هل يمكن تعويض “الناتج المحلي الإجمالي”؟

GDP

“إجمالي المخرجات (GO) هو المقياس الطبيعي للقطاع الإنتاجي، بينما يمثل صافي المخرجات (الناتج المحلي الإجمالي GDP) المقياس الملائم للرفاه، وكلاهما ضروريان لمنظومة كاملة من الحسابات المالية”. الهندسة الجديدة للحسابات المالية الوطنية في الولايات المتحدة الأمريكية: ستيفين لانديفيلد وآخرون (2006).

“إن إجمالي المخرجات، والذي نصح مارك سكاوسين باستخدامه منذ وقت طويل، سيكون له تأثير إيجابي كبير وواضح على السياسة الاقتصادية والسياسة”. ستيف فوربز (مجلة فوربز، 14 أبريل 2014).

وصار الأمر رسميا، فالولايات المتحدة الأمريكية أصبحت البلد الأول الذي يقدم مقياسا جديدا للاقتصاد (ويصدر كل ثلاثة أشهر) يمكنه التنافس مع الناتج المحلي الإجمالي (GDP). ففي يوم الجمعة (26 أبريل 2014) بدأ مكتب التحليل الاقتصادي (أحد أقسام وزارة المالية الأمريكية) بإصدار مؤشر إجمالي المخرجات على نحو ربع سنوي، ويمكن الحصول على المزيد من المعلومات عن هذا الخبر من الموقع الإلكتروني لمكتب التحليل الاقتصادي (www.bea.gov). ولن يطول الأمد قبل أن تحذو البلدان الأخرى حذو الولايات المتحدة في هذا المجال.

ما هو (إجمالي المخرجات)؟ إنه مقياس لإجمالي حجم المبيعات في كافة مراحل الإنتاج، وما ندعوه اقتصاد “الصنع”؛ وهو يضم كل التعاملات الاستثمارية-الاستثمارية، وقد بلغ في الربع الثالث من العام 2013 (30 تريليون دولار)، وهو رقم يصل إلى ضعفي الناتج المحلي الإجمالي (17 تريليون دولار).

إن الناتج المحلي الإجمالي (GDP) هو المقياس المعياري لقياس السلع والخدمات النهائية التي تُنتَج كل عام، أو ما ندعوه: اقتصاد “الاستخدام”، أما إجمالي المخرجات فهو أول مقياس اقتصادي إجمالي يجري اعتماده منذ اعتماد مقياس الناتج المحلي الإجمالي قبل أكثر من خمسين عاما.

ولقد جاء هذا المقياس الجديد في موعده، فقد بدأت عملي على (بنية الإنتاج) في العام 1990، وعلى (علم الاقتصاد تحت التجربة) في العام 1991، وأوضحت بأننا كنا نحتاج إلى وسيلة إحصائية جديدة تضاف إلى (إجمالي الناتج المحلي) من أجل قياس الإنفاق على امتداد عملية الإنتاج بأجمعها دون الاقتصار على المخرج الرئيسي فقط، وجاء (إجمالي المخرجات) كخطوة في هذا الاتجاه، وكانتصار شخصي بعد خمسة وعشرين عاما من العمل عليه.

انتصار اقتصاديات جانب العرض “النمساوية”

إنني أعتبر تبني (إجمالي المخرجات) كمقياس مكافئ لـ(إجمالي الناتج المحلي) انتصارا لاقتصاديات جانب العرض النمساوية، وربما يمكن اعتباره التقدم الأكثر أهمية في حسابات الدخل الوطني منذ الحرب العالمية الثانية. كما يمكن اعتباره، من وجوه عديدة، الجولة الثانية من الجدل بين هايك وكينز، حيث يمثل (إجمالي المخرجات) وجهة النظر النمساوية (مراحل الإنتاج)، بينما يمثل (إجمالي الناتج المحلي) وجهة النظر الكينزية (الطلب الفعلي النهائي). ويمكن اعتبارهما رابحين كليهما على نحو ما، فهاتان الوسيلتان الإحصائيتان أصبحتا تستخدمان من قبل الحكومة لتحديد وجهة الاقتصاد.

إن (إجمالي المخرجات) يحاول قياس إجمالي التعاملات الاستثمارية-الاستثمارية، أي: المبيعات الجارية بدءا من إنتاج المواد الخام، ومرورا بالمنتجين البينيين، وانتهاء ببائع التجزئة. وقد أظهرت الأبحاث التي أجريتها بأن (إجمالي المخرجات) يمثل مؤشرا أفضل في الدورة الاستثمارية، وأنه الأكثر انسجاما مع نظرية النمو الاقتصادي. إن (إجمالي المخرجات) مقياس لاقتصاد “الصنع”، أما (إجمالي الناتج المحلي) فيمثل اقتصاد “الاستخدام”، وكلاهما ضروريان لفهم الكيفية التي يعمل الاقتصاد وفقها.

ما هي العوامل التي توجه الاقتصاد فعلا: الإنفاق الاستهلاكي، أم التحفيز الحكومي، أم الاستثمارات؟

لا شك أن (إجمالي الناتج المحلي) يمثل مقياسا جيدا للأداء الاقتصادي على المستوى الوطني، لكنه يعاني من عيب رئيسي: فبما أنه يتجاهل المبيعات الاستثمارية-الاستثمارية، فإنه يقلل من أهمية اقتصاد “الصنع”، أي: سلسلة العرض والمراحل البينية للإنتاج اللازمة لإنتاج كل السلع والخدمات النهائية، حيث أدت هذه النظرة الضيقة لمقياس (إجمالي الناتج المحلي) إلى التسبب بالكثير من الأذى على صعيد الإعلام، والسياسة الحكومية، وعملية صناعة القرار الإداري. وعلى سبيل المثال: دأب الصحافيون على المغالاة في التأكيد على الإنفاق الاستهلاكي أو الحكومي باعتباره القوة المحركة للاقتصاد، وذلك عوضا عن التأكيد على اقتصاديات جانب العرض، كالادخار والاستثمار والتقدم التكنولوجي. وتشير البيانات الأخيرة في الولايات المتحدة إلى أن الإنفاق الاستهلاكي يشكل (68%) من إجمالي الناتج المحلي، يليه الإنفاق الحكومي (18%)، وهذا يجعل وسائل الإعلام تستنتج بسذاجة أن أي تباطؤ في مبيعات التجزئة أو التحفيز الحكومي لا بد أن تكون له تأثيرات سيئة على الاقتصاد.

أما الاستثمار في القطاع الخاص فيأتي ثالثا (16%، أما الزيادة فيجري تعويضها من صافي التصدير 2%)، ولذلك فقد ورد في تقرير لصحيفة نيويورك تايمز، مثلا، بأن “الإنفاق الاستهلاكي يشكل أكثر من (70%) من الاقتصاد، وهو يقوم في العادة بتحريك النمو خلال فترات التعافي الاقتصادي” (“المستهلكون يعطون دفعة للاقتصاد”، صحيفة نيويورك تايمز، 1 مايو 2010)؛ أو كما ورد في صحيفة وول ستريت جورنال قبل عدة سنوات: “لقد أدى ركود القطاع الإسكاني إلى تثبيط الإنفاق الاستهلاكي، والذي يعتبر القوة المحركة الأولى للاقتصاد الأمريكي” (“توقعات مؤلمة في قطاع الإسكان، صحيفة وول ستريت جورنال، 21 سبتمبر 2011)؛ أو يمكن النظر إلى هذا التقرير الذي صدر خلال التعافي الاقتصادي: “إن التقديرات التي صدرت يوم الجمعة للناتج المحلي الإجمالي في الربع الثاني [1.3%، وهو رقم أقل بكثير من التوقعات المجمع عليها] قدمت مشهدا صريحا وواضحا حول الكيفية التي يؤدي بها انخفاض الإنفاق العمومي والاستثمار إلى إعاقة النمو. فالنمو البطيء المثير للدهشة الذي ساد من أبريل إلى يونيو يعزى جزء كبير من أسبابه إلى البطء الشديد الذي اعترى إنفاق المستهلك وإلى زيادة الاستيراد، مما ينقص من أرقام النمو؛ لكن الإنفاق الحكومي المتضائل أدى إلى إبطاء النمو أيضا”. (دور الإنفاق الحكومي، صحيفة نيويورك تايمز، 29 يوليو 2011).

ويمكننا أن نختصر فنقول بأن الاقتصار في التركيز على المخرجات النهائية يجعل مقياس الناتج المحلي الإجمالي يقلل من شأن التعاملات الاستثمارية-الاستثمارية، أي: الأموال التي تنفق والنشاط الاقتصادي الذي يتولد في مراحل أبكر من العملية الإنتاجية، وكأن الأمر أشبه بعدم الاعتراف الكامل بما تساهم به جهات التصنيع والشحن والتصميم في إجمالي النمو أو التدهور.

المنافع الكثيرة لمقياس (إجمالي المخرجات)

إن مقياس (إجمالي المخرجات) يكشف هذه المعتقدات الخاطئة، فلقد اكتشفت في أبحاثي الكثير من المنافع في الحسابات الإحصائية لهذا المقياس؛ وأولها: أن مقياس (إجمالي المخرجات) يقدم صورة أدق للعوامل التي تحرك الاقتصاد، فإذا استخدمناه كمقياس أكثر شمولا للنشاط الاقتصادي، فسيتبين لنا بأن الإنفاق الاستهلاكي يشكل أقل من (40%) من إجمالي المبيعات السنوية، وليس (68-70%) كما يشيع في التقارير. أما الإنفاق الاستثماري (استثمارات القطاع الخاص مضافا إليها المبيعات الاستثمارية-الاستثمارية) فهي أكبر بكثير، وتشكل أكثر من (50%) من النشاط الاقتصادي. إن هذه الصورة تنسجم أكثر مع نظرية النمو الاقتصادي، والتي تشدد على أن الادخار الإنتاجي والاستثمار في المجال التكنولوجي من جانب المنتجين يشكلان العاملين المحركين للنمو الاقتصادي؛ أما الإنفاق الاستهلاكي فهو يعتبر بشكل عام نتيجة، وليس سببا، للازدهار.


والمنفعة الثانية: أن مقياس (إجمالي المخرجات) أكثر حساسية بكثير للدورة الاستثمارية، ففي الركود الكبير الذي ساد في المدة (2008-2009) انخفضت القيمة الاسمية للناتج المحلي الإجمالي بمقدار (2%) فقط، وكان معظم السبب يعزى إلى الزيادات الحكومية المضادة لتأثير الدورة الاستثمارية، لكن إجمالي المخرجات انهار بأكثر من (7%)، كما انهارت المدخلات البينية بأكثر من (10%). ومنذ العام 2009 ارتفعت القيمة الاسمية للناتج المحلي الإجمالي بمقدار (3-4%) سنويا، لكن إجمالي المخرجات ارتفع بأكثر من (5%) سنويا؛ فمقياس (إجمالي المخرجات) يعمل وكأنه طرف لمروحة يدوية (انظر الشكل التالي).

الشكل (1): النسب المئوية للتغير السنوي في إجمالي المخرجات (GO) والقيمة الاسمية للناتج المحلي الإجمالي (GDP)، مقارنة بين كل عام والعام الذي يليه

حيث يظهر من آخر التقارير بأن إجمالي المخرجات ارتفع بمقدار (1.1%) فقط خلال الربع الأخير من العام 2013، وهذه القيم تقل كثيرا عما حققه إجمالي الناتج المحلي، مما يوحي بحصول تباطؤ في الاقتصاد الأمريكي.

إنني أعتقد بأن إجمالي المخرجات يملأ فجوة كبيرة في اللغز الاقتصادي الماكروي، فهو يؤسس لتوازن مناسب بين الإنتاج والاستهلاك، وبين اقتصاد “الصنع” واقتصاد “الاستخدام”، وبين العرض الإجمالي والطلب الإجمالي؛ كما إنه أكثر انسجاما مع نظرية النمو. ووفقا لستيف لاندفيلد، مدير مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة المالية الأمريكية، وزميلاه ديل يورغينسون وويليام نوردهاوس الذين شاركاه في كتابة (هندسة جديدة للحسابات الوطنية الأمريكية؛ [جامعة شيكاغو، 2006])، فإن: “إجمالي المخرجات (GO) هو المقياس الطبيعي للقطاع الإنتاجي، أما الناتج المحلي الإجمالي (GDP) فهو مناسب لقياس حالة الرفاه، وكلا المقياسين مطلوب في أي منظومة كاملة للحسابات”.

الخلفية التاريخية

إن تاريخ هذين المقياسين الإحصائيين يعود إلى عدد من الخبراء الرائدين، ونخص بالذكر منهم خبيرين اقتصاديين يتشابهان في الكثير من الخصائص: فكلاهما من الأمريكيين ذوي الأصول الروسية، وكلاهما درّس في جامعة هارفارد، وكلاهما حصل على جائزة نوبل. فلقد حقق سايمون كوزنيتس اختراقا بعمله على إحصائيات مقياس الناتج المحلي الإجمالي في الثلاثينيات الماضية، وبعد اتفاقية (بريتون وودز) في العام 1946 أصبح (إجمالي الناتج المحلي) المقياس المعياري للنمو الاقتصادي. وبعدها بسنوات، قام فاسيلي ليونتييف بتطوير أولى جداول (المدخلات والمخرجات)، والتي كان يعتبرها مقياسا أفضل للاقتصاد بأكمله؛ وتتطلب حسابات (المدخلات والمخرجات) تحليل “الخطوات المتخللة” الموجودة بين المدخلات والمخرجات في العملية الإنتاجية، أي: “سلسلة معقدة من التعاملات بين أشخاص حقيقيين”.

وقد أدت بيانات (المدخلات والمخرجات) إلى ظهور أولى تقديرات مقياس (إجمالي المخرجات)، لكنه لم يحصل على التأكيد باعتباره أداة ماكرواقتصادية مهمة، حيث ركز ليونتييف على المجريات الداخلية بين المجالات الاقتصادية، وليس على القيمة الكلية لإجمالي المخرجات. أما ما قمت به في أبحاثي الخاصة (بنية الإنتاج؛ [جامعة نيويورك، 1990]) فهو أنني أنشأت نموذجا شاملا رباعي المراحل للاقتصاد (انظر الشكل التالي) لأبين العلاقة بين الإنفاق الكلي في الاقتصاد وبين المُخرَج النهائي (كما استخدمته بكثافة في كتابي الدراسي
“المنطق الاقتصادي” الذي صدرت طبعته الرابعة).

الشكل (2): نموذج شامل رباعي المراحل للاقتصاد

وفي الفصل السادس أوضحت بأن الناتج المحلي الإجمالي لا يقدم صورة كاملة للنشاط الاقتصادي، وقارنته بإجمالي المخرجات للمرة الأولى، مجادلا بأن إجمالي المخرجات أكثر شمولا وأنه كشف على نحو أدق بأن الاستثمار يلعب في الاقتصاد دورا أكبر بكثير من دور الاستهلاك، وقد دعوته بإجمالي المخرجات الوطنية (GNO).

من عيوب بيانات (إجمالي المخرجات)

اكتشفت منذ تأليفي لـ(بنية الإنتاج) بأن مقياس (إجمالي المخرجات) الذي يصدره مكتب التحليل الاقتصادي التابع لوزارة المالية الأمريكية لا يتضمن كل المبيعات في مستوى الجملة والتجزئة، وإنما يقتصر على بيانات القيمة المضافة للسلع بعد أن تتحول إلى سلع نهائية، فإجمالي المبيعات يجري تجاهله في المرحلتين الأخيرتين من الإنتاج، ويبرر ديفيد فاسهاوزين، أحد الباحثين العاملين في مكتب التحليل الاقتصادي، ذلك بقوله: “ليس هنالك تحول إضافي لهذه السلع، فهي مستثناة، ضمن العملية الإنتاجية، من المُخرَج التبادلي ما بين الجملة والتجزئة”.

لكنني أرى بأن هذا القول يعتريه الخطأ، فإذا كنت ترغب بقياس النشاط الاقتصادي بأكمله في إنتاج السلع والخدمات الجديدة، فستحتاج إلى تضمين إجمالي المبيعات على مستوى الجملة والتجزئة، فهي مبيعات (استثمارية-استثمارية) شرعية.

وعلى هذا الأساس، قمت في الطبعة الثانية من (بنية الإنتاج)، والتي ظهرت في العام 2007، بإنشاء رؤيتي الخاصة للحسابات الإحصائية الإجمالية، وما عرف بإجمالي الإنفاق المحلي (GDE)، والذي يتضمن إجمالي المبيعات في مستوى الجملة والتجزئة، ولذلك فقد كان أكبر بكثير (أكثر من ضعفي الناتج المحلي الإجمالي تقريبا). وفي تقديري أن إجمالي الإنفاق المحلي (GDE) بلغ في العام 2013 حوالي (38 تريليون دولار)، ولهذا فإن الإنفاق الاستهلاكي لا يمثل في الواقع إلا حوالي (31%) من النشاط الاقتصادي الكلي.

ولقد دأب مكتب التحليل الاقتصادي طيلة سنين على تجميع بيانات (إجمالي المخرجات) من بيانات (المدخلات والمخرجات)، لكن وسائل الإعلام تجاهلت هذه الأرقام على نحو واسع لأنها لم تكن تصدر إلا كل خمسة أعوام (ما يعرف بالجداول المعيارية للمدخلات والمخرجات). كما دأب مكتب التحليل الاقتصادي منذ التسعينيات الماضية على تقدير الحسابات الصناعية كل عام، لكن البيانات الناتجة لم تكن مواكبة للزمن قط، أما في يومنا هذا فلم يعد الحال كذلك.

ففي ظل إدارة ستيف لانديفيلد، مدير مكتب التحليل الاقتصادي، أصبح المكتب يمتلك الموازنة اللازمة لإصدار تقارير حول بيانات (المدخلات والمخرجات)، بما فيها: إجمالي المخرجات، كل ثلاثة أشهر، وقد بدأ بذلك فعليا قبل العام 2014؛ وهذا يعتبر اختراقا عظيما تطلب تعاون عدة جهات، ومنها: مكتب الإحصاء، ومكتب بيانات العمل الإحصائية، ومجلس الاحتياطي الفيدرالي، وغيرها من الوكالات الحكومية.

أوجه الجدل حول هذه الأداة الإحصائية الجديدة

برز خلال الأعوام الماضية عدد من الاعتراضات بشأن استخدام إجمالي المخرجات (GO) أو إجمالي الإنفاق المحلي (GDE)، حيث يركز الخبراء الاقتصاديون خصوصا على مشكلة (العدّ المتكرر) المزعومة في هذين المقياسين، ولقد كنت أنا أول من لاحظ بأن هذين المقياسين يتضمنان (عدّا متكررا)، فهم يسألون: السلعة تباع غالبا بشكل متكرر وهي تنتقل عبر مراحل (الموارد، والإنتاج، والبيع بالجملة والتجزئة)، فلماذا لا نكتفي بقياس القيمة المضافة في كل مرحلة عوضا عن تكرار العدّ؟ فمقياس الناتج المحلي الإجمالي (GDP) يلغي العد المتكرر ولا يقيس غير القيمة المضافة في كل مرحلة.

هنالك عدة أسباب تدعو إلى عدم تجاهل (العدّ المتكرر) واعتباره ميزة ضرورية تساعد على فهم الاقتصاد بشكل عام؛ فكما يعلم المحاسبون والخبراء الماليون، يعتبر (العدّ المتكرر) أمرا لا غنى عنه في الاستثمار، إذ لا يمكن لأي شركة أن تعمل أو تتوسع على أساس القيمة المضافة أو الأرباح وحسب، وإنما يجب عليها أن تجمع رأس المال اللازم لتغطية إجمالي تكاليف الشركة (الأجور والرواتب، والأجور، والفائدة المصرفية، والأدوات والمعدات الرأسمالية، والمعدات والسلع غير النهائية). إن مقياسي إجمالي المخرجات (GO) وإجمالي الإنفاق المحلي (GDE) يعكسان عملية صناعة القرار الحيوية في كل مرحلة من مراحل الإنتاج، فهل يمكن للشركات التي يجري الاتجار بأسهمها بشكل علني أن تتجاهل المبيعات والعائدات (الاستثمارية-الاستثمارية) وأن تكتفي بالتركيز على المكاسب عندما تصدر تقاريرها الربع سنوية؟ إن بورصة وول ستريت من شأنها أن تعترض على ذلك، فالمبيعات والعائدات الإجمالية ذات أهمية في القياس على مستوى كل شركة، وعلى المستوى الوطني أيضا.

ولقد وجدت خلال أبحاثي الخاصة بأن مما يثير الاهتمام أن مقياسي إجمالي المخرجات (GO) وإجمالي الإنفاق المحلي (GDE) أكثر تقلبا بكثير من الناتج المحلي الإجمالي (GDP) خلال الدورة الاستثمارية، وكما أوضحنا في الشكل السابق فإن المبيعات والعائدات ترتفع بشكل أسرع مما يحدث مع الناتج المحلي الإجمالي خلال التوسع، وتنهار خلال التقلص (هبطت تجارة الجملة بمقدار 20% في العام 2009، وانخفضت تجارة التجزئة أكثر من 7%). ويجب على خبراء الاقتصاد أن يستكشفوا معنى هذا السلوك الدوري كي يتمكنوا من الخروج بتوقعات وتوصيات سياسية دقيقة، فـ(العدّ المتكرر) له دوره المهم.

وهنالك اعتراض آخر يتضمن التعهيد الخارجي وحالات (الاندماج والتملك)، فالشركات التي تبدأ بالتعهيد الخارجي لمنتجاتها تتسبب بزيادة مقياسي إجمالي المخرجات (GO) وإجمالي الإنفاق المحلي (GDE)، بينما تقوم الشركات التي تندمج مع غيرها بإبداء انخفاض مفاجئ، حتى وإن لم يكن هنالك بالضرورة أي تغير في المُخرَج النهائي (GDP).

إن هذه قضية شرعية، وهنالك مشكلات ماثلة تحدث مع إجمالي الناتج المحلي، فعندما يقوم مالك المنزل بالزواج من خادمته لن يعود بعدها مجبرا على الدفع لها ولذلك فإن خدماتها لن تعود بعدها مندرجة في إجمالي الناتج المحلي. وغالبا ما يفشل ناشطو السوق السوداء في الظهور ضمن بيانات الناتج المحلي الإجمالي أيضا. ولا شك في أنه إذا تطورت نزعة مهمة في نشاط التعهيد الخارجي أو (الاندماج والتملك) فستنعكس في الحسابات الإحصائية لإجمالي المخرجات (GO) أو إجمالي الإنفاق المحلي (GDE)، لكنها لن تنعكس بالضرورة في الحسابات الإحصائية للناتج المحلي الإجمالي (GDP). ويحتاج الأمر إلى المزيد من التحري لمعرفة مدى جدية هذه المسألة، فليس هنالك حساب إحصائي إجمالي يتصف بالكمال، لكن مقياسي إجمالي المخرجات (GO) وإجمالي الإنفاق المحلي (GDE) يقدمان للجهات التوقعية صورة ماكروية محسنة للاقتصاد.

وفي النهاية يمكننا تلخيص ما سبق بأن إجمالي المخرجات (GO) أو إجمالي الإنفاق المحلي (GDE) يجب أن يكونا نقطة انطلاق في قياس إجمالي الإنفاق في البنية الاقتصادية، كما هو الحال في قياسهما لكل من اقتصاد “الصنع” (الإنتاج البيني) واقتصاد “الاستخدام” (المُخرَج النهائي)؛ وهما يكمّلان مقياس إجمالي الناتج المحلي، ويمكن استخدامهما بسهولة في الحسابات المعيارية للدخل الوطني والتحليل الاقتصادي الماكروي؛ ومن يرغب بمعرفة كيفية ذلك لا بد له من الاطلاع على الطبعة الرابعة من كتابي الدراسي (المنطق الاقتصادي)، والتي صدرت في العام 2014 عن دار النشر (كابيتال برس).

مارك سكاوسين

رئيس تحرير موقع (فوركاستس ستراتيجيس)

زميل رئاسي في جامعة تشابمان

مؤلف كتاب (بنية الإنتاج؛ (1990، 2007]) الذي قدم مفهوم (إجمالي المخرجات) كأداة ماكرواقتصادية ضرورية.

ترجمة: علي الحارس

Share Button

الكاتب: