المبادئ الرئيسية لخلق فرص العمل

emploi liberté justice sociale

تعاني العديد من البلدان من الحاجة الماسة لخلق المزيد من فرص العمل؛ وعلى سبيل المثال: هنالك في الكثير من بلدان الشرق الأوسط أعداد كبيرة جدا من الشباب العاطلين، كليا أو جزئيا، عن العمل. وهذه المشكلة نفسها تصيب اقتصادات بعض دول جنوب أوروبا (كإسبانيا وإيطاليا)، وعلى العكس من ذلك، نجد أن هنالك بلدانا أخرى تقدم أداء أفضل في مجالات التوظيف (كالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا)، فما السبب في ذلك؟

في رأيي أن السبب الرئيسي يكمن في سعي الكثير من الحكومات خلف سياسات لا تؤدي إلى خلق فرص العمل في القطاع الخاص؛ وهي قد تسعى أحيانا خلف سياسات سيئة مدفوعة بأسباب حسنة النية، ومنشأ ذلك: فشلها في فهم السياسات الصحيحة التي يجب اتباعها؛ أما في الحالات التي تكون فيها الأسباب سيئة النية، فإن السياسات الاقتصادية تكون مصممة على نحو مقصود لتفضيل زمرة حاكمة قليلة العدد على حساب المواطنين بشكل عام.

تعقيد البنى الاقتصادية

الكون حيز مكاني معقد، لكن علم الفيزياء يسهّل علينا فهمه، فمن بين البيانات المتناثرة حولنا يقوم علم الفيزياء باستخلاص المبادئ الرئيسية، من أمثال: مبدأ هايزنبرغ في اللايقين، ومبدأ انحفاظ الكتلة والطاقة، ومبدأ التكافؤ.

وعلى النحو ذاته، فإن البنى الاقتصادية منظومات معقدة، وهي أقل قبولا من الكون المادي للتجارب الخارجية، لكن هذا لا يمنع وجود مبادئ رئيسية تقدم إرشادا واضحا حول أنواع السياسات التي تؤدي إلى أنواع بعينها من النتائج.

وليس هنالك في العالم أية حكومة تقول بأنها ترغب في إيقاف عملية خلق فرص العمل، لكن هذا لا يمنع بعض الحكومات من أن تكون أفضل من غيرها بكثير في خلق فرص العمل لأنها تلتزم بالمبادئ الرئيسية لتحقيق ذلك على نحو يفوق التزام الحكومات الأخرى.

إذا كان من السهل البدء بالأنشطة الاستثمارية، فسنشهد انطلاق المزيد منها

الأنشطة الاستثمارية هي الجهة الأكثر أهمية في خلق فرص العمل، سواء كان ذلك على صعيد العاملين أم على صعيد القواعد التي يطبقها أصحاب هذه الأنشطة بأنفسهم؛ ويبدو من البديهي أنه إذا أراد أحدهم أن يبدأ نشاطا استثماريا ما فيجب على الدولة أن تضع أقل ما يمكن من المعوقات في طريقه؛ لكننا سنلاحظ حدوث العكس من ذلك إذ راقبنا ما يجري على أرض الواقع.

في كتاب (لغز رأس المال) لهرناندو دي سوتو يذكر المؤلف أن فريقه أجرى تجارب عملية في عدد من البلدان لمعرفة عدد التراخيص المطلوبة لإطلاق ورشة صغيرة لصناعة الملابس توظف عاملا واحدا، والمدة التي يستغرقها الحصول عليها؛ وكانت النتيجة في البيرو، بلد المؤلف، أن التراخيص كانت تتطلب (289) يوما وإنفاق (6) ساعات يوميا في عملية متابعة الإجراءات المتعلقة بإصدارها.

وهنا يبرز السؤال: لماذا تتصرف الحكومات على هذا النحو؟

هنالك العديد من الأسباب: منها الجيدة، ومنها المضللة، ومنها الشنيعة؛ وعلى سبيل المثال:

  • • الأسباب الجيدة: إنني لا أرغب بأن يجري لي العملية الجراحية طبيب لم يتلق التدريب اللازم، فتضمن لي الحكومة أنها تشرف في نهاية المطاف على خطة يطبقها أصحاب المهن الطبية تقضي بوجود مؤهلات مسبقة لدى من يحق لهم ممارسة الجراحة في بريطانيا.
  • • الأسباب المضللة: الكثير من الولايات الأمريكية (كولاية كنتاكي) تفرض الضوابط التنظيمية على من يرغب العمل في مجال الحلاقة، أما في بريطانيا فهنالك خطة للتسجيل الطوعي في هذا المجال، لكن نقابة الحلاقين ترغب في جعل هذا التسجيل إجباريا. وفي الوقت الحالي، يمكن لأي شخص أن يدعو نفسه محاسبا أو مستشارا ضريبيا في بريطانيا، لكن هنالك دعوات لا تنقطع تطلقها النقابات المهنية ذات العلاقة للتعبير عن رغبتها بأن تقوم الدولة بإيقاف عمل المحاسبين والمستشارين الضريبيين ممن لم يحصلوا على التدريب المناسب. وليس هنالك أي مهنة تعبر بصراحة عن رغبتها بتقليص دائرة التنافس وخفض عدد الداخلين الجدد كسبب لما ترغب به من قيود تنظيمية، فهي تلجأ دائما إلى الادعاء بأنها لا تريد من وراء ذلك إلا حماية عموم الناس وحسب.
  • • الأسباب الشنيعة: من الملاحظ في الكثير من البلدان أن الحكومة تقع تحت سلطة عصابة من اللصوص، كما كان عليه حال تونس قبل الربيع العربي؛ وهذه الحكومة تعمل على ضمان أن تحصل القلة المفضلة، وحسب، على التراخيص اللازمة لإدارة الأنشطة الاستثمارية، فتحصل بفضل ذلك على أرباح احتكارية يتشاركها أصحاب الاستثمارات وأرباب الحكم.

وصفات للسياسات الحكومية

يجب على الحكومة أن تقوم بمراجعة جديدة لكل الضوابط التي تنطبق على كل المهن والأنشطة الاستثمارية، وذلك دون النظر إلىالسجل التاريخيلهذه الضوابط؛ وفي رأيي أن هذه المراجعة ستتمخض عن هيكلية واضحة للمقاربات السياساتية، وذلك على النحو الآتي:

  • عدم وجود أي ضوابط على الإطلاق: تطبيق قاعدة (فليحترس المشتري)، فمن لم يرضَ بما اشتراه يمكنه مقاضاة البائع، ويتمثل دور الدولة هنا في جعل محاكم الدعاوى الصغيرة تتسم بالسرعة وانخفاض التكلفة.
  • الضوابط التنظيمية المتعلقة بالإفصاح عن المعلومات: فالقانون يلزم الجهات الدائنة، على سبيل المثال، بنشر ما ستحصل عليه من السعر السنوي للفائدة؛ وفي هذا النوع من الضوابط يبقى القانون على امتناعه عن تحديد من يمكنه الدخول إلى الأنشطة الاستثمارية، لكنه يشترط أيضا قيام هذه الأنشطة بالإفصاح عما يطلبه الزبون من معلومات محددة.
  • الضوابط التنظيمية التي تلزم بالحصول على التأمين: الدولة توفر للزبون الحماية من خلال ضمانها له بأن لا تكون الأنشطة الاستثمارية مجرد بنى شكلية، فهنالك حجة منطقية تبطن اشتراط حصول الحلاقين على تأمين للمسؤولية القانونية، مما يجعل من مهمة شركات التأمين أن تستبعد المخاطرات التجارية المتسرعة.
  • الضوابط الرسمية: قد تكون الضوابط التنظيمية ضرورية في بعض الحالات، كما هو الحال في عمل المحطات النووية لتوليد الطاقة أو العمليات الجراحية؛ وينطبق هذا المبدأ في أقوى تطبيقاته عندما لا يكون التعويض المالي كافيا لوحده، أي: عندما يكون الناس معرضين لخطر الموت أو الإصابات الخطيرة بسبب هذه الأنشطة الاستثمارية.

عندما يسهل تسريح العامل يسهل توظيف المزيد من العاملين

تتفشى في بعض أجزاء أوروبا القارية مستويات عالية من بطالة الشباب، وأنا أعتقد بأن السبب الرئيسي يكمن في الخطر الشديد الذي ينطوي عليه التوظيف، ففي العديد من البلدان الأوروبية تقف صعوبات جمة أمام تسريح العامل، كما إن التعويض الذي يجب أن يحصل عليه بعد تسريحه يصل إلى مبالغ مرتفعة يجعل الأنشطة الاستثمارية تعمل كل ما بوسعها لتتفادى ضم عضو دائم آخر إلى صفوف العاملين لديها.

وعلى نحو مخالف، يُلاحَظ بأن تسريح العامل في الولايات المتحدة الأمريكية يتصف، نسبيا، بالسهولة وانخفاض التكلفة، فعندما تتباطأ عجلة الاقتصاد تقوم الشركات هناك بتسريح العاملين لديها، وعندما تتسارع عجلة الاقتصاد تعود هذه الشركات إلى التوظيف. أما بريطانيا فإنها تقف في هذا المجال موقف متوسطا بين الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا القارية.

لماذا تنحو الحكومات الأوروبية هذا المنحى؟

إنني الآن متقاعد عن العمل، وكنت خلال أكثر من نصف حياتي العملية أعمل لحسابي الشخصي كشريك في شركات للمحاسبة، أما في الشطر الآخر من حياتي فقد عملت كموظف لحساب الآخرين؛ وعندما كنت موظفا كنت أفضل دائما الحصول على المزيد من الأمان الوظيفي، وهي نزعة تفرضها الطبيعة البشرية.

أما المشكلة فتكمن في أن العديد من الحكومات الأوروبية تستجيب في الأساس لمصالح من يعملون داخل الشركات، أي: الأشخاص الذين يعملون في الوقت الراهن ويمتلكون حماية قانونية قوية ضد إجراءات التسريح؛ ولذلك فإن إقناعهم بالتصويت لصالح تخفيض سوية هذه الحماية القانونية شبيه بإقناع الأضاحي بالتصويت للقصاب الذي ينحرها.

وعلى الرغم من ذلك، فإن الأنظمة الديمقراطية لا تزال قادرة على إحداث التغيير؛ وعلى سبيل المثال: لننظر إلى إصلاحات هارتز في ألمانيا في أوائل العقد الماضي، والتي حركت عجلة الاقتصاد الألماني. أما على الصعيد البريطاني فلنتذكر كيف تمكنت حكومة مارغريت ثاتشر من إحداث تحول في سوق العمالة البريطانية. وعلى الرغم من ذلك فإن كلتا الحالتين تبينان لنا الصعوبة الشديدة التي قد تكتنف أمثال هذين المسعيين، ومقدار الاستياء الذي يشعر به الناس عندما يرون أن حالهم أصبح أكثر صعوبة حتى وإن كان التغيير مفيدا للبلاد ككل؛فلا يزال بعض البريطانيين يئن حتى يومنا هذا من التغييرات التي أحدثتها ثاتشر وإن كانت تفصلنا عنها عدة عقود من الزمن.

وصفات للسياسات الحكومية

باعتباري من المحافظيين، فإنني أدعو إلى أولا إلى مقاومة الأصوات الداعية إلى المزيد من الحماية ضد إجراءات التسريح من العمل ومعالجة العمالة الزائدة وغيرها، فلا يمكن، ومهما كانت الظروف، أن يُتَّخذ أي إجراء من شأنه تعسير مهمة التخلص من العاملين الذين يقدمون أداء متدنيا أو يزيدون عن الحاجة.

والأمر يحتاج إلى شخص أفضل مني في التلاعب بالألفاظ كي يعثر على طريقة جذابة لعرض مقترح سياساتي يسهل على أرباب العمل تسريح العاملين لديهم! لكن هذا الأمر لا يدحض حقيقة مفادها أنه عندما يسهل تسريح العامل يتوفر المزيد من فرص العمل، وهذه حقيقة يجدر الترويج لها بين الناس.

مثال واقعي لما يحدثه تغيير السياسات الحكومية

تعاني إسبانيا، كما أشرنا في ما سبق، من مشكلة البطالة الشديدة، حيث تفاقمت هذه المشكلة بسبب وجود سوق للعمالة يتكون من طبقتين:

1.عاملين بعقود دائمة لا يمكن تسريحهم إلا بعد تعويضات عالية تفرضها الحقوق القانونية لإنهاء الخدمة.

2.عاملين بعقود مؤقتة لا يتمتعون إلا بحماية قانونية محدودة جدا؛ وقد نشأت هذه الفئة بسبب تردد أرباب العمل في توظيف عاملين بعقود دائمة خوفا من تكاليف تسريحهم. ويغلب على هذه الفئة أنها تتكون من الشباب بشكل رئيسي، وأنها أول من يتعرض للتسريح عند تباطؤ عجلة الاقتصاد.

وفي العام (2012) أصدرت إسبانيا إصلاحات لتخفيض مستوى حقوق العمالة الدائمة؛ وقد جاء في أحد تقارير منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي (OECD) تقييم أولي لهذه الخطوة، حيث ورد فيه: “أدى الإصلاح أيضا إلى تشجيع الشركات على توظيف المزيد من العاملين بعقود دائمة، ووصلت نسبة هذه العقود إلى (30%) في المتوسط، وذلك على الرغم من أن تأثير هذا الإصلاح على التوظيف في مجال العقود المؤقتة يبدو أنه محدود أكثر. وبفضل هذا الإصلاح أصبح كل شهر يشهد خلق حوالي (25,000) وظيفة إضافية جديدة بعقود دائمة، وهذه الوظائف الجديدة كان معظمها ضمن شركات يقل عدد العاملين فيها عن المئة، وذلك وفقا لتقديرات منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي”.

محمد أمين

رئيس المنتدى الإسلامي المحافظي (بريطانيا)

محاسب ومستشار ضريبي قانوني

ترجمة: علي الحارس

Share Button

الكاتب: