أزمة الدولة و النزوع التقليداني في حراك الريف : محاولة فهم

2

     لقد حاولنا في هذا المقال أن نقارب من منظور سوسيولوجي تفهمي بعضا من جوانب و أبعاد الحركة الاحتجاجية بالريف (2016-2017)، و ذلك بناءا على رصد و ملاحظة لعدد من مظاهر “التقليدانية” أو “النزوع التقليداني le traditionalisme” التي طبعت هذا الحراك في مساره و ديناميته. مما ولد لدينا ذلك التساؤل عن الأسباب و المقاصد الكامنة وراء ذلك. و من هذا المنطلق طرحنا افتراضا يربط ذلك “النزوع التقليداني” بأزمة الدولة و مؤسساتها في المغرب. فهذه الأزمة تشكل في نظرنا أحد العوامل إن لم يكن أهمها الذي غذى ذلك النزوع.

     و بعد بسط منطلقاتنا النظرية و تحديداتنا المفاهيمية، و اعتمادا على المواد التوثيقية و المعطيات   و المعلومات المجمعة عن الفترة الذي دام فيها الحراك نشيطا على مستوى الشارع،  قمنا باستخراج ما يدلل على صدق فرضيتنا، مع ما يتطلب ذلك من يقظة إبيستمولوجية،و صرامة تحليلية مع قدر غير هين من “البرود الفكري” أمام موضوع ساخن و لاسع  لفكر الباحث كما وجدانه.

      من نافلة القول التذكير بأن حراك الريف هو احتجاج و ردة فعل جماعية على التهميش المجالي    و الفشل التنموي و سلطوية الإدارة، غير أن مظاهر” التقليدانية ” التي اعترته في نظرنا، كانت لرص الصفوف و تأمين نفس احتجاجي طويل الأمد أمام دولة شديدة السلطوية و المركزية لا تترك مساحة للأطر التنظيمية الحديثة الحقيقية للاشتغال بأريحية على المستوى السياسي كما المدني.

   و لهذا  لم يجد ” المجتمع الريفي المحلي” من أساليب و طرائق لمواجهة سلطوية الدولة و فوقيتها المترافقة مع إخفاقاتها في تنمية المنطقة، إلا ” المتن التقليداني” يمتح منه و يستمد عناصر الصمود      و الثبات في حركته الاحتجاجية ضد الإقصاء و التهميش (توظيف الهوية و الذاكرة الجماعية، القيادة الجماعية، الزعامة الكاريزماتية…). بمعنى أن توظيف بعض المظاهر التقليدانية في حراك الريف أملاه فشل الدولة في إنجاز تعاقد ديمقراطي حقيقي مع مجموع مواطنيها يسمح ببناء مؤسسات وسيطة سياسية و مدنية تمتص الصدمات و الاصطدامات بقدر ما تستجيب للمطالب و التطلعات؛ و ليس كما يمكن أن يتصور ذلك الحراك للوهلة الأولى كشكل من الاندفاع الجماعي العاطفي الوجداني الذي يتغذى  من “نوستالجيا” ماضوية منفصلة عن الحاضر و غير متطلعة للمستقبل.فلا ينبغي تناسي أن انخراط شرائح واسعة من سكان الريف في فعاليات هذا الحراك كان من أجل تحسين حاضر و مستقبل المنطقة و ليس العودة بها لماض فات و انتهى.

   و في آخر المقال ألزمنا أنفسنا بأخذ مسافة نقدية مع ما افترضناه و كتبناه لنطرح التساؤل التالي:

     ماذا لو كانت بعض مظاهر “التقليدانية” التي طبعت حراك الريف ليست  ” تقليدانية” بالقدر و الشكل الذي تصورناه، و أنها الأجزاء الظاهرة فقط من إستراتيجية مركبة فيها نفس حداثي متقدم عبر عن نفسه بأشكال غير مألوفة عند دعاة الحداثة ؟ بمعنى ماذا لو كان هذا الحراك ينتمي لتلك الأفعال الجماعية الاحتجاجية التي أصبحت تخترق المجتمعات المعاصرة بما فيها تلك المتقدمة اقتصاديا و الناضجة سياسيا، بحيث تجمع في حزمة واحدة بين المرجعية المجالية، و مسألة الهوية و الثقافة، مع السعي نحو الانتظام الذاتي… بهدف المطالبة بمساهمة أكبر للأفراد كما الجماعات في عملية تشكيل محيط الوجود الاجتماعي بما يخدم المتطلبات التنموية كما المتطلبات “الهوياتية” و الإحساس بالانتماء كما يرى آلان تورين A.Touraine  و جاك ليفي J.Lévy  مثلا.  و بالتالي نكون في حالة “حراك الريف” أمام جيل جديد من الأفعال الجماعية الاحتجاجية، على الدولة بالمغرب أن تأخذه بالحسبان كما الاعتبار قبل فوات الأوان.

كلمات مفتاحية:

حركة احتجاجية – أزمة الدولة – تقليدانية – حداثة .

 

Share Button

الكاتب: