصفقة الجديدة” بالرد بوحشية على الكتاب بالكلمات التالية: “لدى الأمريكيين ما يكفي من المشاكل مع المكارثيين المحليين كي لا تتم دعوة معلمي فيينا لإضافة بريق أكاديمي للظاهرة”.

أما النظام القائم فقد حاول قتل عملية إحياء الليبرالية الكلاسيكية بالصمت والتجاهل. كما حدث سنة 1962، حيث لم تقم أية مجلة أو جريدة من الصف الأول بالتطرق إلى إصدار ميلتون فريدمان ل”الرأسمالية والحرية”. ورغم ذلك، وجد الكتاب والنشطاء الذين حملوا على عاتقهم إحياء الليبرالية الكلاسيكية تجاوبا لدى عامة الناس. فملايين من الأمريكيين، من جميع المناحي، وقعوا في أسر قيم السوق الحرة والملكية الخاصة بكل هدوء وبلا كلل. وأعطى ظهور كتلة صلبة من القادة الفكريين الرغبة لأعداد كبيرة من المواطنين في الدفاع عن الأفكار التي لطالما دعموها لفترة طويلة.

خلال سبعينيات وثمانينيات القرن العشرين، لما أصبح فشل التخطيط الاشتراكي والبرامج التدخلية واضحا وجليا، تحولت الليبرالية الكلاسيكية إلى حركة عالمية. في البلدان الغربية، وفي بلدان حلف وارسو السابقة فيما بعد، وبشكل لا يصدق، أعلن القادة السياسيون تحولهم إلى أتباع لهايك وفريدمان. وباقترابنا من نهاية القرن العشرين، كانت الليبرالية الكلاسيكية والأصيلة على قيد الحياة وفي وضع صحي جيد، بل أقوى مما كانت عليه خلال مئات السنين.

ورغم ذلك، استمرت الدولة في النمو من دون توقف في البلدان الغربية، محتلة كل مجالات الحياة الاجتماعية، واحدا بعد الآخر. ففي أمريكا، توشك الجمهورية أن تكون من الذكريات البعيدة، إذ يمركز المسؤولون الفيدراليون والمخططون الدوليون السلطة أكثر فأكثر. ومن تم، فالكفاح مستمر، كما يجب أن يكون. فقبل قرنين، لما ما زالت الليبرالية في طور شبابها، كان جيفرسون قد أبلغنا عن الثمن الذي يجب دفعه من أجل الحرية.

 

 رالف رايكو Ralph Raico أستاذ فخري للتاريخ الأوربي في معهد بوفالو ستايت كوليج Buffalo State College وزميل كبير لمعهد فون ميزس بألاباما. مختص في تاريخ الحرية، وفي تجربة الحرية في تاريخ أوربا، وفي العلاقة بين الحرب ونمو الدولة. ألف كتابا مرجعيا عن “مكانة الدين في الفلسفة الليبرالية من خلال أعمال كونستانت، ودي توكفيل، واللورد أكتون.

ترجمة رشيد أوراز، باحث في الاقتصاد السياسي، يشتغل باحثا بالمركز العلمي العربي للأبحاث والدراسات الإنسانية بالرباط.

Share Button