التيار العالمي المناهض لليبرتارية.. التحدي القديم الجديد

IMG_3658

ثمة شبح يداهم العالم، شبح الحركات المتطرفة المناهضة لليبرتارية التي تتقاتل في ما بينها وكأنها عقارب في زجاجة، وتتنافس جميعها لنيل قصب السبق في هدم مؤسسات الحرية. بعض هذه الحركات يجد موئلاً له في الجامعات والمراكز البحثية النخبوية، وبعضها يستمد قوته من الغضب الشعبوي، لكن النسختين اليسارية واليمينية للحركة المشتركة المناهضة لليبرتارية مترابطتان على نحو يغذي فيه أحدهما الآخر: فكلاهما يبديان رفضاً صريحاً للحرية الفردية وحكم القانون والحكومة المحدودة وحرية التبادل التجاري، وكلاهما يروّجان لبدائل متطرفة من سياسات الهوية والسلطوية، على الرغم من أن هذه البدائل تتغاير تغايراً صارخاً بتغاير الحركات التي تروج لها.

لا شك في أن هذه الحركات خطيرة، ويجب عدم التقليل من شأنها؛ فهي، وإن تنوعت أقنعتها، تشترك في تحديها للقيم والمبادئ الليبرتارية على امتداد المعمورة، وخصوصاً في أوروبا وأمريكا وبعض أنحاء آسيا، لكن آثارها تنتشر في كل مكان. إن هذه الحركات تشترك في رفضها الجذري للأفكار التي تؤمن بالعقلانية والحرية وحكم القانون، وهي أفكار كانت المحرك الذي زوّد التجربة الأمريكية بالطاقة منذ تأسيسها، بل إنها أساس مسيرة الحداثة في الأصل. إن من يفضلون الحكم الدستوري على الحكم الدكتاتوري، والأسواق الحرة على المحاباة أو الدولانية الاشتراكية، وحرية التجارة على الاكتفاء الذاتي، والتسامح على القمع، والتناغم الاجتماعي على العدائية اللاتصالحية، يجب على هؤلاء أن يستيقظوا من سباتهم، لأن قضيتنا وازدهارنا وما يتولد عنه من سلام قد وقعت تحت طائلة خطر قاتل.

التهديدات الثلاثة

هنالك في الأفق القريب ثلاثة تهديدات على الأقل يغذي بعضها بعضاً تقف في وجه الحرية:

1. سياسات الهوية والسياسات الاقتصادية صفرية الحصيلة المعتمدة على النزاع، وما يولّدانه من عدوانية.

2. الشعبوية وما يرافقها دوماً من التشوّق إلى (حكم القوي).

3. الإسلام السياسي المتطرف.

وهذه التهديدات الثلاثة تتشارك منابع فكرية محددة مشتركة، وتشكل شبكة متداخلة يغذي بعضها بعضاً على حساب ما جرى تبنيه من أفكار الليبرالية الكلاسيكية.

وعلى الرغم من أن كل هذه الحركات مشبعة بالمغالطات، وبالمغالطات الاقتصادية خصوصاً، فإنها لا تنشأ عن الافتقار إلى فهم المبادئ الاقتصادية وحسب، كما هو حال الكثير من دعوات التدخل الدولاني، فعلى الرغم من أن معظم تلك الحركات تدعم سياسات (الحد الأدنى للأجور) أو (القيود التجارية) أو (حظر المخدرات) استناداً إلى إساءة فهم لحقيقة العواقب المتولدة عن هذه السياسات، فإن الزعماء الفكريين لهذه الحركات غير الليبرالية ليسوا من الحمقى عموماً، فكثيراً ما تجدهم على فهم جيد بالأفكار الليبرتارية، وتجدهم يرفضونها أصلاً وفروعاً، فهم يعتقدون بأن أفكار المساواة أمام القانون، والمنظومات القانونية والسياسية المستندة إلى قواعد محددة، والتسامح وحرية الفكر والكلام، والتبادل الطوعي بهدف المنفعة المتبادلة (مع الغرباء خصوصاً)، وتساوي الأفراد في الحقوق وعدم إمكانية انتزاعها منهم، يعتقدون بأنها أفكار مزيفة وليست سوى قناع يخفي مصالح شخصية للاستغلال يروّج لها نخب شرّيرة ، وأن من يعتنق هذه الأفكار لا يخرج عن أحد صنفين: فإما أن يكون شخصاً شرِّيراً بطبعه، وإما شخصاً قد غرق في السذاجة حتى أذنيه.

لقد آن الأوان ليدرك دعاة الحرية أن هنالك البعض ممن يرفضون تمتع الآخرين بالحرية (وحتى تمتعهم هم بها) لا لمجرد افتقارهم إلى فهم علم الاقتصاد أو ما يتوقعونه من منافع مادية جرّاء تحطيم مبدأ (حكم القانون)، وإنما لأنهم يعارضون الحرية فكراً وممارسة. إن هؤلاء لا يسعون إلى المساواة أمام القانون، ويرفضون هذا المبدأ ويفضلون عليه السياسات القائمة على مبدأ (عدم تكافؤ الهويات). إنهم لا يؤمنون بحق المرء في مخالفتهم، ولا شك في أنهم لن يدافعوا عن ممارسة المرء لهذا الحق. إنهم يعتقدون بأن التجارة نوع من أنواع المؤامرات. إنهم يفضلون سياسات (الإرادة) على سياسات (العمليات). إنهم سيهاجمون كل من يسيء إلى هوياتهم المقدسة. إنهم لا يريدون الحياة وفقاً للشعار (عِش حياتك ودع غيرك يعِش حياته).

سياسات الهوية

لقد استطاعت الحركة المناهضة لليبرتارية والتسامح على يسار الطيف السياسي أن تنجح، وإن استغرقت عقوداً، في الاستيلاء على جزء كبير من الوسط الأكاديمي في معظم أنحاء أوروبا وأمريكا الشمالية وبلدان متعددة، ويتمثل هدف مسعاها هذا في استخدام يد السلطة الإدارية، وما بيدها من أدوات العقاب والترهيب والإزعاج، لقمع كل الآراء التي تعدها مخالفة لرؤيتها العامة. ويمكنك أن تجد جذور هذه الحركة في كتابات مؤلف ماركسي ألماني اسمه هيربرت ماركوزا، درس في كنف المنظّر النازي مارتن هايدغر، ثم غادر إلى أمريكا حيث حظي بنفوذ كبير لدى اليساريين المتطرفين فيها.

في العام (1965) نشر ماركوزا مقالة بعنوان (التسامح القمعي) حاجج فيها بأن تحقيق الحرية (الحرية كما يراها هو) يستدعي “التخلي عن التسامح في مجال حرية الكلام والاجتماع في ما يخص المجموعات والحركات التي تدعو إلى: انتهاج سياسات عدوانية، أو التسلح، أو الشوفينية، أو التمييز على أساس العرق والدين، أو ما كان منها معارضاً لتوسيع الخدمات العامة أو الحماية الاجتماعية أو الرعاية الصحية أو ما شابه. وعلاوة على ذلك، فإن استعادة حرية الفكر ربما تقتضي فرض محظورات جديدة صارمة على الجوانب النظرية والعملية للمؤسسات التعليمية التي تنتهج أساليب ومفاهيم تؤدي إلى انغلاق العقل ضمن دائرة محددة مسبقاً من الخطاب والسلوك، مما ينتج عنه إلغاء شرط أولي من شروط التقييم العقلاني للبدائل”.

ويعتقد ماركوزا، كما هو حال أتباعه المعاصرين (والذين لم يسمع الكثير منهم حتى باسمه)، بأن “تحرير التسامح، إذن، ربما يعني عدم التسامح تجاه حركات يمينية والتسامح مع حركات يسارية”، واتباعاً لهذا المنهج، فإن من يعبر عن معارضته للأصولية الجديدة يجب إخراسه بصيحات الاستهجان، ومنعه من اعتلاء منابر الخطاب، وإجباره على الانخراط في دورات تدريبية يتعلم فيها مراعاة حساسيات البعض، ومنعه من الكلام، وترهيبه، وتحشيد الغوغاء ضده، وحتى تهديده باستخدام العنف ضده إذا كان ذلك كفيلاً بإغلاق شفتيه. ولنتذكر هنا ما قامت به البروفيسورة ميليسا كليك من جامعة ميزوري حين أغاظها أحد الصحافيين فنادت مؤيديها قائلةً: “من يرغب منكم بإعانتي على طرد هذا المراسل من هنا؟ أحتاج إلى البعض من أصحاب العضلات”، فما حدث حينها لم يكن إلا تجسيداً على الأرض لوصايا ماركوزا.

إن (الصوابية السياسية political correctness) التي مارسها اليسار أفرزت لدى اليمين ردة فعل مناهضة لليبرتارية، فحركات أقصى اليمين التي تحقق مكاسب فعلية في أوروبا، ومعها حركة (اليمين البديل Alt-Right) التي نشأت باندماج الشعبوية والقومية البيضاء في الولايات المتحدة الأمريكية، استطاعت اجتذاب أتباع مقتنعين بأن وجودهم، أو نهجهم في الحياة، يتعرض للتهديد على يد الرأسمالية، والتجارة الحرة، والتعددية العرقية، لكن غضبهم وتحركهم للعمل جاء بسبب الحركات اليسارية المناهضة غير الليبرالية التي هيمنت على الخطاب العام ومارست الإقصاء الفكري بحق مخالفيها. ويمكن القول بأن حركات أقصى اليمين ما هي إلا انعكاس لصورة الحركات التي قمعتها من قبل، فالأحزاب الأوروبية أخذت تعيد الحياة للأيديولوجيات والخطابات السياسية المسمومة التي شاعت في ثلاثينيات القرن الماضي، وفي الولايات المتحدة استمدّ أقصى اليمين حيويته من خلال الالتصاق بالحملة الرئاسية لترامب والتي رفعت شعارات تهاجم التجارة العالمية، وتحطّ من شأن المكسيكيين والمسلمين، وتثير مشاعر السخط على النخب.

إن الدعوة لتشكيل “مناطق آمنة” تتمتع بـ(الصوابية السياسية) مخصّصة للأقليات ما هي إلا انعكاس في المرآة لما يدعو إليه القوميون البيض من تأكيد “الهوية البيضاء” و”الأمة البيضاء”. ولقد صرح جاريد تايلور، عميد حركة الهوية البيضاء، أو ما يدعى (حركة الهوية Identitarianism)، في الولايات المتحدة، خلال حديث أدلى به مؤخّراً لإحدى المحطات الإذاعية بأن “الميل الطبيعي لدى الطبيعة البشرية ميل قبائلي، وعندما يعبّر السود أو الآسيويون أو اللاتينيون عن رغبتهم في العيش مع أناس من بني جلدتهم، فإنهم يعبّرون عن رغبتهم بتفضيلهم لثقافتهم دون غيرها، وتراثهم دون غيره، ولا يقال لهم حينها بأنهم مخطئون في مطلبهم هذا، ولا يتغير هذا الموقف إلا حين يقول البيض بأنهم يفضلون الثقافة الأوروبية وأنهم يفضلون العيش بجانب البيض، فلسببٍ ما، وعلى نحو لا يشمل غير البيض، يعتبر هذا المطلب مغرقاً في اللاأخلاقية”. وهكذا لا تتمخض الجماعاتية إلا عن جماعاتية أخرى.

وفي أقصى اليسار تجد صوتاً مؤثراً لأستاذ الفلسفة سلافوي جيجيك، والذي ذاع صيته في أوروبا أكثر من أمريكا، لكن أتباعه يتزايدون في جميع أنحاء العالم؛ ومما جاء به جيجيك أنه يصرّ على أن الحرية في المجتمعات الليبرالية ليست إلا وهماً، وهو يتمسك بالحبل المشترك الذي يربط بين اليسار غير الليبرالي واليمين غير الليبرالي؛ ومن يتبع أثر هذا الحبل يجد بدايته في كتابات كارل شميت، أستاذ القانون المعتنق للاشتراكية القومية، وهو أحد أعوان مارتن هايدغر، ويُشتَهر بدعوته إلى تقليص التمييز بين التوجهات السياسية إلى فكرة (العدو والصديق) وحسب. ومما يؤكد عليه جيجيك “الأولوية اللامشروطة للعدائية المتأصلة كجزء لا يتجزأ من الكيان السياسي”. إن التناغم الاجتماعي وفلسفات “عش حياتك ودع غيرك يعش حياته” في نظر أولئك المفكرين وأمثالهم ليست إلا وهماً ذاتياً، وليس هنالك من أمر حقيقي في نظرهم سوى الصراع على الهيمنة. وفي الواقع، وبالمعنى العميق للعبارة، فإن الإنسان المتفرّد المكون من لحم ودم لا يؤمن بوجوده هؤلاء المفكرون، فالوجود في نظرهم ليس إلا للقوى المجتمعية أو الهويات، أما “الفرد” فليس إلا تجسيداً للقوى أو الهويات الجماعاتية التي تتعامل بعدائية متأصلة بعضها ضد بعض.

السلطوية الشعبوية

كثيراً ما تتوازى الشعبوية مع الأشكال المتعددة لسياسات الهوية، لكنها تضيف إليها عناصر إضافية، كمشاعر الحقد والغضب تجاه “النخب”، ونظرية غريبة حول الاقتصاد السياسي، والتشوُّق إلى زعيم يستطيع أن يوجّه الإرادة الحقيقية للشعب. ولقد اندلعت حركات شعبوية في الكثير من البلدان، من بولندا واسبانيا إلى الفلبين والولايات المتحدة، ويمكننا أن نجد تعريف (الشعبوية) في كتاب (القناعة الشعبوية) لمايكل كازين حين يقول: “هي لغة يعتقد المتكلمون بها بأن الناس العاديين ما هم إلا تجمّع نبيل لا تقيده الحدود الضيقة للنخبة، وينظرون إلى أعدائهم النخبويين بأنهم يخدمون مصالحهم الذاتية ولا يعتقدون بالديمقراطية، ويسعون إلى تحريك الفئة الأولى ضد الفئة الثانية” ويتمثل التوجه الرئيسي للحركات الشعبوية في اتباع قائد يتمتع بشخصية ذات كاريزما قوية ويجسد بشخصه عموم الشعب ويركّز جهود الإرادة الشعبية.

ومن الثيمات المشتركة بين الشعبويين: السعي إلى تقوية زعيم يمكنه اختراق الإجراءات والقواعد ومنظومة (الضوابط والتوازنات) والحقوق المحمية والامتيازات والحصانات، وبعبارة موجزة: “يمكنه إنجاز المهمة”. ولقد وصف فريدريك هايك في كتابه (الطريق إلى العبودية) قبل سبعين عاماً كيف يشكّل نفاد الصبر إزاء القواعد خطوة أولى في الطريق إلى التوتاليتارية: “إن مطالبة عموم الناس بحكومة مركزية تتصرف بسرعة وحزم هو العنصر المهيمن في الوضع الذي نتكلم عنه، أي: الاستياء من المسار البطيء المرهق للعمليات الديمقراطية التي تعمل وفق مبدأ (الفعل من أجل الفعل). وعندها تكون الجاذبية الكبرى من نصيب الشخص أو الحزب الذي يبدي ما يكفي من القوة والحزم لـ(إنجاز المهمة)”.

لقد استطاعت الأحزاب الشعبوية والسلطوية أن تستولي على الحكم في عدد من البلدان، وهي تعمل حاليّاً على تمتين قبضتها الممسكة بمقاليد السلطة: فهاهو فلاديمير بوتين قد أنشأ حكومة سلطوية جديدة في روسيا تهيمن على جميع المؤسسات المجتمعية الأخرى وتعتمد على قراراته الشخصية الخاصة به، ولقد تمكن بوتين ودوائر المحاباة المحيطة به من الاستيلاء المنهجي الكامل على وسائل الإعلام، واستخدمها لتوليد شعور عميق بتعرض البلد للحصار، وأن الثقافة الروسية العظيمة الفريدة تحيط بها تهديدات الجيران، وأنه لا يمكن الدفاع عن روسيا إلا باليد الحديدية للزعيم.

وفي هنغاريا حصل حزب فيدس على أكثرية الثلثين في البرلمان بعد انتخابات العام (2010)، فبدأ يسعى إلى مأسسة تحكمه بكل أجهزة الدولة من خلال الاستعانة بالموالين الذي ينظرون إلى زعيم الحزب، فيكتور أوربان، كمخلِّص قومي، وذلك على الرغم من أن هذا الزعيم أطلق أجندة يتزايد عداؤها لليبرتارية يوماً بعد يوم، إذ إن قوامها: التأميم، والمحاباة، وفرض قيود على حرية التعبير، فأعلن “إننا ننسلخ عن الدوغمات والأيديولوجيات التي تبنّاها الغرب، وننأى بأنفسنا عنها، [...] كي نبني دولة جديدة على أسس قومية غير ليبرالية ضمن إطار الاتحاد الأوروبي”. ولا بد للقارئ هنا أن يفهم عبارة (الاتحاد الأوروبي) في كلام أوربان بأنها تعني: (مموَّلة بأموال دافعي الضرائب من دول أخرى).

بعد فوز حزب فيدس في العام (2010) هلّل لهذا الفوز ياروسلاف كاتشينسكي، زعيم حزب (القانون والعدالة) البولندي، وهو حزب قومي يعادي اقتصاد السوق، وصرّح كاتشينسكي بأن أوربان، القومي الشعبوي الذي يمارس استراتيجيات المحاباة، يشكّل “مثالاً للكيفية التي يمكننا أن نربح بها الانتخابات”؛ فتدبّر كاتشينسكي عملية للمزج بين سياسات الهوية والشعبوية لإسقاط حكومة يمين الوسط وما ترعاه من اقتصاد متنامٍ، وبدأ بتطبيق أشكال من الإجراءات الشعبوية والحمائية ثبت في وقت سابق ما تتسبب به من أضرار للازدهار. وإذا اطلعنا على نسخة العام (2016) من (مؤشر الشعبوية السلطوية) الذي يصدر عن (معهد تيمبرو) السويدي ذي التوجهات الليبرالية الكلاسيكية، فسنجد أنه يخلص إلى نتيجة مفادها أن “الشعبوية ليست تحدّياً مؤقتاً، بل هي تهديد دائم” يهدد أوروبا المعاصرة، وهذا يشمل يمين الطيف السياسي ويساره على حدٍّ سواء.

أما بوتين، رائد الموجة السلطوية، فلقد صبّ مئات الملايين من الدولارات في الترويج للشعبوية المناهضة لليبرتارية في أنحاء أوروبا، واعتمد في مسعاه هذا على إمبراطورية إعلامية معقدة موجهة للعالم بأكمله، بما في ذلك وكالتا (آر تي) و(سبوتنيك نيوز) بالإضافة إلى شبكة من منابر الاستهزاء والاستفزاز على شبكة الانترنت والمواقع الإلكترونية المصممة لغاية محدّدة. ولقد وضّح الإعلامي الروسي الرائد بيتر بوميرانتسيف، في كتابه (لا شيء حقيقي وكل شيء ممكن) بأن “الكرملين يبدّل الرسائل الإعلامية التي يوجهها كما يشاء بحسب مصالحه [...]: فيغري اليمينيين الأوروبيين برسائل مناهضة للاتحاد الأوروبي، ويجتذب أقصى اليسار بقصص حول مقارعة الهيمنة الأمريكية، ويقنع المحافظيين المتدينين في أمريكا بأن الكرملين يحارب الجنسانية المثلية”. وهكذا تعمل هذه الإمبراطورية الإعلامية على توليد سحب من الكذب والتشهير وإنكار الحقائق وما شابه من أجل تدمير الثقة بالنفس عند من يدافعون عن مؤسسات الليبرالية الكلاسيكية. إنها بحق: هجوم مابعدحداثي على الحقيقة في سبيل خدمة الدكتاتورية.

ما الذي يطلق شرارة السلطوية؟

الحركات السابقة وأمثالها لا تنتج عن الافتقار إلى المستوى التعليمي الكافي وحسب، وإنما هي ذات طبيعة أيديولوجية عميقة، فهي تعتنق الجماعاتية وترفض الفردانية والقواعد الدستورية. وهنا يبرز السؤال: ما الذي أدى إلى حصول هذه الحركات على شعبية هائلة بشكل سريع؟

إن الأبحاث الحالية تشير إلى أن ردود الفعل السلطوية تنقدح شرارتها عندما يدرك الناس وجود أخطار تحدق بأمنهم الشخصي وبالهوية الجماعية والمكانة المجتمعية، فعندما تبرز هذه التهديدات الثلاثة سويةً، تكون الظروف مناسبة لاندلاع السلطوية.

لقد أعيد تدوير عنف حركات الإسلام المتطرف في آلة وكالات الأنباء التي لا تكف عن العمل ليلاً نهاراً، ليخرج منها وهو يبدو أكثر اتساعاً وشيوعاً مما هو عليه في الحقيقة، وأنه يشكل تهديداً خارجيّاً حتميّاً لا شكّ في أنه يستدعي الحذر. أضف إلى ذلك أن تماسك الجماعة ومكانتها على المحك أيضاً، فالأبحاث التي أجرتها الخبيرة السياسية كارين ستينر تدعم الفكرة التي تقول بأن هنالك ميلاً للسلطوية انقدح بفعل “التهديدات القياسية”، أي: الفهم القائل بأن الآراء التقليدية مهدّدة بالزوال أو أنّ المجتمع لم يعد يتشارك هذه الآراء. إن هذه الحركات وأمثالها تطلق ردّ فعل في صفوف أولئك الذين يميلون إلى أن تتبوأ السلطوية مكانها الفاعل كـ”سلطة تحافظ على الحدود بين شرائح المجتمع، وتفرض العادات المجتمعية، وتعلي من شأن السلطة صباح مساء”. كما إن التهديدات المحدقة بالمكانة المجتمعية تفاقم ردود الفعل السلطوية هذه وأمثالها، إذ يأتي الدعم الجوهري لحركات الشعبوية السلطوية من أوروبا، بالإضافة إلى الهامش المتطرف في حركة ترامب في الولايات المتحدة، وهي شريحة من الذكور البيض ذوي المستوى التعليمي المتدني رأوا بأعينهم مكانتهم المجتمعية النسبية تنخفض بينما ترتفع مكانة الآخرين من الإناث والأجانب؛ ففي الولايات المتحدة لاحظ الذكور من الشريحة العمرية (30-49 عاماً)، ممن يحملون شهادة الدراسة الثانوية أو الشهادات الأدنى، أن نسب مشاركتهم في القوة العاملة تهاوت بسرعة ووصلت إلى حدّ أن أكثر من واحد من كل خمسة أشخاص تجده حتى أنه لا يبحث عن عمل وغادر القوة العاملة كلّياً، فمن دون عمل مربح يلبي الاحتياجات عانى أفراد هذه الفئة خسارة كبيرة في المكانة المجتمعية. وإذا كان من الممكن زيادة المعدل المطلق للمستوى المعيشي للجميع (وقد شهدت العقود الماضية ارتفاعاً دراماتيكياً في المستوى المعيشي والأجور الحقيقية)، فليس من الممكن رفع مستوى المكانة المجتمعية للجميع؛ فإذا ارتفع مستوى بعض الجماعات، فلا بد أن يخفض مستوى جماعات أخرى، ومن ينتمي إلى الجماعات التي ينخفض مستواها والمعرّضة لإغراءات السلطوية فإنه سينجرف بقوة نحو الشخصيات السلطوية التي تقدّم وعوداً بتصويب المسار أو استعادة المجد التليد.

الحركات الإسلامية المتطرفة

إن الحركات الإسلامية المتطرفة تعكس بعض الثيمات التي تتصف بها الحركات الأخرى المناهضة لليبرالية، بما في ذلك: سياسات الهوية (الاعتقاد بأن جماعة المؤمنين في حالة حرب مع الكفار)، ومخاوف السلطوية الشعبوية من التهديدات المحدقة بهوية الجماعة والمكانة المجتمعية، والتحمس للقادة من ذوي الكاريزما ممن يتعهدون بأن “يعود الإسلام عظيماً كما كان”. بل إن الحركات الإسلامية المتطرفة تتشاطر مع أقصى اليسار وأقصى اليمين جذوراً فكرية مشتركة تعود إلى الأيديولوجيا السياسية الفاشية الأوروبية والأفكار الجماعاتية لفكرة “الأصالة”؛ فالحركة الإسلامية الإيرانية التي تمكّنت من إنشاء “الجمهورية الإسلامية” الأولى في العالم الإسلامي تأثرت تأثراً عميقاً بالمفكرين الأوروبيين الفاشيين، وبشكل خاص: مارتن هايدغر، إذ قام أحمد فرديد بالترويج لأفكار هايدغر المسمومة في إيران، وقام مفكر إيراني آخر، هو جلال آل أحمد، بشجب التهديدات الغربية المزعومة للهوية الإيرانية الأصيلة في كتابه (التغريب). وكما أعلن هايدغر بعد انتصار الحزب النازي في الانتخابات، فإن عصر الليبرالية “كان عصر (الأنا)، أما اليوم فقد آن أوان عصر (النحن)”، وأطلقت الجماعاتية المبتهجة وعودها بتخليص الشعب الألماني من “الوجود التاريخي غير الأصيل”، وأن تقودهم نحو “الأصالة”، وهو المسعى الذي يعتنقه المحاربون في سبيل العدالة الاجتماعية، وأنصار الهوياتية في اليمين البديل، والإسلاميون المتطرفون على حدٍّ سواء.

إن هذه التوجهات جميعها يعزّز بعضها بعضاً: فكلُّ واحد منها يشيطن الآخر، وعندما ينمو أحدها ينمو معه الخطر الوجودي الذي يناضل ضدّه الآخرون. ومثلاً: إن نمو الإسلام المتطرف يصب المزيد من الأعضاء في حوزة الأحزاب الشعبوية في أوروبا (وأمريكا)، والعداء للمسلمين واستبعادهم من مجتمعات تلك الأحزاب يزيد من القدرة على حشد الأنصار لدى تنظيم (الدولة الإسلامية) وغيره من التنظيمات. وفي الوقت نفسه، فإن المحاربين في سبيل العدالة الاجتماعية، والذين يحرصون على التزام جانب (الصوابية السياسية)، لا يمكنهم شجب الحركات الإسلامية المتطرفة، فهي في نظرهم ليست سوى ردود فعل من قبل أشخاص غير مسيحيين تعرضوا للاضطهاد الاستعماري على يد الهيمنة المسيحية (أو البيضاء، أو الأوروبية)، بل إن هؤلاء كثيراً ما يتجاوزون العجز عن شجب جرائم الحركات الإسلامية المتطرفة، فتجدهم يصلون إلى حد الترويج لمعاداة السامية أيضاً؛ ولا شك في أن العداء لليهود والرأسمالية تشكّل صفة تثير القلق وتشترك فيها الأصناف الثلاث جميعاً.

الحاجة إلى الدفاع عن الحرية

إن الحركات المتنوعة المناهضة لليبرتارية لا ينمو بعضها على حساب بعض، وإنما على حساب وسط الطيف السياسي، والذي يتكون كما درجت العادة من أعضاء في المجتمع المدني يمارسون التسامح ويزاولون التبادل التجاري ويعيشون، بوعي أو دون وعي، وفقاً لمبادئ الليبرالية الكلاسيكية. ولقد شهد التاريخ حدوث هذه الآلية في عصر سابق، وذلك في ثلاثينيات القرن المنصرم حين تنافست الحركات الجماعاتية في ما بينها لتدمير الحرية بأقصى ما تستطيع من سرعة؛ وادعى الفاشيون حينها أنهم وحدهم القادرون على الوقوف في وجه البلشفية، كما حشدت البلشفية أنصارها لسحق الفاشية، وتقاتل الاثنان، لكنهما كانا يمتلكان من أوجه الشبه ما هو أكثر بكثير مما يمكنهما الاعتراف به.

ومما يؤسف له أن أفضل ما تتفتّق عنه أذهان المدافعين عن المجتمع المدني في الرد على هذه التحديات هو القول النمطي بأن مزيج (الحرية الشخصية، ومبدأ حكم القانون، والأسواق الحرة) يخلق قدراً أكبر من الازدهار وحياة أكثر ملاءمة عند المقارنة بالبدائل الأخرى؛ وهو ادعاء لا شك في صحته، لكنه لا يكفي لتلافي الضربات المدمرة التي يوجهها الثلاثي المناهض لليبرالية: سياسات الهوية، والشعبوية السلطوية، والإسلام المتطرف.

إن (صوابية الحرية من الناحية الأخلاقية) يجب أن تكون مبدأ يُعتنَق، ولا يصدق هذا الأمر في الجدل المباشر مع المناهضين فحسب، بل إنه يجب أن يكون أداة لتقوية المقاومة التي يبديها أنصار الليبرالية الكلاسيكية، وإلا فإنهم سيواصلون الانسحاب. إن الحرية ليست وهماً، وإنما هي هدف عظيم ونبيل؛ والحياة الحرة تتفوق في كل جوانبها على حياة الخضوع للآخرين. وإن العنف والمعاداة ليسا أساساً للثقافة، بل إنهما على النقيض منها.

لقد آن الأوان للدفاع عن الحرية التي تتيح قيام حضارة عالمية توفّر تربة خصبة لنمو الصداقة والأسرة والتعاون والتجارة والمنفعة المتبادلة والعلم والحكمة، وهذه الجوانب جميعها تتلخص بكلمة واحدة: الحياة. ولقد آن الأوان أيضاً لتحدي الحركات الثلاث الحديثة المناهضة لليبرتارية، وكشف ما تتّصف به من افتقار إلى الجوهر.

توم بالمر

زميل أقدم في معهد كيتو

نائب الرئيس التنفيذي للبرامج العالمية في شبكة أطلس

ترجمة: علي الحارس

Share Button

الكاتب: