انصهار الآفاق وصراع التأويلات

قضايا-اسلامية-معاصر

تواصل مجلة قضايا إسلامية معاصرة تطلعها الصبور لصناعة آفاق جديدة للتفكير الديني في الاسلام؛ بجدية وثقة وشجاعة. عبر اجتراح أسئلتها غير المكررة، وانشغالها في اللامفكر فيه في التفكير الديني، واقلاعها الجسور عن هموم الماضي وانشغالاته. ففي عددها الجديد 61 – 62 “شتاء وربيع 2015″ عالجت: الهرمنيوطيقا وتفسير النصوص الدينية (4)، ومع تكريسها ثلاثة أعداد سابقة للموضوع ذاته، ووعدها بالاستمرار في تغطيته أيضاً في عددها القادم، غير انها أدركت ان الأزمة العميقة لعالم الاسلام اليوم ترتد الى ما تزخر به المدونة الفقهية من فتاوى واجتهادات تنتمي الى عصور أحكام السبي والاسترقاق والاماء والجواري، والتكفير والارتداد، وأحكام أهل الذمة ونظام الملل “العثماني”، وحروب المذاهب، وصراعات الفرق والطوائف، والبنية التحتية والمرجعيات التي تستقي منها تلك الفتاوي. عملت هذه المجلة منذ صدورها قبل 19 عاماً، على فتح نوافذ ضوء في الجدران المتصلبة والانتقال: من التفكير الديني القديم الى فلسفة الدين، ومن علم الكلام القديم الى علم الكلام الجديد، ومن آليات وأدوات النظر الفقهي القديم إلى توظيف مناهج التأويل الجديدة في تفسير النصوص الدينية، بغية الدفاع عن الدين والايمان بلغة العصر ومنطق معارفه وعلومه، واخراج المسلم من معاركه المتلاحقة مع العصر ومعطياته المتنوعة.

تصدرت العدد كلمة التحرير لاستاذ كرسي اليونسكو في جامعة الكوفة في العراق د. حسن ناظم، الذي تولى وزميله د. علي حاكم تعريب كتاب غادامير “الحقيقة والمنهج”، والذي هو أخصب عمل في أنجز في الهرمنيوطيقا في القرن الأخير. شدّد حسن ناظم في بحثه الموسوم: “تأويلية الفهم” على أن “الفهمَ تأويلٌ دائماً، ومن هنا فإن التأويلَ هو الفهمُ بشكله الصريح”

حسبما اكتشف غادامير.

يسلّطَ ناظم في سياق (بحثه الضوءَ على بعض مشكلات الممارسةَ التأويلية عبر “الفهم”، وثمة ظروف تحفّ بنا تجعلنا نسلّط الضوء على “الفهم” الذي يحدّد وجودنا ومواقفَنا؛ لأنه من “الفهم” نفسه نحن ننطلق في ممارسة الوجود، ليس فقط على صعيد مواقفنا النظرية وآرائنا الفكرية، بل على صعيد أفعالنا الموجّهة من هذا “الفهم” نفسه بعد أن يُحكم قبضتَه علينا. هذا “الفهم” منغزر فينا، كامن في ذواتنا على هيأة “أحكام مسبقة”, وكلاهما، “الفهم” و”الأحكام المسبقة”، يشكّلان بعضَهما بعضاً، وكلاهما يوجّهان تأويلَ النصوص).

وفي حوار مطول مع المفكر المعروف د. طيب تيزيني، حاوره فيه مدير تحرير المجلة: محمد حسين الرفاعي. يكشف تيزيني عن أن وظيفة الهرمنيوطيقا تتمثل في؛ انها تكشف عن الذاتية التأويلية، حيث تدخل ذوات البشر في الموضوعات التي تواجهها. وان الدائرة النصية التي ينطلق منها الباحث، من أجل الذهاب إلى النص تتسع عمقاً وسطحاً، وتشتمل على حقول معرفية مختلفة خمسة:حقل تاريخي وتراثي زماني، حقل سوسيوثقافي، حقل إثني، حقل جغرافي مكاني، وحقل جغرافي سوسيوإقتصادي. مع إضافة دائرة سادسة محتملة، هي ذات البعد الثقافي السيكولوجي. ويلاحظ أن تلك الدوائر الخمس تتداخل فيما بينها؛ إحتكاكاً وتفعيلاً، أو تهميشاً، أو تأجيجاً، أو تفضيلاً لواحدة أو أخرى على الأخريات.. إلخ. إن ذلك تضبطه حيثيات الذهاب إلى النص الديني. وماينبغي التنويه به هنا هو أن النص القرآني ترك مساحة أو مساحات متحركة، بحيث يمكن القول بأن النص المذكور أدرك خصوصية “الإرسال والتلقي”، فأنت تتلقى الرسالة النصية المقدسة، وتنتج إجابتك سلباً أو إيجاباً، أو بطريقة إيجابية سلبية، وفق ماتقتضيه ثنائية المعارف والمصالح، أو بحسب ما تمليه الدوائر الخمس المذكورة، وما يترتب على العلاقات الإيجابية أو السلبية القائمة بينهما. وقد أسس النص القرآني في بنيته، كما في وظائفه ورسائله، لمثل تلك التعددية المتمثلة بالدوائر الخمس أو الست، كما بثنائية المعارف والمصالح. أسس النص لإحتمالات وإمكانات التغاير في إستيعابه، حيث أشار إلى أن”الناس أجناس”، وأن أفهامهم لا تمثل خطاً واحداً غير قابل للتساؤل، فأتى ذلك بوضوح وبمواقع متعددة منه، كما في الآية: “ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة”؛ “لكم دينكم ولي دين”؛” لو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً؛ أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين”؛ “لا إكراه في الدين، قد تبين الرشد من الغي”؛ “فذكر إنما أنت مذكر، لست عليهم بمسيطر”.. إلخ. إن ذلك أسس لقاعدة تبنى عليها إحتمالات الحوار والتآخي والصراع، مما لم يكتف بالتأكيد على الإستمرار في فتح النص ضمن الدوائر الخمس الثنائية بين المعارف والمصالح، وفتح جيوب أخرى جديدة عمقت مفهوم “النص المفتوح”، في ضوء القراءة والتفسير والتأويل. يشير د. تيزيني الى امكانية إعادة قراءة الأديان بمزيد من العمق، في كونها هُوية البشر، وأسس قيمها الأخلاقية، وذلك على نحوٍ يلبي التحولات العظمى، التي تطرأ الآن على مفهوم ” القراءة ” الأكثر عمقاً في عصرنا. ومن شأن هذا أنه يساعد المسلمين والمسيحيين خصوصاً على اكتشاف مزيد من العمق في فهم الدين في المسيحية كما في الإسلام. وواضح ان الإمعان في التعمق بالأديان، وفي إحترامها الكبير، سيوسّع دائرة التعددية والتسامح والوسطية. وهذا يعني إدراكاً معمقاً لضرورة وضعها محترمةً مع أنماط التفكير البشري الأخرى، مثل العلوم بمختلف تجلياتها وخصوصاً منها العلوم الإجتماعية والإنسانية.

يكتب المفكر التونسي د. عبد المجيد الشرفي مدخلاً لدراسة قضية اشكالية هامة تتناول: نشأة وتطور عقيدة التوحيد. فيشير الى أنّ القضيّة اليوم، أنّ الأقنعة الغيبيّة والدينيّة بصفة عامّة، التي كانت تغطّي المؤسّسات الاجتماعيّة قد سقطت الواحد تلو الآخر، بفضل الاكتشافات المهمّة في علوم الإنسان والمجتمع خلال القرنين الماضيين، لتكشف الوجه الحقيقيّ لهذه المؤسّسات، فهي هشّة، ونسبيّة، وينبغي بناؤها وتوطيدها باستمرار. وهنا يتحتّم على المؤمن الحصيف والواعي بالتحوّل الجذريّ الطارئ على منزلة الدين في المجتمع، العودة، بشكل ما، إلى إيمان روحيّ وأخلاقي يعطي للتوحيد عظمته، ويبقيه أفقا صالحا في عصرنا، باعتبار أنّنا نشهد اليوم أزمة كونيّة عميقة في القيم، الّتي اقتصرت على البحث عن المادّة والنجاعة، وباعتبار أنّنا نشهد أيضا توظيفا للدين وأدلجة له بشتّى الطرق، وقصره على مجموعة من الإلزامات الشكليّة، وكلّ ذلك بواسطة قراءة حرفيّة للنصوص التأسيسيّة، وتشبّث مرضيّ بالموروث.

وقدّم أستاذ الفلسفة المعاصرة بقسم الفلسفة، في جامعة الكويت د. الزواوي بغوره دراسة تناولت: التأويل المنهجي والموقف من المنعطف اللغوي. وأوضح أن الموضوع الذي يعنينا بحثه هو تعيين منزلة اللغة في الفلسفة التأويلية، وبيان حدودها، وبخاصة أن هذه الفلسفة التأويلية تستمد قوتها المعرفية من علم لغوي ظهر في القرن الثامن عشر وما يزال يقدم الكثير من الفتوحات ونعني بذلك، فقه اللغة.كما تعتمد على تجربة تاريخية وثقافية غنية، عرفتها ألمانيا في العصر الحديث وتجسدت في الإصلاح الديني، وتعمقت تحليلاتها بما زودتها الفلسفة الظواهرية من تقنيات وطرائق، علما أن الظواهرية فلسفة في اللغة والمعنى بالدرجة الأولى، وأن الصراع والسجال مع المدرسة التحليلية والمنطقية الانجلوسكسونية، دفعها إلى تجديد طرائقها وتعميق قضاياها. وتحقيقا لذلك، فإننا سننظر في عنصرين متكاملتين هما المسار التاريخي للتأويلية، والمسار الفلسفي الخاص بالفيلسوف الفرنسي بول ريكور، وما قدمه على صعيد التأويل واللغة.

وتناول أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية د. وجيه قانصو دراسة تحليلية لـ” النص الديني ورهانات المعنى السياسي”. وان معنى النص نتاج عملية احتكاك شخصية أو جماعية للنص. ذلك أن النص لا يملي معناه الخاص، لأن هذا المعنى ببساطة غير موجود وجوداً خفياً وكامناً قبل عملية القراءة، بل يتشكل تدريجياً أثناء عملية القراءة، وتكتمل حقيقته التصورية مع نهاية فعل التلقي واكتمال عملية الفهم، والتي يسهم فيها النص والقارئ معاً، وفق شروط تلق خاصة. فلا ينتجه كل من النص والقارئ بشكل مستقل عن الآخر، ولا يمليه أي طرف على الآخر بنحو الإرغام، بل هو ثمرة مسار من الإملاء والإملاء المضاد، لكل من الطرفين ضد الآخر، المقاومة والمقاومة المضادة بينهما، إلى أن تستقر المواجهة على تسوية معنى معين أو توازن واستقرار بين قوة الدفع والجذب التي يمارسها كل طرف على الآخر. ولا يستلزم القول بأن النص معرض للإدلاء بمعان متناقضة ومتضاربة أو معانٍ عشوائية، بحكم قابلية النص لكل معنى. فالنص ليس مسؤولا عن أي تناقض أو تعارض يحصل، بل هو أثر من آثار التنوع البشري والتباين المحتمل والممكن بين المتلقين للنص، الناتج عن اختلاف بيئتهم وانتماءاتهم وميولهم الشخصية، إلى ما هنالك من المتغيرات التي لا يمكن حصرها بين الأشخاص والجماعات.كما أن عشوائية المعنى تكون محتملة أيضاً إذا كانت ضوابط فهم النص وقواعد التفكير عشوائية. أي إن العشوائية ليست من توابع النص، بل من توابع عملية التلقي نفسها، إذا كانت محكومة بمزاج عشوائي متقلب، فردي أو جماعي، لا تحكمه قاعدة أو آلية منضبطة.

كذلك تناول أستاذ الفلسفة بالمعهد البابوي للدراسات العربية والإسلامية في روما د. محمد المزوغي ” فلسفة التأويل عند جياني فاتيمو”، وفاتيمو فيلسوف إيطالي لم يترجم إلا القليل جداً من كتاباته بالعربية. يكتب المزوغي: إن أكثر الأفكار التي تُقلق فاتيمو وتثير فيه ردّة فعل متشنجة هي القول بأن الهرمنيوطيقا لها موضوع محدّد، وغايتها هي الوصول إلى الحقيقة؛ بمعنى تطابق ما في الأذهان لما في الأعيان. لم يبق أمام فاتيمو إلاّ تصوّر الهرمنيوطيقا على أنها مِيتَا – نظريّة لكلية الظاهرة التأويلية، كإطلالة من أي مكان على الصراع الدائم للتأويلات، أو على لعبة التأويلات. النتيجة هي أن تقبّل هذا التصوّر يعني اختزال الهرمنيوطيقا في مسألة خيار ذوقي، لا بل ربما لا يتعلق الأمر بخيار، وإنما بتسجيل حالة روحية غير قابلة للتفسير للذات أو الايصال للآخرين. إن كل ما تقدمه الهرمنيوطيقا بشأن موضوعها النظري هو تاريخ، سواء بمعنى “تاريخ أعمال” أو بمعنى “تاريخ أحداث”، أو ربما أيضا بمعنى خرافة، (nel senso di una favola أسطورة، لأن هذا التاريخ يقدم نفسه كتأويل وليس كتوصيف موضوعي لأحداث عينيّة.

كما يكشف أستاذ الفلسفة في كلية الآداب بجامعة القاهرة د. علي مبروك عن المراوغة التأويلية للإسلام السياسي: والانتقال في شعاره “من شمول الإسلام إلى الحاكمية”. إذ يقول مبروك: ان الفكرة الملحة لديهم هي الانتقال من اعتبار السلطة جزءاً من الإسلام إلى اعتبارها جزءاً من الألوهية. لقد أقام “المودودي” بناء مفهوم الحاكمية ـ الذي هو المفهوم الأكثر مركزية في خطابه على الإطلاق ـ على بعضٍ من الأفكار التي استعارها من منظِّر السلفية الأكبر “ابن تيمية”؛ وهي الأفكار التي يبدو أنها قد وصلته عبر الشيخ محمد بن عبد الوهاب، الذي كانت أفكاره قد وفدت إلى شبه القارة الهندية منذ القرن التاسع عشر. وتكاد فكرة “ابن تيمية” التي ميَّز فيها بين توحيد “الألوهية” وتوحيد “الربوبية” أن تكون هي الأساس الذي أقام عليه مفهوم الحاكمية. ويترتب ذلك على حمولة المعنى التي أعطاها “ابن تيمية” لكل واحدٍ من نوعي التوحيد. إذ فيما توحيد الربوبية عنده أن الله هو الحاكم وحده لعالم الكون، فإن المعنى الذي يعطيه لتوحيد الألوهية يشير إلى أن الله هو وحده الحاكم المسيطر في عالم الإنسان. ما يتبناه المودودي من توحيد السلطة يقوم على التسوية بين مجال الكونيات ومجال السياسات، اللذين لا تستقيم التسوية بينهما أبداً. فإن ممارسة السلطة في كل واحدٍ من المجالين لا تتحقق على الشاكلة نفسها أبداً. فإذا كان الله يمارس سلطته في مجال الكون والطبيعة من خلال القوانين والسنن الكونية، فإن هذه القوانين والسنن هي ذات وجودٍ أنطولوجي موضوعي؛ وعلى النحو الذي تكون فيها مستقلةً على نحوٍ كامل عن كل عمليات الفهم. وبعبارة أخرى، فإن ما تتميز به من الوجود الأنطولوجي الموضوعي يجعلها تشتغل دوماً، وعلى النحو نفسه، سواء كانت موضوعاً لفهم البشر أو لم تكن. وإذا كان المودودي يتصور أن الله يمارس سلطته في مجال الاجتماع والسياسة من خلال القوانين التي أنزلها في كتب الوحي، فإن هذه القوانين لا تتميز بالوجود الموضوعي الأنطولوجي نفسه الذي تتميز به القوانين الكونية والطبيعية، لأنها تتبدَّل بحسب أوضاع المُخَاطَبين بالوحي. ولهذا فإن القوانين الموحاة في الكتب المقدسة لا توجد أبداً في استقلال عن عمليات الفهم البشري لها؛ والتي هي عمليات متحولة بطبيعتها. ومن هنا فإن قوانين الاجتماع والسياسة ـ حتى التي نطق بها الوحي ـ تظل قابلة للتبدُّل والتغيير عكس القوانين الكونية التي لا تقبل التغيير والتبدُّل أبداً. وبالطبع فإن قابلية قوانين الاجتماع والسياسة للتغيير والتبدُّل يرتبط بكونها لا توجد في استقلال عن عمليات الفهم؛ وعلى النحو الذي يستحيل معه الإمساك بها في حضورها الإلهي السابق على دخول الفهم الإنساني في تركيبها. وغنيٌّ عن البيان أن دخول الفهم البشري في تركيب هذه القوانين إنما يؤول إلى أن سلطة الحكم بها ـ في مجال الاجتماع والسياسة ـ لابد أن تكون إنسانية في جوهرها. وإذ تكون السلطة في مجال الاجتماع والسياسة إنسانية في جوهرها، فإنه ليس من معنى للقول بإلهيتها إلاّ إسباغ قداسة الإلهي على ما لا يمكن إلاّ أن يكون إنسانياً.

وكتب استاذ السميائيات والتأويليات- جامعة مولاي إسماعيل، الكلية المتعددة التخصصات، الرشيدية في المغرب د. عبدالله بريمي عن ” اللغة نموذج لبلوغ الوعي الهرمنيوطيقي لدى هانز جورج غادامير”، عالج فيها كيف أن النص لا يعدّ محض قطعة من الماضي، بل يظل يتمتع بالمعنى إنتاجا وتداولا كلما تمّت قراءته. ويتم تجاوز المسافة التاريخية بين الماضي والحاضر عبر العلاقة التي يقيمها المؤول مع النص بتوسط اللغة. ولذلك تعدّ اللغة عملا وعنصرا أساسيا في اتصال التراث وربط الماضي بالحاضر. وإن التراث أو التقاليد المكتوبة ليست قطعة جامدة من الماضي، إنها على العكس من ذلك، فهي تشكل امتدادا في الحاضر وتطلّعا نحو المستقبل؛ إنها في عرف گادامير ليست موضوعات قارة تتميز بسكونية بحتة، لا رابط بينها، وإنما هي لغة حية تشعّ بالرموز والمعاني وتختزن كمّا دلاليا هائلا يجسّد استمرار ذاكرة الماضي في الحاضر بحيث تصبح جزءا لا يتجزأ من عالمنا الخاص.

أما أستاذ الفلسفة المعاصرة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة ابن طفيل، القنيطرة د. أحمد الفرحان، فاهتم بـ ” تأويل الحياة الكتابية للذات الاعتقادية عند ريكور”. وشرح إنّ ما يدفعه إلى دراسة كيفية “تأويل الحياة الكتابية للذّات الاعتقاديّة” عند بول ريكور هو الكشف عن نمط وجود الذّات المؤمنة، بوصفها ذاتاً تعتقد في قدرتها على الاستجابة لنداء أعمق، يأتيها من وراء محدوديّة الحجاج الفلسفي في الاستدلال على المعنى التراجيدي للوجود الإنساني في العالم. إنّ الاعتقاد عند ريكور، في نظرنا ومن خلال قراءتنا وتأويلنا لنصوصه، يقف خلف كلّ قدرة للذات على الفعل والمبادرة بما هو إيمان عميق بأنّ القدرة على الإبداع والتجديد ممكنة مادام الذكاء الهرمنيوطيقي في فهم الذات عبر تأويل الوساطات التي تتوسّط فهمها للذات من علامات ورموز ونصوص ممكنة. ولا يتأتى هذا الإمكان إلاّ باغتناء ملكة الخيال من خلال القراءة المبدعة للنصوص، المؤسِّسة لمعنى وجود الإنسان في العالم، وأعظم هذه النصوص وأكثرها خلوداً تبقى الأساطير والنصوص الدينية المؤسِّسة للجماعات البشرية.

وقدّم أستاذ الفلسفة الغربية المعاصرة بجامعة قسنطينة 2، الجزائر د. إسماعيل مهنانة: “مدخلاً إبستمولوجياً لمسألة النص”. أوضح فيه أن مصدر كل معارفنا عن الإسلام الأّول، وحياة النبي مؤسس الديانة، بما في ذلك البحوث الاستشراقية، هو كتب السيرة الكبيرة، التي كتبت في معظمها بعد حياة النبي محمد بأكثر من قرن ونصف، كما أن هذه السير بدورها تتناسل كلها عن بعضها، وتعود إلى سيرة ابن اسحاق في معظمها. إن السيرة هي شكل من أشكال الأدب تشبه القصة والرواية، أكثر مما هي تاريخ علمي، ولهذا فمعظم الأحداث والمواقف والأقوال التي تنقلها يشوبها الخيال الأدبي والشعري، وقد كتبت عادة في ظروف سياسية متباينة، وهذا ما يفسر تباين الروايات، حيث أن أب السيرة كلها كان غرضه تأييد أو تفنيد المواقف السياسية المختلفة للخلفاء ومناوئيهم، بذكر موقف مشابه حدث في حياة النبي، مما يعني أن بعضها اختراعا محضا.

واهتم الباحث المغربي في البلاغة وتحليل الخطاب د. مصطفى الغرافي بـ”قراءة النص الديني

والتأويل بين مطالب العقل وضوابط النقل”. فخلص الى أن كل قراءة للقول القرآني المعجز تظل محاولة تنشد الإحاطة بالمعنى الواحد والمطلق الذي تضمنته “رسالة” السماء إلى الأرض. وبذلك لا تخرج جميع القراءات، مهما اختلفت مشاربها وتباينت مقاصدها، عن كونها سعيا إلى التطابق مع القصد المتعالي والممتنع لخطاب يتميز عن سائر الخطابات الأخرى بأن باثّه ليس له أي حضور مادي. وبذلك تغدو القراءات المختلفة التي أنتجها المفسرون قديما وحديثا أثرا للمعنى. إذ يتعلق الأمر على الحقيقة بمعانٍ تأويلية، ليست قطعا هي المعنى الوحيد المقصود، لأن “معاني القرآن” قابلة للتعدد والاتساع مع الزمن، لكون باثّها يتملك معرفة مطلقة لا حدود لها، تلائم المعرفة الإنسانية في جميع العصور مهما تقدمت وتطورت.

وتناول الباحث المغربي د. العياشي ادراوي “الفعل التأويلي والإنتاج المعرفي”. فأشار الى طبيعة العلاقة القائمة بين الفعل التأويلي من جانب، والبناء المعرفي من جانب آخر؛ استناداً إلى زاويتَيْ نظر مختلفتين متكاملتين، تتمثل أولاهما في اعتبار “كل معرفة تأويلا”؛ ما يعني أن النتاج الفكري والرمزي والثقافي والعلمي، و الحقائق الموصولة به على اختلافها، ذات جوهر تأويلي. ومن ثم لا قيمة لها “في ذاتها” وإنما قيمتها فيما تخضع له من قراءات وتفسيرات وتأويلات. وعلى هذا الأساس يكون المنطلق ـ كما يقول نيتشه ـ” لا توجد حقائق وإنما هناك فقط تأويلات. أما الزاوية الثانية فتتجلى في النظر إلى “التأويل بما هو معرفة”، أي بوصفه مسلكا للحقيقة واليقين، وآلية لبناء الأنساق المعرفية والأنظمة الفكرية. وتبعا لهذا لا يكون النشاط التأويلي أداة هدم ونسف، بل وسيلة بناء معرفي وتوليد دلالي، على نحو ما هو راسخ في تصور الفكر الإسلامي للممارسة التأويلية. وبالنظر إلى ذلك يكون المنطلق أنه “لا توجد تأويلات فقط وإنما هناك حقائق أيضا”. الأمر الذي يفضي إلى وجود أنموذج معرفي قابل للاتساع والامتداد، والانفتاح والتجدد، بحسب تجدد الظروف التاريخية والسياقات الاجتماعية، وبحسب تغير الشروط الفكرية والثقافية التي تفرض، في الغالب، أسئلة جديدة ومتطلبات مغايرة، تُوجب مراجعة المنجز، وإعادة النظر في المتحقق، وفق عقل تأويلي استفهامي، ورؤية تصحيحية تجاوزية.

وواصل المترجم العراقي المقيم في سويسرا د. أسامة الشحماني تعريب الخطاب الثالث من كتاب شلاير ماخر عن الألمانية. وأشار الى أن شلايرماخر في خطابه الثالث يواصل نقده لدخول العقل مجال الدين، وتركيزه على كون الإيمان ضرباً من ضروب الاختلال والانحراف بالأفكار إلى ما لا يحتمله العقل بتقنيته البراغماتية المحكومة بضوابط لا يمكن للدين قبولها. لقد ثبّت شلايرماخر في هذا الخطاب الارتباط الوثيق بين الدين والفن، إذ يقول: “الدين والفن يقفان جنباً إلى جنب، كما ترتبط روحان بعلاقة ودية داخلية، وفيما إذا كانت علاقتهما مشوبة بشيء من الغموض والابهام، ويعاقب فيها كلُّ منهما الآخر، فذلك أمرٌ مجهول بحاجة لأنْ نتمعّن فيه مراراً”. وبناءً على هذا الفهم قوّض شيئاً من المسلمات الفلسفية التي كانت سائدة في التعاطي مع موضوعة الدين، مشيداً فهماً مغايراً للدين ولوجدان المتديّن. وتلك واحدة من الأفكار التي أدخلت شلايرماخر فيما بعد في جدل ونقاشات حامية الوطيس قادته لأن يدافع عنها في كتابه “المناجاة” مفصلاً فيه ما أجمله في هذا الكتاب.

وكعادتها نشرت المجلة في باب “أفكار للمناقشة” مرافعة هامة بين باحثين متخصصين في فلسفة صدر المتألهين الشهير بملا صدرا الشيرازي. الأول لا ينفي عن الشيرازي الانتحال وسلخ آثار ونصوص من فلاسفة آخرين، والثاني ينقد ذلك، ويسعي للتدليل على عدم صحته.

فقد ذهب د. حسن اسلامي الى أن هناك افراطا وتفريطا في الحديث عن الشيرازي. فمثلاً كتب علي أصغر حلبي: (لا تكمن أهمية فيلسوفنا في تأليفه كتابا ضخما بحجم الأسفار، وإنما تكمن أهميته في بيان بضعة مسائل بديعة، لا يتجاوز بيانها أربعين صفحة، ولو أن هذا الرجل العظيم قد اكتفى بطرح هذه الأفكار في رسالة مختصرة، لكفى نفسه وكفانا مؤونة قراءة موسوعاته).كما نقل اسلامي قولاً يبالغ في قيمة منجز ملا صدرا، إذ يكتب رضا نجاد بأن: الذي لم يغترف من معين الفلسفة الصدرائية غرفة، فهو خارج عن دائرة الإنسانية، معتبرا جميع أفكاره فاقدة للقيمة. (وفي عصرنا الراهن إذا قدر لفيلسوف أن يحيط علما بجميع الفلسفات الشرقية والغربية، ولم يستنشق عبير الجنة من الأسفار الأربعة، وسائر مؤلفات صدر المتألهين، لن يكون في واقع الأمر واصلا إلى عمق الفلسفة، وعاش حياة بائسة ووضيعة).

لكن الباحث أكبر ثبوت دافع عن اتهام الشيرازي بالانتحال في بحث ناقش فيه ما أورده د. اسلامي. وأخير رد الأخير على ثبوت مفنداً دفاعاته.

يتضن العدد أيضاً مراجعة لكتاب “الايمان والتجربة الدينية”، اعداد وتحرير: د. عبدالجبار الرفاعي. وهو الجزء الثاني الذي صدر حديثاً من؛ “موسوعة فلسفة الدين”.وفي الختام تضمن العدد نقداً للعدد الماضي، أعده د. قحطان جاسم.

هذا عرض مقتضب سريع لمواد المجلة، التي تقع في 400 صفحة، ولا شك في انه لا يغني عن مطالعة للموضوعات الغنية المتنوعة التي استوعبها العدد.

Share Button

الكاتب: