ظاهرة التطرف العنيف بالمغرب “تهديد حقيقي أم فزاعة مخيفة ”

داعش

حسب تقرير صادر عن المندوبية السامية لتخطيط سنة 2017 فإن عدد الفقراء بالمغرب قد بلغ 2.8 مليون منهم 2.4مليون في القرى و 400 ألف في المدن، أي ما يعادل 4 ملايين نسمة لتكون نسبة الفقر هي 8.2 ٪ ، أما فيما يخص معدل البطالة فقد تخطى 10.2 ٪ في نهاية السنة الماضية و تعرف تفشيا كبيرا في وسط فئة الشباب  . إلى جانب ذلك فالمغرب يعرف العديد من الأزمات و الاحتجاجات ذات الطابع الاجتماعي كحراك الريف بالحسيمة و احتجاجات جرادة و كذلك “ثورة العطش” التي تهدد الجنوب الشرقي للمملكة ، فكل هذه الإشكالات و الأزمات تقتضي إعادة مساءلة “النموذج التنموي” المغربي الذي أقر رئيس الدولة بفشل هذا النموذج الذي احتوى على مجموعة من الإصلاحات و السياسات التنموية التي انتهجتها الدولة مع بداية العهد الجديد . و إن الباحث و المتأمل في مسببات فشل هذا النموذج فسيجدها مركبة و متعددة الأبعاد  فمنها ما هو سياسي ،اقتصادي و اجتماعي و كذلك ما هو ثقافي باعتبار أن الثقافة و القيم و الأنساق المجتمعية و حتى أنماط التدين تلعب دورا كبيرا في نجاح أو فشل النماذج التنموية كما تشير بعض النظريات التي تعتمد على المقاربة الثقافوية في دراسة سبل التنمية

و من بين المعيقات التي حالت بين السياسات التنموية و تحقيق مآلاتها هي “خطر التطرف العنيف ” الذي ضرب المغرب في بدايات الألفية الجديدة بمدينة الدار البيضاء ، و ضل بعدها شبح الإرهاب و إرهاصاته يخيم على المملكة مهددا سلمه الاجتماعي و استقراره الاقتصادي و معرقلا مساره التنموي

فما هي معالم التطرف العنيف بالمغرب ؟ و ما هي مسبباته ؟ و هل هو يشكل تهديدا حقيقيا و عائقا أمام الإصلاحات الاقتصادية الرامية إلى تحقيق نمو و ازدهار اقتصادي أم هو فقط فزاعة مخيفة ؟

لقد مرت ظاهرة التطرف العنيف بمراحل مختلفة في تاريخ المغرب، حيث أصبح يشكل تهديدا حقيقيا عندما أخذ الإرهاب  و التطرف بعدا دوليا و خصوصا بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 بنيويورك و تعرض مجموعة من العواصم العالمية (مدريد ، بروكسل ..) و مدن عربية (جدة ، شرم الشيخ ..) لاعتداءات دامية من طرف جماعات متطرفة كتنظيم القاعدة .            و المغرب لم يكن في منأى عن مثل هذه الهجمات حيث تعرض لها في أحداث دموية يوم 16 ماي 2003 بمدينة الدار البيضاء ، ليجد المغرب نفسه أمام تحدي جديد و مخيف و هو التطرف الديني ، في ضل تنامي مجموعة من التيارات المتطرفة كتيار السلفية الجهادية الذي استطاع أن يستقطب العديد من الشباب ذوي التعليم المحدود و المنتمين إلى الفئات الأكثر هشاشة( كمنفذين العمليات الانتحارية بالمغرب فمعظمهم أبناء منطقة سيدي مومن الذي يستشري فيه الفقر المدقع )

بعد 2011 ، المغرب و التطرففصل جديد 

إبان اندلاع شرارة الانتفاضات العربية ، يعود الإرهاب  إلى المغرب مرة أخرى و لكن في سياق سياسي مختلف ،حيث عرفت مدينة مراكش تفجيرا مخلفا أكثر من 17 قتيل ، لتكون محطة ما بعد “الانتفاضات العربية” فصلا جديدا في علاقة المغرب بالتطرف العنيف .

و لقد ساهمت مجموعة من الصراعات التي اندلعت في منطقة الشرق الأوسط كأحداث الثورة السورية التي عرفت نشوء بعض التنظيمات و الجماعات الإرهابية الحاملة لأفكار متطرفة كالدولة الإسلامية في العراق و الشام “داعش” في استقطاب العديد من الشباب المغاربة للالتحاق ببؤر التوتر.

التهديدات الجديدة

بالرغم من نجاح المقاربة الأمنية و الاستباق ألاستخباراتي في الحد من العمليات الإرهابية إلا أن المغرب لا زال يواجه تهديدات التطرف العنيف كما أشار المعهد الجامعي للدراسات حول الإرهاب الموجود مقره بالولايات المتحدة الأمريكية في تقريره الصادر سنة 2017 ، الذي اعتبر أن ابرز التهديدات التي يوجهها المغرب تتمثل في استمرار أنشطة نشر التطرف عبر شبكات التواصل الاجتماعي و محاولات تأسيس خلايا تابعة ل”داعش” داخل المغرب  حيث تم تفكيك 21 خلية إرهابية سنة 2015 و 19 خلية في سنة 2016 بينما تم تفكيك 9 خليات سنة2017 و 4 خلايا إلى حدود ابريل 2018 حسب ما صرح به عبد الحق الخيام مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية في لقاء مع أحد الصحف الفرنسية (و قد تم تفكيك خليتين إلى حد الساعة ليصل مجموع الخلايا التي تم تفكيكها مابين سنة 2015 و 2018 هي 55 خلية ارهابية معظمها لها ارتباط بتنظيم داعش الذي يعرف انتعاش في منطقة الساحل بعد تراجعه في منطقة سوريا و العراق بعد تلقيه ضربة قاسية في معقله بمدينة الموصل العراقية، و كذلك من بين التنظيمات التي لها علاقة بالخلايا التي تم تفكيكها تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي)

و هذا ما دفع جهات رسمية كالوزارة الخارجية البريطانية  و الوزارة الخارجية الأمريكية  إلى تحذير مواطنيها من زيارة المغرب بحكم ما يعرفه من تهديدات إرهابية التي تتجلى في توالي تفكيك الخلايا النائمة ،  بالرغم من الفعالية التي تتميز به الأجهزة الأمنية المغربية و الاستقرار الذي يحظى به المغرب في محيط إقليمي مضطرب ، و قد عرفت الجزائر أكثر من 1329 عملية إرهابية ، و 578 عملية بليبيا ، 218 عملية إرهابية بمالي ، بينما عرف المغرب  9 عمليات منذ أحداث 11 سبتمبر2001

و من التهديدات الكبرى التي يواجهها المغرب اليوم هي عودة المقاتلين الجهاديين المغاربة من بؤر التوتر و تكوين خلايا ارهابية ، حيث ينقسم هؤلاء إلى صنفين

صنف أول يحمل جنسيات أوربية و قد قررت كثير من بلدان إقامتهم سحب الجنسيات عنهم لتورطهم في اعمال ارهابية و باتوا يشكلون تهديدا للأمن الداخلي، و سيكون أمامهم خيار وحيد هو العودة إلى المغرب باعتبار حملهم للجنسية المغربية لا يسقط عنهم الجنسية المغربية

صنف ثاني التحق بالقتال إلى جانب تنظيمات الإرهاب قادما من مدن المغرب بعد أن جرى استقطابهم و تجنيدهم ، و كثير منهم موضوع بحث قضائي باعتبارهم يقعون تحت طائلة قانون الإرهاب ، الذي يجرم الالتحاق بمناطق التوتر، و يصل أعداد المغاربة الملتحقين ببؤر التوتر 1666 مقاتل ، منهم من توفي في العمليات الانتحارية التي تم القيام بها في هذه المناطق، في حين عاد حوالي 200 شخص إلى المغرب حسب ما صرح به مؤخرا مدير المكتب المركزي للأبحاث القضائية لإحدى المواقع الإخبارية المغربية  و قد تم اعتقال أكثر 815 إرهابيا منذ سنة 2016 إلى سنة 2018 حسب المصدر ذاته 2015

من التهديدات التي يواجهها المغرب كذلك  تهديد “الذئاب المنفردة ” و هم أفراد ليس لهم اي ارتباط تنظيمي و ليس لديهم مصادر لتلقي التعليمات ، ينفذون هجمات إرهابية ضمن إمكانيتهم الذاتية ، متأثرين بدعاية حركات متطرفة أو بناءا على قناعات أيديولوجية أو دينية أو سياسية أو مزيج منها جميعا ، و هنا 3 معايير لإطلاق مسمى الذئاب المنفردة و هي أن تتم عملياته بشكل فردي ، و ألا ينتمي التنظيم إرهابي ، و أن يتم التخطيط للعملية دون تدخل أي عناصر خارجية أو قيادات تنظيمية

و من المناطق التي تشكل تهديدا للمغرب هي المتواجدة بين الحدود المغربية الجزائرية جنوبا ، حيث يتواجد أكثر من 100 انفصالي في ميليشيات البوليساريو ينشطون ضمن حركات إسلامية متطرفة ، و يشرفون على حراسة نقل المنتجات الغذائية و الصحية المزيفة و تسخر عائداتها لتمويل سفر المقاتلين إلى سوريا و تستفيد كذلك من شبكات الاتجار بالكوكايين

مسببات التطرف 

وفق معطيات صادرة عن دراسة تحليلية أنجزتها المديرية العامة للأمن الوطني المغربي حول القواسم المشتركة بين المقاتلين الإرهابيين المغاربة و هي :

مستوى ثقافي و اجتماعي متوسط.

غالبيتهم عاطلون عن العمل و يمارسون مهنا غير مهيكلة.

الغالبية ذات تكوين فكري و ديني محدود و ضعيف.

الفئة العمرية لهؤلاء تتراوح بين 20 سنة و 45 سنة

فظاهرة التطرف الديني هي أزمة مركبة تستلزم استحضار أدوات منهجية علمية لتفكيك الظاهرة و استيعاب أبعادها استيعابا موضوعيا ، حيث سيتم تحليل المسببات من منظور ثقافي ، اقتصادي و اجتماعي

العامل الثقافي

يعتبر التطرف الديني تجليا من تجليات الأزمة الثقافية التي تعيشها المنطقة العربية ، حيث تعتبر بعض الموروثات الثقافية  و الدينية عاملا مؤسسا لنشوء بيئة خصبة للتطرف العنيف تتسم بفكر أحادي لا يؤمن بالتعددية الثقافية و حق الاختلاف

 و يصادر حق الإنسان في اختيار المعتقد و الأفكار التي يراها مناسبة له

و لهذه الظاهرة جذور تاريخية في تاريخ الفكر الإسلامي تعود إلى عهد الخوارج و العديد من الفرق و المذاهب التي رسخت التشدد الديني ، التعصب و العنف في العقل الجمعي العربي ، و كذلك إلى أحداث سياسية حديثة أعطت للتطرف الديني أشكالا مغايرة كالحرب السوفياتية الأفغانية التي عرفت مشاركة العديد من العرب” العرب الأفغان ” التي ساهمت في تشكيل نمط تدين جديد منبثق من أدبيات جماعة الإخوان المسلمين (أفكار السيد قطب و كتابه معالم في الطريق التي نظرت للمجموعة من الأفكار التي تعتبر مؤطرة و مؤسسة للجماعات و الحركات الإسلامية المتطرفة كفكرة “الحاكمية” و “جاهلية المجتمع ” و “جهاد الطلب” ) و منبثق كذلك عن النموذج الوهابي السلفي الذي يدعوا إلى فكرة “الولاء و البراء ” و إلى الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر بالقوة مما جعل هذا النمط من التدين يجتاح العالم العربي الذي يعرف قابلية لانتعاش مثل هذه الأفكار بسبب ما يعيشه من تخلف على مستوى منظومة الأفكار التي تحتوي على أفكار ميتة( بتعبير مالك بن نبي)  مؤسسة للجمود الفكري و الانغلاق و شيوع ثقافة التسليم المغيبة للحس النقدي و الفكر العقلاني

العامل الاقتصادي و الاجتماعي

تعتبر فئة الشباب هي أكثر الفئات الاجتماعية استقطابا من طرف الجماعات و التيارات المتطرفة كما تشير مجموعة من الدراسات و المؤشرات ، و هذا ما كان واضحا في كل الخليات الإرهابية التي تم تفكيكها و كذلك بالنسبة للملتحقين بصفوف داعش فقد كانت تتراوح فئاتهم العمرية مابين 20 و 40 سنة ، و حسب ما صرح به الناطق الرسمي للحكومة المغربية مصطفى الخلفي (خلال الندوة الصحفية التي انعقدت عقب المجلس الحكومي يوم 26/10/2017) أن الشباب المغاربة يعانون من إشكالات اقتصادية و اجتماعية مخيفة حيث تصل نسبة البطالة في وسط هذه الفئة إلى أكثر من 20 في المائة ،

و أن 500 في المائة من الشباب المغربي يشتغلون في وظائف ذات مدخول ضعيف ، و 75 ٪ منهم لا يتوفرون على تغطية صحية ، و تصل عدد المنقطعين عن الدراسة إلى 270 ألف شاب مغربي سنويا

فكل هذه الأرقام تظهر أن وضعية الشباب المغربي الاقتصادية و الاجتماعية مريبة ، تجعل العديد من هاته الفئة أن تكون فريسة سهلة للتطرف و الجماعات التكفيرية ، حيث معظم من لجأ إلى بؤرات التوتر و حتى من نفذ العمليات الانتحارية بالدار البيضاء ينحدرون من مناطق تعرف هشاشة على المستوى الاقتصادي كمنطقة سيدي مومن، و منه نستنتج انه كل ما زاد الفقر و البطالة إلا و عرفت الأفكار المتطرفة توسعا و انتشارا

خاتمة

و يبقى تهديد الإرهاب و التشدد الديني قائما الأمر الذي يقتضي بلورة مجموعة من الحلول المصاحبة للمقاربة الأمنية التي لن تكون لوحدها كافية لاستئصال التطرف الديني و لتجفيف منابع الإرهاب بالمملكة بالرغم من أنها ساهمت في الحد من تشكل الخلايا الإرهابية . فهو ورش يستدعي أن يشارك فيه السياسي و الاقتصادي و المثقف و كل مؤسسات المجتمع المدني لبناء مجتمع حر و مسؤول ينبني على عقد اجتماعي عربي جديد يساهم في ترسيخ قيم التسامح و التعايش و الإيمان بالتعددية الثقافية ، الدينية و السياسية في المخيال العربي الجمعي

Share Button

الكاتب: